Loading... | ... | 00:00

من شاشة طفولتي إلى أوركسترا العدسات: 16 مايسترو يقودون ثورة البث في مونديال 2026

مشاركة

 

في طفولتي، أذكر أول مرة تابعت فيها مباريات كأس العالم؛ كان ذلك خلال فترة علاج طويلة قضيتها في بلغراد (عاصمة صربيا حالياً، والتي كانت عاصمة يوغوسلافيا في الثمانينيات) عام 1982، حينما استضافت إسبانيا البطولة. في ذلك الوقت، كان النقل التلفزيوني بسيطاً يعتمد على عدد محدود جداً من الكاميرات في الملعب (حيث لم يكن يتجاوز من 4 إلى 8 كاميرات فقط للمباراة الواحدة وفقاً لمراجع تاريخ البث الرياضي)، ولم تكن الشاشات تعرض تلك الدقة الفائقة أو سيل المعلومات والإحصائيات اللحظية التي نعتمد عليها اليوم. الآن، أصبح تطور النقل التلفزيوني رهيباً ومعقداً ليواكب شغف الجماهير. ولإدارة هذا التطور المذهل، فإن تشكيل 16 فريقاً ثابتاً لتغطية مباريات كأس العالم 2026 يعني بالضرورة الحاجة إلى تعيين 16 مخرجاً تلفزيونياً لقيادة كل فريق، ليكون هناك مخرج رئيسي لكل ملعب. تاريخياً، وفي البطولات السابقة لكأس العالم، سيطرت الأطقم والمخرجون من القارة الأوروبية بشكل شبه كامل على مقاعد الإخراج في الفيفا. وكان المبرر الدائم هو امتلاكهم لخبرات تراكمية فائقة ناجمة عن إدارتهم لأعلى مستويات البث الرياضي في الدوريات الأوروبية الكبرى وبطولة دوري أبطال أوروبا.

ولكي ندرك حجم هذه القفزة التكنولوجية، يكفي أن نتأمل شريط الذكريات لتاريخ النقل الرياضي لكرة القدم. فقد بدأت الرحلة بمحاولات بدائية أواخر القرن التاسع عشر لتوثيق المباريات عبر كاميرات سينمائية ضخمة، قبل أن يسيطر البث الإذاعي في الثلاثينيات عبر شبكات رائدة مثل (BBC). ومع دخول حقبة التلفزيون، شكلت بطولات مثل مونديال 1966 نقطة تحول جذبت عشرات الملايين من المشاهدين. وتوالت بعدها الثورات التقنية؛ من عصر الأشرطة التماثلية (Analog/VHS) والبث الملون الذي عاصرته في طفولتي، مروراً بالثورة الرقمية وتقنيات الوضوح العالي (HD)، وصولاً إلى الجودة الخارقة (4K Ultra HD) ومنصات البث التدفقي (Streaming) في وقتنا الحاضر. هذا الإرث الطويل من التطور، الذي يلوح في أفقه اليوم استخدام الذكاء الاصطناعي (AI) والواقع الافتراضي (VR)، هو ما جعل إدارة هذه الترسانة البصرية تتطلب استراتيجية جديدة كلياً.


وهنا يأتي دور نسخة 2026 التي تمثل تحولاً إيديولوجياً وفلسفياً مهماً من قبل الفيفا، حيث تقرر تنويع المدارس الإخراجية والانفتاح على العالم لجلب "شعور عالمي" حقيقي لتغطية المباريات. وفي هذا السياق، أكد "أوسكار سانشيز"، رئيس الإنتاج، أن البحث عن المخرجين المتميزين تخطى الحدود الجغرافية الأوروبية ليشمل كفاءات تعيش وتتنفس ثقافة كرة القدم في قارات أخرى، مصرحاً بأنه لا يمكن لأحد أن ينكر أن دولاً بطلة للعالم مثل الأرجنتين تمتلك شغفاً وتفهماً عميقاً لكرة القدم يوازي أو يفوق نظراءهم في أوروبا. وبناءً على ذلك، سيتم توجيه مباريات كأس العالم 2026 بواسطة 16 مخرجاً من أفضل المخرجين عالمياً، وتضم هذه النخبة المختارة، إلى جانب الأوروبيين، مخرجين من الولايات المتحدة الأمريكية، والمكسيك، والأرجنتين، وأستراليا، وهو ما يؤكد التوجه العالمي الجديد بشكل قاطع.

ولم تكن عملية دمج هؤلاء المخرجين الجدد خطوة عشوائية لسد الشواغر، بل خضع المرشحون لعملية تدقيق وضبط جودة متطرفة في صرامتها لضمان قدرتهم على إدارة 45 كاميرا في حدث عالمي ضخم. شملت هذه العملية الدقيقة متابعة دورية ومستمرة، حيث كانت تتلقى شركة الإنتاج (HBS) جداول المباريات المحلية التي يخرجونها لتقييم أدائهم المباشر عن بُعد. كما تم فحص أشرطة المباريات وإجراء تقييم جودة بأثر رجعي لتحليل قراراتهم الإخراجية، ومراجعة التغذيات البصرية بعد انتهاء المباريات لتقييم مدى دقة وسرعة بديهتهم في اختيار الزاوية المناسبة في اللحظات الحاسمة.

وكخطوة نهائية وجريئة، تم استخدام بطولة كأس العالم للأندية كحقل تجارب حي وساحة اختبار فعلية لوضع هؤلاء المخرجين العالميين تحت ضغط البطولات الكبرى الحقيقي. ولم يقتصر التقييم على المهارة الفنية في التعامل مع الأجهزة، بل شمل تقييماً نفسياً وسردياً لحماسهم وشغفهم وفهمهم العميق لأسلوب لعب الفرق. بالإضافة إلى ذلك، تم قياس مدى قيامهم بالبحث الاستباقي عن الفرق واللاعبين الأقل شهرة لتوقع تحركاتهم التكتيكية، مما يعكس تحولاً جذرياً من مجرد "إخراج الصورة" إلى "صناعة السرد الرياضي".

وفي مسعى إضافي من الفيفا و(HBS) لتحسين الميزانيات التشغيلية وتفادي التكاليف الباهظة لتأسيس كافة العمليات في الولايات المتحدة، تم ابتكار نموذج معماري هجين يربط مركز البث الرئيسي في مدينة دالاس بمركز ثانوي لعمليات ما بعد الإنتاج (Post-Production Hub) في العاصمة البريطانية لندن. يهدف هذا المركز إلى الاستفادة من خزان المواهب التقنية والإبداعية المتوفر في القارة الأوروبية، حيث تم تخصيص مقر لندن ليكون مركزاً حصرياً متصلاً شبكياً لإدارة عمليات التحرير، وصناعة الأفلام الوثائقية المرافقة للبطولة، وتجميع اللقطات الأرشيفية للبطولات الحالية والسابقة. ويأتي هذا التوجه استنساخاً لنموذج مالي وتشغيلي ناجح تم اختباره وتنفيذه مسبقاً في بطولات عام 2023، ليؤكد تحول الفيفا نحو إنتاج إعلامي لا تقيده الحدود الجغرافية.

وينعكس هذا الحجم الهائل للمحتوى المنتج من قبل منصة البث المضيف التابعة للفيفا، بمعدل 45 كاميرا لكل من الـ 104 مباريات، بشكل إيجابي ومباشر على البرمجة الخاصة بالشركاء الإعلاميين الكبار، الذين يعتمدون على هذا السيل من التغذيات لملء ساعات بثهم. وتشير تحليلات حقوق البث في الأسواق الكبرى إلى ضخامة العمليات المترتبة على ذلك؛ ففي السوق الأمريكية، وبصفتها الناقل الحصري باللغة الإسبانية في الولايات المتحدة، تخطط شبكة "تيليموندو" (Telemundo) التابعة لشبكات NBC لتغطية تعتبرها "الأكثر طموحاً في تاريخ التلفزيون" لبطولات كأس العالم. ستغطي الشبكة جميع المباريات الـ 104 بمستوى بث حي وتواجد ميداني في الملاعب عبر كندا والمكسيك والولايات المتحدة، حيث ستنتج ما يفوق 700 ساعة من التغطية، سيُبث 92 مباراة منها مجاناً على الهواء عبر (Telemundo)، و12 مباراة عبر قناة (Universo)، إلى جانب البث المباشر الكامل على منصة (Peacock) وتطبيق تيليموندو الرقمي، مما يوضح الاعتماد الكلي على الإنتاج الضخم للفيفا.

أما في السوق البريطانية، فقد تقاسمت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) وشبكة (ITV) حقوق نقل بطولتي 2026 و 2030 مناصفة. ويضمن هذا التقاسم الاستراتيجي بقاء تغطية كأس العالم مجانية للمشاهد (Free-to-air)، وهو التزام راسخ في الثقافة الإعلامية البريطانية، مع تغطية حية عبر القنوات التلفزيونية، ومنصة iPlayer، و ITVX، فضلاً عن التغطيات الإذاعية عبر BBC Radio 5 Live، مما يؤكد على أهمية الإشارات الصوتية والرقمية المتنوعة التي يوفرها الفيفا من مقر البث. ولإدارة هذه العلاقة الوثيقة، يتولى قسم "خدمة جهات البث" (Broadcaster Servicing) في قطاع FIFA TV، بالتنسيق مع قسم الإنتاج المضيف، الإشراف المعقد والمستمر على حماية حقوق هؤلاء الشركاء، وضمان استلامهم الإشارات بجودة تقنية لا تساوم، مطابقة للمعايير التقنية الصارمة المتفق عليها، وتلبية كافة احتياجاتهم اللوجستية في مواقع الملاعب.

في النهاية، يثبت هذا المسار الشامل، بدءاً من التطور التاريخي المذهل لتقنيات البث، مروراً باختيار مخرجين من النخبة العالمية وابتكار مراكز إنتاج هجينة عابرة للقارات، وصولاً إلى تلبية المتطلبات الهائلة للشركاء الإعلاميين الكبار، صحة الادعاء القائل بأن الفيفا يسعى لتقديم نسخة استثنائية وغير مسبوقة من كأس العالم تدار بأحدث الاستراتيجيات الفنية والتشغيلية.

مشاركة المقال
شارك
✓ تم نسخ النص