«ذوو الإعاقة»، «ذوو الاحتياجات الخاصة»، أم «أصحاب الهمم»؟ قد تبدو هذه الكلمات مختلفة في الصياغة فقط، لكن اختيارها يكشف أحيانًا كيف ننظر إلى الإنسان: هل نراه صاحب حقوق، أم شخصًا يحتاج إلى الشفقة، أم بطلًا يُنتظر منه أن يتجاوز الصعوبات بقوة إرادته؟ وهل ندرك مسؤولية المجتمع عن إزالة الحواجز التي تعيق مشاركته؟
هذا النقاش تناوله كريستوس ميليتيس، المتطوع لدى الشبكة الأوروبية للعيش المستقل ENIL، في مقال عن اللغة المستخدمة عند الحديث عن الأشخاص ذوي الإعاقة. ورغم أن المقال يناقش مصطلحات إنجليزية لا تنتقل دلالاتها بالكامل إلى العربية، فإنه يطرح قضية تستحق التأمل: العلاقة بين الكلمات التي نستخدمها والحقوق التي نعترف بها.
هناك من يفضّل تعبير «أشخاص ذوو إعاقة»، لأنه يضع الإنسان أولًا، ويؤكد أن الإعاقة جانب من هويته، وليست تعريفًا كاملًا لشخصيته وقدراته وحياته. وفي المقابل، يفضّل بعض الناشطين تعبير Disabled People، الذي يُترجم حرفيًا إلى «أشخاص مُعاقون». وقد يبدو ذلك غريبًا للقارئ العربي، لكن المقصود لديهم أن المجتمع يعيق الأشخاص عندما يصمّم بيئته وخدماته دون مراعاة وجودهم. ويربط المقال هذا الاختيار بالنموذج الاجتماعي للإعاقة، الذي يسلّط الضوء على الحواجز بدل حصر المشكلة في الفرد. enil.eu
ولفهم الفكرة، يكفي أن نتخيّل شخصًا يستخدم كرسيًا متحركًا ويحاول دخول مؤسسة عامة، فيجد أمامه درجًا دون منحدر أو مصعد. الكرسي وسيلة تساعده على الحركة، بينما تصميم المبنى يمنعه من الدخول. وينطبق المعنى نفسه على معلومة لا تتوافر بصيغة يستطيع شخص كفيف قراءتها، أو خدمة لا تتيح وسيلة تواصل مناسبة لشخص أصم. هنا توجد حواجز يمكن إزالتها، ومسؤولية لا يجوز تحميلها للشخص وحده.
أما تعبير «ذوو الاحتياجات الخاصة»، الذي يراه بعض الناس أكثر لطفًا، فينتقد الكاتب استخدامه، إلى جانب تعبير «ذوو القدرات المختلفة»، معتبرًا أن حسن النية لا يمنع بعض التسميات من إضعاف وضوح القضية الحقوقية. وهذا موقف الكاتب، ولا يعني أن كل من يستخدم تلك العبارات يقصد الإساءة.
بالنسبة لي، كشخص من ذوي الإعاقة، احتياجاتنا الأساسية ليست غريبة عن احتياجات بقية الناس: نريد أن نتعلّم، ونعمل، ونتنقّل، ونتلقّى العلاج، ونشارك في الحياة العامة بكرامة واستقلالية. وقد نحتاج إلى وسائل دعم أو ترتيبات مختلفة للوصول إلى هذه الحقوق، لكن اختلاف الوسيلة لا يجعل الحق نفسه «خاصًا»، ولا يحوّله إلى منّة.
ويمتد النقاش إلى تسمية «أصحاب الهمم» أو «ذوي الهمم». وللدقة، أطلقت الإمارات رسميًا تسمية «أصحاب الهمم» في أبريل 2017 بمبادرة من محمد بن راشد، ضمن السياسة الوطنية لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة. لكن استخدام هذه التعبيرات ليس حكرًا على الإمارات؛ فتعبير «ذوي الهمم» حاضر أيضًا في الخطاب الرسمي المصري.
شخصيًا، أرى أن هذه التسمية تحمل شحنة عاطفية وتحفيزية أكثر مما تمنح تعريفًا حقوقيًا واضحًا. وأقرأ في تقديمها ضمن خطاب القيادة والإنجاز بُعدًا سياسيًا وإعلاميًا أيضًا. وهذا رأيي في طريقة تقديم المصطلح، ولا يعني التشكيك في نيات كل من يستخدمه أو إنكار الخدمات المقدّمة تحت اسمه. لكنه يفتح سؤالًا مشروعًا: هل نحتاج إلى تجميل وصف الإعاقة حتى يتقبّلنا المجتمع، أم إلى تغيير نظرته وممارساته تجاهنا؟
أنا لا أحتاج إلى إثبات أنني صاحب همّة استثنائية حتى أستحق حقوقي، ولا ينبغي أن يُنتظر مني أن أكون بطلًا أو مصدر إلهام طوال الوقت. من حقي أن أكون إنسانًا عاديًا، أن أتعب وأتعثر وأحتاج إلى المساندة، دون أن تقلّ كرامتي أو استحقاقي للمساواة. كما أن الحواجز لا تزول بقوة الإرادة وحدها؛ فالدرج يحتاج إلى منحدر، والخدمة غير المهيّأة تحتاج إلى تعديل، والتمييز يحتاج إلى مواجهة ومساءلة.
وهنا تكمن ملاحظتي على المبالغة في خطاب «الهمّة»: فقد ينقل التركيز من مسؤولية المؤسسات إلى عزيمة الفرد، وكأن المشاركة متاحة للجميع، ولا ينقص الشخص سوى أن يحاول أكثر. بينما قد يبذل الإنسان كل ما يستطيع، ثم يتوقف أمام وسيلة نقل غير مهيّأة، أو مكان عمل لا يتيح له الوصول، أو إجراء يستبعده من البداية. لا يمكن مطالبة الإنسان بتجاوز حاجز تملك جهة أخرى مسؤولية إزالته.
وفي المقابل، أسمع من بعض الأشخاص ذوي الإعاقة عبارة: «سمّيني ما شئت، المهم أن أحصل على حقوقي». أتفهّم الإحباط الذي يقف وراءها؛ فمن يواجه صعوبات في النقل والعلاج والعمل قد يرى النقاش حول المصطلحات ترفًا أمام احتياجاته اليومية. لكنني أرى أن هذه الفكرة خاطئة عندما تجعلنا نقبل أي وصف مقابل الحصول على حق. فالكرامة جزء من حقوقنا، وليست ثمنًا ندفعه للحصول عليها. ومن حقنا أن نحصل على الخدمات والفرص، وأن يُخاطَب كلٌّ منا باحترام في الوقت نفسه.
ولا يعني ذلك أن كل اختلاف في التسمية إهانة، أو أن نفرض على الأشخاص كيف يعرّفون أنفسهم. فهناك فرق بين احترام اختيار الشخص، وبين اعتبار أي تسمية مقبولة مهما حملت من تحقير أو انتقاص. اعتراضنا على اللغة المسيئة لا يؤجّل المطالبة بالخدمات، والمطالبة بالخدمات لا تستلزم السكوت عن الإساءة. لا ينبغي أن نُوضَع أمام مفاضلة بين الحصول على حقوقنا والحفاظ على احترامنا؛ فكلاهما حق لنا.
وفي واقعنا الليبي، يصبح هذا النقاش أكثر فائدة عندما نربطه بالحياة اليومية. ماذا تعني التسمية المحترمة إذا ظلّ الشخص عاجزًا عن دخول مؤسسة، أو الوصول إلى مكان عمل، أو العثور على وسيلة نقل مهيّأة؟ تحسين اللغة خطوة مطلوبة، لكن قيمتها تتضح عندما يصاحبه تغيير في الخدمات والمرافق وطريقة التعامل. وما أطالب به هو أن تتوقّع المؤسسات وجودنا منذ البداية، وأن تُدرج مشاركتنا ضمن التخطيط والميزانية والتنفيذ، دون انتظار شكوى أو تدخّل شخصي في كل مرة.
وفي الوقت نفسه، أحترم حق كل شخص في اختيار الطريقة التي يعرّف بها نفسه. فلا ينبغي أن تتحوّل الدعوة إلى لغة حقوقية إلى وصاية جديدة على الأشخاص ذوي الإعاقة. يمكننا نقد المصطلحات المستخدمة في الإعلام والمؤسسات، مع احترام تفضيلات الأفراد وعدم اختزال تجاربهم في تسمية واحدة.
سأظل أستخدم تعبير «الأشخاص ذوو الإعاقة»، لأنه بالنسبة لي واضح ويحافظ على حضور الإنسان والقضية معًا. وما أطالب به يتجاوز الاسم: خدمات مهيّأة، وفرص متكافئة، ومشاركة فعلية، ومساءلة عن التقصير. حقوقنا لا تُكتسب بعلوّ الهمّة، ولا تتوقّف على قدرتنا على إلهام الآخرين، ولا تستلزم قبول الانتقاص منّا؛ إنها ثابتة لنا باعتبارنا بشرًا متساوين في الكرامة والحقوق.
