Loading... | ... | 00:00

عذر "حسن النية": هل يبرر تهميش ذوي الإعاقة الذهنية؟

مشاركة

 

بعد نشرنا للمقال الذي كشفنا فيه عن "مفارقة التصنيف" في مشاركة وفد ليبي بملتقى التجديف للأولمبياد الخاص في روما، ومرافقة وزيرة الشؤون الاجتماعية لفريق من ذوي "الإعاقة الحركية" للمشاركة في حدث مخصص لـ "الإعاقة الذهنية"؛ كنا ننتظر توضيحاً مسؤولاً يعالج هذا الخلل. بدلاً من ذلك، طالعتنا اللجنة البارالمبية الليبية ببيان رسمي موجه للوزيرة. وهنا أطرح تساؤلاً جوهرياً: لا أفهم ما دخل اللجنة البارالمبية الليبية في الرد على هذه القضية من الأساس؟ فمن المفترض أن الجهة المعنية بالتعليق وإصدار التوضيحات هي إدارة الأولمبياد الخاص الليبي! على أية حال، هذا البيان يمثل في جوهره اعترافاً رسمياً مكتوباً بكل ما وجهناه من نقد. بل ويضيف تبريرات إدارية وحقوقية كارثية، محاولاً تفكيك الأزمة وتغطية الفشل الإداري بعبارات الشكر والامتنان.

لعل أخطر ما جاء في هذا البيان هو الاعتراف الصريح بأن المشاركة تمت "بحسن نية غير مقصود"، رغم إقرارهم بأن الدعوة كانت موجهة في الأصل إلى الأولمبياد الخاص. في الأعراف الرياضية والحقوقية الدولية، لا تُدار ميزانيات الدول ولا تمثيلها الخارجي بالنيات. الدعوة كانت واضحة ومخصصة لذوي الإعاقة الذهنية، ومع ذلك تم الاستحواذ على هذا المقعد وإرسال رياضيين من تصنيف آخر. هذا ليس خطأً عابراً، بل هو جهل إداري فادح وتهميش متعمد وموثق للرياضيين من ذوي الإعاقة الذهنية الذين سُلبت فرصتهم الحقيقية في الدمج.

وما يزيد الأمر سوءاً هو محاولة البيان تجميل الموقف بادعاء التعامل مع الحدث "بمهنية" لمجرد أن الوفد حظي باستقبال وعاد سالماً. إن المهنية الحقيقية تكمن في قراءة الدعوات الدولية بدقة وتوجيهها لمستحقيها الفعليين. أما حفاوة استقبال المنظمين الإيطاليين، فهي تعكس لباقة الضيافة لوفد تكبد عناء السفر، ولا تُعد بأي حال من الأحوال إنجازاً مهنياً للإدارة الليبية. الفشل في تطبيق مبدأ "الرياضة الموحدة" والذهاب بتصنيف خاطئ سيبقى نقطة سوداء في سجل الإدارة، بغض النظر عن بروتوكولات الاستقبال.

وفي محاولة كلاسيكية للهروب إلى الأمام واستخدام أساليب العلاقات العامة، أقحم البيان قضية دعم الوزيرة لمنتخب كرة السلة على الكراسي المتحركة وتغطية تذاكر سفرهم للكويت. وهنا نؤكد بوضوح أن دعم رياضة ذوي الإعاقة هو حق أصيل وواجب أساسي على الدولة، وليس مَكرمة تستوجب التطبيل. من المعيب جداً استخدام دعم فئة (الإعاقة الحركية في كرة السلة) كغطاء لتمرير فضيحة سلب حقوق فئة أخرى (الإعاقة الذهنية في التجديف). لا يمكن إطلاقاً تغطية خطأ إداري فادح في روما، بإنجاز روتيني في الكويت.

في هذا السياق الحقوقي، لا يمكننا إعفاء إدارة الأولمبياد الخاص الليبي من المسؤولية الكاملة. إن صمتهم وتهاونهم أمام الاستحواذ على مقاعد رياضية خُصصت دولياً لمنتسبيهم يُعد تواطؤاً وتفريطاً في الأمانة. وفقاً للقواعد العامة للأولمبياد الخاص الدولي، فإن مهمتهم الأساسية هي حماية حقوق هؤلاء الرياضيين وضمان مشاركتهم الحصرية. كما أن السماح بهذا التهميش يمثل خرقاً لروح المادة (30) من الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD)، التي تلزم بضمان حق مشاركة ذوي الإعاقة في الأنشطة الرياضية المخصصة لهم دون إقصاء. سكوت الإدارة المعنية هو تنازل غير مبرر عن حقوق من أُسست لتمثيلهم والدفاع عنهم.

إذا لم نرفع نحن، كمدونين ومناصرين، أصواتنا للدفاع عن هذه الحقوق، فمن سيفعل؟ فئة الإعاقة الذهنية غالباً ما تكون الأقل تمثيلاً في دوائر صنع القرار، ولا يقتصر الأمر على سلب حقوقهم بقرارات تُتخذ خلف الأبواب المغلقة أو تُبرر بأعذار واهية، بل يتعداه إلى استغلال البعض لظروفهم لتحقيق مصالح شخصية وضيقة على حسابهم. دورنا ومسؤوليتنا الأخلاقية ألا نصمت أمام هذا العبث، وأن نوثق ونكشف هذه التجاوزات لنكون صوتاً يطالب بحقهم الأصيل في الدمج والتمثيل العادل، ولنمنع تحول هذا الاستغلال الإداري إلى قاعدة يُسكت عنها.

في الخلاصة، لم تزد رسالة الشكر هذه الطين إلا بلة. لقد أثبتت أن أولويات التمثيل الرسمي غارقة في العشوائية والمجاملات، وأن من يدير المشهد الرياضي يفتقر للوعي بأبسط قواعد التصنيف الدولي. رسالتنا لوزارة الشؤون الاجتماعية، وللجنة البارالمبية، ولإدارة الأولمبياد الخاص الليبي: التمكين الحقيقي يبدأ بالعدالة في توزيع الفرص، واحترام التخصصات، وإنهاء سياسة "السفريات الشرفية" على حساب من لا يملكون صوتاً. حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة تُنتزع بالمعايير الصارمة والمساواة، لا ببيانات الشكر التي تُصاغ بـ "حسن نية"!


مشاركة المقال
شارك
✓ تم نسخ النص