بعد نحو شهرين من الغارة الأمريكية على طرابلس وبنغازي في أبريل 1986، كانت ليالي رمضان في جنزور تحمل مزيجاً من الحزن والخوف والترقب الحذر. ورغم أن آثار تلك الأيام لم تغب عن أحاديث الكبار، فإن الحياة كانت تحاول أن تستعيد إيقاعها الطبيعي. في جنان البيت، بعد الإفطار، جلس طفل صغير على كرسيه المتحرك أمام تلفزيون توشيبا أحمر مقاسه أربعة عشر بوصة، يتابع مباريات كأس العالم التي كانت تنقلها «القناة الجماهيرية» كما كانت تُعرف آنذاك. كانت الصورة تبث بجودة جيدة وواضحة لأنها قناة محلية، ولكن تعديل وتوجيه «الأنتينا» ــ الهوائي الصغير كما نسميها بلهجتنا الدارجة كان دائماً خطوة مهمة لضمان أفضل وضوح ممكن وتثبيت الصورة. كان ذلك الالتفاف حول الشاشة الصغيرة، والمباريات القادمة من المكسيك تمنح الناس شيئاً من الفرح والهروب من ثقل الأحداث.
كان البيت الليبي في تلك الفترة يعيش على إيقاع رمضان: صوت الأذان، رائحة الشاهي الأخضر، بقايا ضحكات العائلة بعد الفطور، وهدوء الليل حين تخف الحركة في الحوش. في زاوية الجنان، وُضع التلفزيون على طاولة بسيطة، كأنه ضيف مهم. شاشة صغيرة، لكنها كانت تفتح نافذة على عالم كامل. من خلالها كانت تصل مباريات كأس العالم، ذلك الحدث البعيد الذي جعل المكسيك، بملاعبها وجماهيرها، تدخل إلى بيوت الناس في جنزور وطرابلس وكل المدن.
الطفل الجالس على كرسيه المتحرك لم يكن يرى في الشاشة مجرد مباراة. كان يرى من خلالها وسيلة عبور حرّة تلغي المسافات، وتمنحه حق المشاركة الكاملة في صخب العالم الخارجي والاندماد مع تفاصيل مجتمعه. الكرة تركض، اللاعبون يندفعون، الجمهور يهتف، وهو في مكانه يتفاعل بحضور ذهني وشغف لا يقل عن أي مشجع في قلب الملاعب المكسيكية. كان واعياً ومدركاً لأسماء المنتخبات وتفاصيل اللعبة التي كبرت معه، ورغم أنه ربما لم يكن يعرف أن تلك البطولة ستصبح من أكثر بطولات كأس العالم خلوداً في الذاكرة، إلا أنه كان يشعر أن شيئاً كبيراً يحدث أمامه.
لم تكن هذه أولى نوافذي على سحر «المونديال»؛ فكما شاركتكم في تدوينات سابقة، كان عام 1982 عاماً استثنائياً وبداية رحلتي الحقيقية مع الساحرة المستديرة. هناك، في مدينة بلغراد عاصمة يوغسلافيا آنذاك، وأنا طفل صغير أتلقى العلاج، تعلّق قلبي بالبطولة المقامة في إسبانيا؛ بباولو روسي وتارديلي وإيطاليا، وبسحر البرازيل وحضور الجزائر المشرّف. هناك، بجانب ملعب «ماراكانا» القريب من المستشفى حيث كنت أسمع هدير ديربي بلغراد القوي بين النجم الأحمر وبارتيزان، وُولد شغفي الأول بالكرة وتفاصيلها. واليوم، في صيف جنزور 1986، كان هذا الشغف ينضج ويكبر أمام شاشة التلفزيون الأحمر ليعلن اندماجي التام مع محيطي وعائلتي.
في رمضان، يصبح الليل أطول في الذاكرة. وبفعل فارق التوقيت الشاسع بين المكسيك وليبيا، والذي يقترب من ثماني ساعات، كانت معظم المباريات تبث في أوقات متأخرة جداً من الليل، لتتحول تلك الساعات المتأخرة إلى طقس يومي مبهج يدعم السهر الرمضاني والانتظار العائلي حتى موعد السحور. بعد صلاة التراويح وخلال تلك السهرات العائلية، كانت المباريات تُشاهد كأنها حكايات؛ حيث كان صوت صلاح بلعيد ومحمد بنتاهية يختلط بصوت الملاعق في كؤوس الشاي، وبحفيف أوراق شجرة الليمون، وتحت ظلال كرمة العنب الوارفة التي كانت زينة كل حوش في جنزور ولا سيما في منطقتنا «المشاشطة» وبالنسيم القادم من جهة البحر. لا تسعفني الذاكرة إن كان الصوت المهيب والتفاصيل الغزيرة للأستاذ محمد بالراس علي أشهر معلقي كرة القدم وأفضلهم في ليبيا والوطن العربي آنذاك ــ قد رافقنا في هذا المونديال أم لا، لكن أصوات أولئك المعلقين كانت تملك سحرها الدافئ الذي يشد الآذان نحو الشاشة الصغيرة. كانت الصورة تبدو ممتازة وواضحة كلما حظيت الأنتينا بضبط صحيح، والحماس لا ينقطع أبداً. يكفي أن تظهر الكرة حتى يصمت الجميع لحظة، ثم ترتفع التعليقات والضحكات والدعوات.
كأس العالم 1986 لم يكن مجرد بطولة رياضية. كان زمناً كاملاً. كان زمن مارادونا، وزمن التلفزيونات الصغيرة، وزمن العائلات التي تجتمع حول جهاز واحد. بالنسبة لذلك الطفل، كان التلفزيون الأحمر أكثر من جهاز؛ كان نافذة عبور، وأداة تكنولوجية بسيطة يسرت له الاندماج التام مع محيطه ومشاركة عائلته ذات الحلم والشغف. لم تكن جدران الحوش أو غياب التهيئة العمرانية عائقاً أمام تدفق العالم إليه؛ فقد كان كل هجوم في المباراة رحلة تواصل حية، وكل هدف باباً يُفتح على متعة مشتركة.
في جنزور، حيث البيوت متواضعة والجنائن قريبة من الروح، كان المشهد يحمل جمالاً خاصاً: قمر صيفي فوق السطح، مصباح أصفر على الجدار، كرسي معدني بجانب شجرة الليمون وتحت أوراق كرمة العنب المتدلية، وصغير يتابع العالم من مكانه بثبات ودهشة. لم يكن يحتاج إلى ملعب كبير ليعيش البطولة. كان ملعبه شاشة توشيبا، وسماء المكسيك تصل إليه عبر «أنتينا» صغيرة.
رمضان 86 بقي في الذاكرة لأنه جمع بين روح الشهر ودهشة الكرة. الصوم نهاراً، السهر ليلاً، والمباريات التي جاءت من آخر الدنيا لتجلس بين الناس في بيوتهم. وربما لهذا تبدو تلك الصورة مؤثرة: طفل على كرسيه المتحرك، في جنان بيت من بيوت جنزور، يشاهد كأس العالم في ليلة رمضانية صيفية، بكامل استقلاليته واندماجه مع تفاصيل مجتمعه، وكأن العالم كله صار قريباً بما يكفي ليدخل من شاشة صغيرة حمراء.
إنها ليست مجرد لقطة قديمة. إنها حكاية عن زمن كان فيه القليل يكفي لصناعة الفرح. وعن طفل لم يكن متفرجاً سلبياً، بل كان شريكاً أصيلاً وشاهداً صغيراً على لحظة كروية وإنسانية لا تُنسى.
