في مسيرتنا نحو بناء مجتمع ليبي يحترم سيادة القانون ويضمن حقوق جميع مواطنيه دون تمييز، نصطدم أحياناً بوقائع مفجعة تعيدنا خطوات إلى الوراء، وتدق ناقوس الخطر حول مدى هشاشة تطبيق القانون وحماية الفئات الأكثر حاجة للرعاية والعدالة.
تلقيت ببالغ الأسى والاستهجان، عبر تقرير المُؤسسّة الوطنيـّـة لـحُقـوقُ الـإنْسَّٰان بـلـيبيـا، تفاصيل الواقعة المأساوية التي أودت بحياة المواطن والزميل "الصديق علي كريدان"، والذي عرفته شخصياً عن قرب كأحد أعضاء اللجنة البارالمبية الليبية، ورئيس فرع وزارة الشؤون الاجتماعية ببلدية السبيعة. الصديق، الذي أذكره دائماً كإنسان بشوش، لطيف، وحسن الأخلاق، كان من الأشخاص ذوي الإعاقة الحركية، وفارق الحياة إثر تعرضه لاعتقال تعسفي، وتعذيب جسدي ونفسي، وإهمال طبي متعمد. وهي القضية التي كنت قد تابعتها وأفردت لها تدوينة في عام 2024، بناءً على كل المعلومات والمستندات التي نشرتها المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا على صفحتها الرسمية على الفيسبوك، وكانت التدوينة بعنوان: "المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا تطالب بالتحقيق الفوري في وفاة الصديق علي كريدان جراء التعذيب".
توضيح حقوقي مبدئي:
قبل الخوض في التفاصيل، من المهم التأكيد على مبدأ حقوقي راسخ: أنا هنا لا أُبرئ أحداً من أية تهم منسوبة إليه، فأنا مؤمن تماماً بأن القانون يجب أن يأخذ مجراه ويُطبق على الجميع دون استثناء، طالما أن الشخص يتمتع بكامل أهليته وقواه العقلية ويخضع لمحاكمة عادلة. ولكن، ما يعنيني كمدون حقوقي هو الجانب الإنساني والقانوني لظروف الاحتجاز. فالسجين، مهما كانت تهمته، يحتفظ بحقوقه الأصيلة التي لا تسقط عنه. وما كشفت عنه الملابسات، حسب التقارير التي أطلعتنا عليها المنظمة، يعكس انتهاكاً صارخاً لهذه الحقوق وغياباً تاماً لأبسط معايير الرعاية.
ماذا حدث؟ (الوقائع من منظور حقوقي)
بناءً على شكوى عائلة الضحية وتوثيق قسم تقصي الحقائق بالمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، تعرض السيد علي كريدان لاحتجاز تعسفي خارج نطاق القانون لمدة تقارب الأربعة أشهر من قبل "جهاز الردع لمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب"، وذلك على خلفية خلاف إداري مدني مع عميد بلدية السبيعة.
الأمر لم يتوقف عند سلب الحرية، بل امتد إلى إساءة استعمال السلطة، وممارسة التعذيب والإهمال الطبي داخل مكان الاحتجاز لشخص ذي إعاقة يحتاج إلى متطلبات ورعاية طبية ويومية خاصة. وبعد تدهور حالته الصحية بشكل خطير، تم تسليمه لأهله ونقله إلى تونس للعلاج، ليفارق الحياة بعد خمسة أيام فقط متأثراً بما كابده طوال فترة احتجازه.
الإعاقة، النموذج الاجتماعي، والعدالة الغائبة
انطلاقاً من النموذج الاجتماعي للإعاقة، نؤكد دائماً أن العوائق البيئية والمؤسسية هي ما يعيق مشاركة وحياة الأشخاص ذوي الإعاقة. وفي حالة السجون ومراكز الاحتجاز، فإن حرمان الشخص ذي الإعاقة من الترتيبات التيسيرية المعقولة، ومن الرعاية الطبية التي تتناسب مع حالته، يُعد بحد ذاته شكلاً من أشكال التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية.
السيد علي لم يمت بسبب إعاقته، بل مات بسبب نظام احتجاز لم يحترم آدميته، وبسبب استغلال النفوذ الذي جرده من حقه في التقاضي العادل.
دعونا نبسط بعض المصطلحات الحقوقية المرتبطة بهذه القضية:
الاحتجاز التعسفي: هو سلب حرية إنسان دون مذكرة توقيف رسمية من النيابة العامة، ودون إعطائه حقه في الدفاع عن نفسه أمام القضاء. وهو ما يمثل خرقاً صارخاً لقانون الإجراءات الجنائية الليبي.
جريمة التعذيب والإخفاء القسري: وفقاً للقانون الليبي رقم (10) لسنة 2013، فإن أي ممارسة تلحق ألماً جسدياً أو نفسياً بشخص محتجز للحصول على اعتراف أو كعقاب (أو بسبب التمييز)، هي جريمة يعاقب عليها القانون ولا تسقط بالتقادم.
مسؤولية وزارة الشؤون الاجتماعية والجهات المعنية
في هذا السياق، أحمّل وزارة الشؤون الاجتماعية والجهات الرقابية المعنية جزءاً كبيراً من المسؤولية حيال ما يحدث. إن غياب آليات الرصد الفعالة لهذه الانتهاكات، وعدم توفير الحماية الكافية للمحتجزين والسجناء من الأشخاص ذوي الإعاقة، يُعد تقصيراً مؤسسياً خطيراً وتخلياً عن الواجبات المناطة بها.
من أبسط الحقوق المكفولة للسجين أو المحتجز ذي الإعاقة أن يحظى بمراقبة صحية مستمرة، ومعاملة إنسانية تراعي نوع إعاقته واحتياجاته الخاصة. فالسجين، مهما كانت التهم الموجهة إليه (ناهيك عن كونه محتجزاً تعسفياً في هذه الحالة)، يبقى إنساناً يتمتع بحقوق أصيلة، وله خصوصيته التي يجب أن تحظى بالاحترام والرعاية وفقاً للمواثيق المحلية والدولية. الإعاقة لا تسقط الحقوق، وسلب الحرية لا يعني سلب الكرامة الإنسانية.
موقفنا ومطالبنا
إن ما تعرض له الضحية يُشكل انتهاكاً صارخاً للاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD) التي صادقت عليها ليبيا، وتحديداً:
- المادة 14: الحق في الحرية والأمن الشخصي وعدم الحرمان من الحرية بشكل غير قانوني أو تعسفي.
- المادة 15: عدم التعرض للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
بصفتي مدوناً ومدافعاً عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، أضم صوتي لصوت المُؤسسّة الوطنيـّـة لـحُقـوقُ الـإنْسَّٰان بـلـيبيـا، وأدعم مطالبها الموجهة إلى السيد المستشار النائب العام ورئيس المجلس الرئاسي بضرورة:
- فتح تحقيق جنائي فوري وشامل وشفاف في ملابسات هذه الواقعة.
- مساءلة ومحاسبة جميع المتورطين، سواء من أمر بالاعتقال (عميد البلدية) أو من نفذ التعذيب والاحتجاز (عناصر الجهاز الأمني).
- إنهاء ثقافة الإفلات من العقاب التي تقوض سيادة القانون في ليبيا.
رسالة إلى مجتمع ذوي الإعاقة والمجتمع الليبي
قضية علي كريدان ليست مجرد خبر عابر، بل هي جرس إنذار لنا جميعاً. الصمت على هذه الانتهاكات يشرعن تكرارها. أطالبكم جميعاً، نشطاء، حقوقيين، وأشخاصاً ذوي إعاقة، بعدم التزام الصمت. شاركوا هذه القضية، طالبوا بالعدالة، ولنعمل معاً لضمان أن تكون مؤسساتنا وجهات إنفاذ القانون خاضعة للمساءلة وتحترم حقوق الإنسان.
رحم الله الزميل علي كريدان، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان، وحقق لهم العدالة الناجزة.