حين تظهر قناة أو منصة إعلامية ليبية باستوديوهات مجهزة، وإنتاج متواصل، ومذيعين ومراسلين وحضور واسع على مواقع التواصل، فمن الطبيعي أن نسأل: من يدفع هذه التكاليف؟ ومن يملك المؤسسة فعلًا؟ وما المصالح المرتبطة بما تقدمه لنا؟
أكتب هنا بصفتي متابعًا للإعلام، ولست متخصصًا في دراساته. وما أطرحه هو ملاحظات وأسئلة من موقع المشاهد، وليس نتائج دراسة شاملة لكل القنوات والبرامج. لكنني لا أحتاج إلى تخصص حتى أفهم أن من حقي معرفة الفرق بين الخبر والدعاية، وبين مساءلة المسؤول والترويج له، وبين مؤسسة تخدم جمهورها وأخرى تستخدم الجمهور لخدمة ممولها.
ومن هنا جاء تساؤلي عن «تلفزيون حصاد» وغيره من القنوات والمنصات الليبية: أين المعلومات التي يستطيع المشاهد الرجوع إليها لمعرفة المالك الحقيقي، ومصادر التمويل الرئيسية، والجهة التي تتحمل نفقات التشغيل؟ لا أملك أدلة موثقة تسمح لي بالجزم بأن تمويل حصاد سياسي أو فاسد، ولا يصح تحويل الشك إلى حقيقة. لكن طلب الإفصاح مشروع، والقناة التي تسأل المسؤول عن أمواله وقراراته يفترض أن تكون مستعدة للإجابة عن الأسئلة المتعلقة بها.
المشكلة أوسع من اسم واحد. ففي توصيفها للمشهد الليبي، تشير منظمة مراسلون بلا حدود إلى ارتباط تمويل وسائل إعلام خاصة بعائدات إعلانات من مجموعات يقودها رجال أعمال متحالفون مع قيادات سياسية، وإلى تأثير التداخل بين السياسة والإعلام وغموض العقود الإعلانية في استقلال الصحفيين والمؤسسات.
ولهذا فإن السؤال عن المال يساعدنا على فهم ما يُنشر وما يُحجب، ومن يحظى بالمديح المتواصل، ومن يصبح هدفًا دائمًا للهجوم. وقد يكون التمويل مشروعًا ومعلنًا، وقد تكون للمؤسسة توجهات سياسية واضحة يستطيع المشاهد تقييمها. المشكلة تبدأ عندما تُخفى المصالح، وتُقدَّم الدعاية في صورة خبر مستقل، ويُترك الجمهور دون المعلومات التي يحتاجها للحكم على مصداقية ما يشاهده.
في بعض التغطيات التي أتابعها، أرى حضورًا تمجيديًا لخليفة حفتر وأبنائه، وفي تغطيات أخرى أرى ترويجًا لعبد الحميد الدبيبة ومشروعات حكومته. واعتراضي في الحالتين واحد: أين الأسئلة عن التكلفة والنتائج والمسؤولية؟ تغطية نشاط شخصية عامة أمر طبيعي، لكنها تصبح موضع نقد عندما يطغى المديح وتغيب المساءلة.
وينطبق ذلك على المشروعات في مختلف مناطق ليبيا. من حق المواطن أن يفرح بطريق أو مستشفى أو مدرسة، ومن الإنصاف الاعتراف بما أُنجز فعلًا، أيًا كانت الجهة التي أنجزته. لكن صور الافتتاح لا تجيب وحدها عن أسئلة التمويل والتعاقد والجودة والأولوية. المطلوب أن يعود الصحفي إلى المشروع بعد انتهاء الحفل: هل يعمل؟ من يستفيد منه؟ كم بلغت تكلفته؟ وهل أُنجز وفق المواصفات والمدة المعلنة؟
وكما أن الخلاف مع مسؤول لا يبرر وصف مشروعاته بالوهمية دون دليل، فإن الاتفاق معه لا يبرر تقديم كل ما يعلنه باعتباره إنجازًا مكتملًا. هذا المعيار يجب أن يشمل مشروعات حكومة الدبيبة ومشروعات الإعمار التي يُروَّج لها في الشرق، وكل إنفاق عام في الجنوب وبقية البلاد.
وأطرح الأسئلة نفسها على قناة التناصح وغيرها من القنوات ذات المرجعية الدينية. التناصح تعرض برامج سياسية واجتماعية، ومن حقها تناول الشأن العام. لكن من حق الجمهور أيضًا أن يسائلها عن المهنية وتعدد الآراء. وما أتحفظ عليه هو أي خلط يمنح الموقف السياسي حصانة دينية، أو يجعل الاختلاف معه يبدو خروجًا عن الدين. وهذا معيار أطبقه على كل من يستخدم الخطاب الديني لخدمة اصطفاف سياسي، مهما كان موقعه.
وفي بعض الحوارات التي أشاهدها، أشعر بأن تعدد الضيوف لا يصاحبه اختلاف حقيقي في الآراء؛ تتغير الأسماء، بينما يبقى الاستنتاج جاهزًا. هذه ملاحظة تحتاج إلى اختبار برصد مهني، وليست حكمًا بأن جميع البرامج تخلو من الرأي الآخر. لكن وجود عدة أشخاص في الاستوديو لا يثبت وحده التعددية، وارتفاع الأصوات لا يعني أن الأسئلة المهمة قد طُرحت.
ولا أتعامل مع أهل الشرق أو الغرب باعتبارهم كتلتين تابعتين لهذا المسؤول أو ذاك. نقد حفتر وأبنائه ليس نقدًا لأهل الشرق، ونقد الدبيبة ليس موقفًا ضد أهل الغرب. المواطن في بنغازي وطرابلس وسبها يستحق إعلامًا يحترم عقله وحقوقه، ولا يختزل منطقته في شخص أو عائلة أو حكومة. الإنصاف يعني تطبيق المعيار نفسه على الجميع، مع تقييم كل واقعة بحسب أدلتها.
ويزداد الأمر خطورة عندما يدخل المال السياسي الفاسد إلى هذه الدائرة. فإذا استُخدمت أموال متحصلة من الفساد لتمويل الإعلام، فإن الضرر يمتد من الاستيلاء على المال إلى شراء صورة جديدة لصاحبه. يظهر المسؤول محاطًا بالمشروعات والوعود والتصفيق، وتختفي الأسئلة عن العقود والإنفاق والنتائج، حتى يُقدَّم للجمهور كأنه ملاك لا يخطئ.
عندها يصبح الإعلام وسيلة لحماية الفساد من المحاسبة. وإذا كان مصدر التمويل مالًا عامًا جرى الاستيلاء عليه، يدفع المواطن الثمن مرتين: مرة حين يُحرم من حقه في المال والخدمات، ومرة حين يُستخدم ذلك المال لإقناعه بأن من أضر به يستحق الشكر.
لكن إثبات هذه العلاقة يحتاج إلى وثائق وعقود وتتبع للأموال. الانحياز في المحتوى يستحق الفحص، لكنه لا يكفي وحده لإثبات فساد التمويل. والسؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه المؤسسات بوضوح هو: هل تأتي مواردها من إعلانات تجارية، أم تمويل خاص، أم دعم حكومي محلي أو أجنبي، أم عقود مع جهات عامة؟
وإذا كان التمويل من الميزانية العامة، فهو من مالي ومالك، وليس ملكًا للمسؤول الذي يتصرف فيه. ومن حقنا أن نسأل: بأي سند تُستخدم أموال المواطنين لشراء المديح أو تمويل خطاب دعائي؟ ومن قرر أن أولويات الناس تشمل تحسين صورة صاحب المنصب؟
وفي الحديث عن التمويل، تبرز تجربة «ليبيا الأحرار». فقد وثّق تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية في مايو 2011 استضافة قطر للقناة ومساهمتها في تمويلها عند انطلاقتها. وهذا يجعل جانبًا من تاريخ تمويلها معروفًا، لكنه لا يكفي لتفسير تمويلها الحالي، ولا يتيح وصفها بأنها القناة الوحيدة الشفافة دون مراجعة شاملة.
وبالنسبة إليّ، فإن وضوح وجود دعم حكومي أجنبي لا يلغي اعتراضي على هذا النوع من التمويل؛ فالدولة الممولة لها مصالحها. ومن حق الجمهور معرفة حجم الدعم وشروطه، والضمانات التي تحمي القرار التحريري. الإفصاح ضروري، لكنه لا يمنح المؤسسة شهادة استقلال تلقائية.
وتقودنا المسألة إلى مسؤولية الدول التي تستضيف نشاط وسائل الإعلام الليبية، ومنها تونس. فكراس الشروط التونسي المتعلق بالقنوات التلفزيونية الخاصة يتضمن التزامات بشأن الملكية والمساهمين والبيانات المالية، وقيودًا تتعلق بالمسؤوليات الحزبية. لذلك يحق لنا أن نسأل: ما مستوى الشفافية المطلوب من المؤسسات الإعلامية الأجنبية التي تعمل من الأراضي التونسية؟
من الضروري التمييز بين قناة مرخصة، ومكتب مراسلة، وشركة إنتاج، واستوديو يقدم خدمات، ونشاط إرسال عبر الأقمار الصناعية. هذه الأنشطة ليست متطابقة قانونيًا، وتونس لديها أيضًا قواعد لخدمات التجميع الساتلي للأخبار. لذلك لا يصح القول إن كل هذا النشاط يجري بلا قوانين، أو افتراض أن كل قناة ليبية تخضع تلقائيًا للشروط نفسها المفروضة على قناة تونسية.
لكن اختلاف الوضع القانوني لا ينبغي أن يصبح بابًا للغموض. على الجهات التونسية المختصة أن توضح القواعد التي تطبقها، وما تفرضه من إفصاح، وكيف تتحقق من الامتثال. وإذا كان هناك تفاوت يسمح لمؤسسات أجنبية بتجاوز متطلبات شفافية تُفرض على الإعلام المحلي، فهو أمر يستحق النقد والمعالجة. حقوق الجمهور الذي يستهدفه البث خارج الحدود لا تقل أهمية عن حقوق الجمهور داخلها.
وتقدم دول مجاورة أمثلة تشريعية تستحق الدراسة دون تحويلها إلى نماذج مثالية. ففي مصر، يتضمن قانون تنظيم الصحافة والإعلام اختصاصًا للمجلس الأعلى بتنظيم ومراقبة مصادر تمويل المؤسسات الصحفية والإعلامية والتحقق من سلامتها. وفي الجزائر، يتضمن القانون العضوي للإعلام لسنة 2023 أحكامًا بشأن التصريح بمصادر الأموال، ومنع إعارة الأسماء لإخفاء أصحاب المؤسسات، وحظر التمويل أو المساعدات المادية الأجنبية وفق نصه.
وجود هذه الأحكام لا يثبت استقلال الرقابة أو سلامة التطبيق، لكنه يوضح أن الإفصاح عن المال يمكن أن يكون التزامًا قانونيًا. وما تحتاجه ليبيا هو الجمع بين شفافية التمويل وحماية حرية الصحافة، حتى لا تتحول الرقابة المالية إلى أداة لمعاقبة المؤسسات المنتقدة، بينما تُستثنى المؤسسات القريبة من السلطة.
وهنا يأتي دور الهيئة العامة لرصد المحتوى الإعلامي «GAMMC»، التي تشمل مهامها رصد الخروقات المهنية وخطاب الكراهية والتضليل. لكن رصد المحتوى يختلف عن التحقيق المالي؛ فتتبع مصادر الأموال يتطلب جهات مالية ورقابية وقضائية مختصة، وتعاونًا واضحًا بينها.
سبق أن تناولت هذا الموضوع في مقال نشرته على مدونتي يوم 9 أبريل 2023 بعنوان «هيئة Ofcom البريطانية وهيئة رصد الإعلام في ليبيا: مقارنة بين دوريهما وأهميتهما في المجتمع». أكدت فيه أهمية استقلال الجهات الرقابية وشفافيتها وحماية حرية التعبير. واليوم أعود إلى السؤال نفسه: ما الذي يضمن استقلال الرقيب عندما تكون السلطة طرفًا في المشهد الذي يراقبه؟
المقارنة مع أوفكوم البريطانية لا تعني تطابق الاختصاصات أو خلو التجربة البريطانية من الملاحظات. لكنها تبرز أهمية قواعد التمويل والمساءلة المعلنة. فأوفكوم توضح أن معظم تمويلها يأتي من رسوم إلزامية على الجهات التي تنظمها، ضمن نظام يحدده البرلمان، وأنها تخضع للمساءلة أمامه وتعمل باستقلال عن الحكومة والشركات.
أما الهيئة الليبية، فقد نص قرار إنشائها رقم 752 لسنة 2021 على تبعيتها لمجلس الوزراء. ثم نص القرار رقم 307 لسنة 2024 بشأن إنشاء المؤسسة الوطنية للإعلام على نقل تبعيتها إلى المؤسسة، التي تتبع بدورها مجلس الوزراء وتتولى مهام تتعلق بالإعلام العام. هذا الترتيب يثير سؤالًا عن الضمانات التي تفصل بين إدارة الإعلام الحكومي ومراقبة المشهد الإعلامي.
التمويل من الميزانية العامة لا يثبت وحده انحياز الهيئة؛ فهذا مال المواطنين ومن حقهم تمويل مؤسسات تخدمهم. لكن التبعية الإدارية وطريقة التعيين والإعفاء وضمانات الميزانية كلها عوامل تؤثر في قدرة المؤسسة على العمل باستقلال.
ولهذا لديّ تحفظات على قدرتها على أداء دور منصف وفعال عندما يمس الرصد مصالح الحكومة أو المسؤولين القريبين منها. وهو تحفظ على الضمانات المؤسسية، وليس حكمًا مسبقًا بأن كل تقاريرها منحازة أو أن العاملين فيها يفتقرون إلى المهنية.
الاختبار الحقيقي هو نشر منهجية الرصد، ومعايير اختيار القنوات والبرامج والعينات، وطريقة قياس التعددية، وإتاحة مراجعة النتائج والاعتراض عليها. هل تُفحص تغطيات تلميع المسؤول الحكومي بالجدية نفسها التي تُفحص بها تغطيات خصومه؟ وهل تستطيع الهيئة نشر نتائج محرجة للجهة التي ترتبط بها إداريًا؟ الإجابات العملية هي التي تبني الثقة.
وما أطالب به في ليبيا هو سجل علني يوضح المالك الحقيقي والمستفيد النهائي من كل مؤسسة إعلامية، وإفصاح دوري عن مصادر التمويل الرئيسية والدعم المحلي والأجنبي والعقود مع الجهات العامة. وأطالب بفصل الإعلان المدفوع عن المحتوى التحريري، وإظهار الرعاية السياسية بوضوح، وضمان حق الرد، وحماية الصحفي الذي يرفض تحويل عمله إلى خدمة شخصية للممول.
ويجب أن تكون الالتزامات متناسبة مع حجم المؤسسة وطبيعة نشاطها، حتى لا يتحول الإصلاح إلى عبء يعجز عنه الصحفي المستقل والمدون، بينما تتجاوزه المؤسسات الكبيرة بنفوذها. كما ينبغي أن تكون الرقابة مستقلة وقابلة للمراجعة، وأن تكون معاييرها معلنة ومتساوية.
موقفي مع حق الجمهور في المعرفة والمحاسبة. أرحب بالإنجاز حين تثبته الوقائع، وأنتقد التضليل حين تدعمه الأدلة، ولا أمنح أي طرف إعفاءً من السؤال بسبب موقعه الجغرافي أو السياسي. فالجمهور ليس جمهور تصفيق، والمال العام ليس ميزانية علاقات عامة لأصحاب السلطة.
من يدفع ثمن الخبر يملك قدرة على التأثير فيه؛ ولهذا من حقنا أن نعرف من يدفع، وبأي شروط، ولخدمة من.
