شهدت العاصمة الإيطالية، يوم الجمعة الماضي، انطلاق فعاليات الملتقى الأول للتجديف للأولمبياد الخاص، والذي أقيم في نادي التجديف التاريخي "تيفيري ريمو". لم يكن هذا الحدث مجرد تظاهرة رياضية عادية، بل شكل نقطة التقاء هامة بين الجهود الدولية لترسيخ "الرياضة الموحدة"، والجهود الوطنية الليبية الساعية لتعزيز حضور الأشخاص ذوي الإعاقة في المحافل الدولية.
الرؤية الإيطالية: الرياضة الموحدة ومساعي الاعتماد الدولي
من الجانب الإيطالي، برز التركيز بقوة على تهيئة البيئة الدامجة؛ حيث عكس حفل الافتتاح الدور المحوري للنادي المضيف برئاسة السيد دانييلي ماسالا. وقد اُعتبرت استضافة النادي لأنشطة الأولمبياد الخاص نموذجاً تطبيقياً لمفهوم "الدمج الشامل". وسلطت الفعاليات الضوء على القيمة الحقوقية لـ "الرياضة الموحدة" (Unified Sports)، وهي ركيزة أساسية في برامج الأولمبياد الخاص تقوم على دمج رياضيين من ذوي الإعاقة الذهنية مع أقرانهم من غير ذوي الإعاقة (يُطلق عليهم اسم "الشركاء") للتدريب والتنافس معاً في نفس الفريق الرياضي. هذا النموذج يتجاوز كونه مجرد نشاط بدني ليصبح تطبيقاً عملياً وعميقاً لـ "النموذج الاجتماعي للإعاقة"، حيث يساهم بشكل فعّال في كسر القوالب النمطية، محاربة العزلة الاجتماعية، وبناء جسور من التفاهم والمساواة الحقيقية على أرض الملعب. وترافق تسليط الضوء على هذا المفهوم مع إعلان إدارة الأولمبياد الخاص الإيطالي (بقيادة أليساندرا وأليساندرو بالازوتي) عن مساعٍ جادة لترشيح التجديف لتُعتمد رسمياً كرياضة في الألعاب العالمية القادمة للأولمبياد الخاص.
المشاركة الليبية عبر منصة "حكومتنا": استعراض إعلامي أم إهدار للمال العام؟
على الصعيد الوطني، طالعتنا منصة "حكومتنا" الرسمية بخبر فضفاض ومبهم حول مشاركة وزيرة الشؤون الاجتماعية، وفاء الكيلاني، في حفل الافتتاح. كقارئ ومتابع، لم أستطع فهم ماهية هذه البطولة من صياغة الخبر الرسمية! لم يُذكر اسم البطولة بدقة، ولا طبيعتها، ولا حتى تصنيفاتها، بل تم تغليف الخبر بعبارات إنشائية وشعارات رنانة حول "تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة" و"توسيع حضورهم الدولي".
هذا التخبط الإعلامي يطرح تساؤلاً جوهرياً ومؤلماً في آنٍ واحد: هل ذهبت السيدة الوزيرة في مهمة عمل حقيقية لدعم حقوق ذوي الإعاقة، أم أنها مجرد رحلة استعراضية ونزهة في شوارع روما تُصرف عليها أموال طائلة من خزينة الدولة؟ من المعيب حقاً أن تُهدر ميزانيات ضخمة على رحلات ومشاركات شرفية لالتقاط الصور التذكارية، في الوقت الذي يعاني فيه الكثير من الأشخاص ذوي الإعاقة في ليبيا من الحرمان من أبسط مقومات الحياة المستقلة، وينتظرون لأشهر للحصول على مُعِدّات أساسية مثل الكرسي المتحرك! إن التمكين الفعلي لا يُصنع بالكلمات في المحافل الدولية، بل بتوفير الحقوق الأساسية على أرض الواقع.
وقد أثبت الفريق الليبي للتجديف جاهزيته واستقلاليته من خلال خوض جولات تدريبية مكثفة وبرنامج إعداد فني دقيق قبل انطلاق المنافسات. ولكن المفارقة الصارخة هنا، هي أن جميع الرياضيين الليبيين الذين خاضوا السباقات كانوا من ذوي الإعاقة الحركية بالكامل؛ وهو أمر إن كان يعكس الجدية والالتزام الشخصي لهؤلاء الأبطال في إثبات قدراتهم، فإنه يتناقض جذرياً مع طبيعة الحدث المخصص للإعاقات الذهنية ومفهوم "الرياضة الموحدة"!
كمتابع لرياضة ذوي الإعاقة: مفارقة التصنيف الرياضي وغياب الوعي الإداري!
من منظور حقوقي، نثمن دائماً أي خطوة نحو التمكين والتواجد الدولي، ولكن تبرز هنا مفارقة كبيرة تستوجب التوقف والتساؤل: الحدث المُقام في روما يتبع تنظيمياً لـ "الأولمبياد الخاص"، وهو المحفل المخصص عالمياً لتمكين الرياضيين ذوي الإعاقة الذهنية ودمجهم مع أقرانهم من غير ذوي الإعاقة. إلا أن المتابع لطبيعة المشاركة الليبية يجد أن الفريق الذي تسابق يتكون بالكامل من رياضيين يندرجون تحت تصنيف مسار "الألعاب البارالمبية" (ذوي الإعاقات الحركية)، دون أي التزام بمبدأ "الرياضة الموحدة" الذي بُنيت عليه البطولة، ودون إشراك أي رياضي من ذوي الإعاقة الذهنية!
وما يزيد من فداحة هذا الموقف هو الحضور الرسمي المتمثل في وزيرة الشؤون الاجتماعية، وتكفل الوزارة بتمويل سفر ومشاركة هذا الفريق رغم عدم تطابق تصنيفهم مع طبيعة الحدث. هذا يؤكد أن المشاركة كانت مجرد خطوة "استعراضية" لا تُعير أي اهتمام للمعايير والتصنيفات الرياضية الصحيحة، ويعكس بوضوح غياب الدراية الكافية لدى أعلى هرم الوزارة. هذه الكارثة الإدارية أدت عملياً إلى حرمان الرياضيين من ذوي الإعاقة الذهنية من حقهم الأصيل في الدمج والمشاركة في رياضة ومحفل خُصص لهم بالأساس.
إن المشكلة هنا تكمن في صلب الإدارة؛ فمن الواضح والمؤسف أن أولويات التمثيل الرسمي باتت تتركز على "السفريات" والمشاركات الشرفية لالتقاط الصور، على حساب العمل الحقوقي الحقيقي والتمثيل العادل والمنصف. إن دقة التصنيف ليست مجرد شكليات، بل هي أساس حقوقي يضمن تكافؤ الفرص وعدم تهميش فئة لصالح فئة أخرى.
دعوة للنقاش التفاعلي:
انطلاقاً من رؤيتنا الداعمة لحقوق ذوي الإعاقة؛ كيف يمكننا في ليبيا معالجة هذا الخلل الإداري وغياب الوعي بالتصنيفات الرياضية؟ وما هي السبل لضمان حصول ذوي الإعاقة الذهنية على فرصهم الرياضية محلياً ودولياً بشكل مستقل بعيداً عن سياسة "المشاركات الشرفية والسفريات"؟ شاركونا آراءكم.