Loading... | ... | 00:00

من حقي أيضًا أن أكون سفيرًا… أم أن المناصب لأهل الحظوة؟

مشاركة

 


استقفني في المنشور المتعلق بزيارة سالم الزادمة إلى السفارة الليبية في الدوحة اسم القائم بالأعمال، بشير السويحلي. وبين عبارات الترحيب والإشادة وتعزيز العلاقات، توقفت عند سؤال يغيب عادة عن أخبارنا الرسمية: كيف يُختار من يمثل ليبيا في الخارج؟ وما المؤهلات والخبرة والمعايير التي ترجّح شخصًا على غيره لتولي هذه المسؤولية؟

صفة بشير السويحلي قائمًا بالأعمال في السفارة الليبية لدى قطر وردت أيضًا في صحيفة «الشرق» القطرية بتاريخ 14 أكتوبر 2026. وبالتالي، نحن أمام مسؤول يمارس مهامه باسم الدولة الليبية، ومن الطبيعي أن يكون اختياره وأداؤه موضع نقاش ومساءلة عامة.


وتعرّف تغطيات صحفية بشير بأنه نجل عبدالرحمن السويحلي، رئيس المجلس الأعلى للدولة سابقًا. هذه القرابة لا تثبت المحاباة، لكنها تجعل السؤال عن ضمانات تكافؤ الفرص ضروريًا: كيف تتأكد الدولة من أن الصلات بالنخبة السياسية لا تمنح أصحابها أفضلية على بقية المواطنين؟ الإجابة تكون بإعلان المسار المهني ومعايير الاختيار والأساس الذي استند إليه القرار.

لم أعثر، ضمن المصادر التي أمكن التحقق منها، على قرار تكليفه أو سيرة مهنية موثقة تشرح مساره في العمل الدبلوماسي. ولذلك، فإن سؤالي إلى حكومة عبدالحميد الدبيبة ووزارة الخارجية مباشر: ما الخبرة التي أهلته لهذا الموقع؟ هل جاء اختياره من داخل السلك الدبلوماسي أم من خارجه؟ وما الإجراءات التي سبقت تكليفه؟ نشر هذه المعلومات يتيح للمواطن تقييم القرار بإنصاف، ويتيح للمسؤول نفسه توضيح مؤهلاته واستحقاقه.

ومن هنا أقولها بصراحة: من حقي أيضًا أن أكون سفيرًا أو قائمًا بالأعمال. ومن حق أي ليبي وليبية معرفة الطريق إلى هذه المسؤولية، والحصول على فرصة عادلة إذا استوفيا شروطها. لكن عندما تغيب معايير الاختيار، ويظهر أمامنا المسؤول في منصبه دون أن نعرف كيف وصل إليه، فمن حقنا أن نسأل: كيف نستطيع نحن أيضًا الوصول إلى الفرصة نفسها؟

ولا يأتي من يختصر النقاش في المستوى الدراسي والشهادات وينهي به الحديث؛ فالمؤهل العلمي له قيمته، لكنه وحده لا يشرح استحقاق منصب دبلوماسي. هناك خبرة ولغات وقدرة على التفاوض والتحليل وإدارة العلاقات وخدمة المواطنين. وهناك، قبل ذلك كله، سؤال عدالة الفرصة: هل تُطبَّق الشروط نفسها على الجميع؟ وهل يستطيع مواطن مؤهل، لا يملك سندًا سياسيًا، أن يدخل المنافسة من الباب نفسه؟

وقد تأتي كفاءات مؤهلة من خارج المسار الدبلوماسي التقليدي، لكن اختيارها يحتاج تفسيرًا مهنيًا مقنعًا. فالخبرة المختلفة يمكن أن تضيف إلى المؤسسة، بشرط أن نعرف طبيعتها وصلتها بالمهمة والنتائج المنتظرة منها. أما الاكتفاء بالقول إن فلانًا متعلم أو مثقف أو يجيد الحديث، فلا يغني عن توضيح أسباب تفضيله على غيره.

ولقب «القائم بالأعمال» يحمل مسؤولية فعلية في تمثيل الدولة. فاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية تعترف بالقائمين بالأعمال ضمن فئات رؤساء البعثات، وتنظم كذلك تولي قائم بالأعمال بالنيابة رئاسة البعثة مؤقتًا عند شغور موقع رئيسها أو تعذر قيامه بمهامه. لذلك نحتاج، إلى جانب المسمى الوارد في الخبر، معرفة طبيعة التكليف وأساسه ومدته وصلاحياته.

والسؤال عندي يتجاوز بشير إلى غيره، ويشمل سفيرتنا في المكسيك أيضًا: ما معايير الاختيار؟ وما الخبرات التي استند إليها التكليف؟ وكيف يُقيَّم الأداء؟ أطرح الأسئلة نفسها دون الجزم بتطابق ملفات لم تتوفر أمامي تفاصيلها. فالمعيار الذي أطالب بتطبيقه على القائم بالأعمال في الدوحة يجب أن يطبق على السفيرة في المكسيك وعلى كل من يتولى تمثيل ليبيا.

ولي مع صفحة سفارتنا في المكسيك تجربة شخصية سبق أن تحدثت عنها؛ فقد شاركت منشورًا عامًا لها على حسابي الشخصي، وأضفت ملاحظات نقدية حول الأداء الإعلامي والدبلوماسي، متسائلًا عن النتائج والاتفاقيات والفوائد التي تعود على ليبيا ومواطنيها. وبعد ذلك وجدت نفسي محظورًا من صفحة السفارة، بينما ظلت متاحة لغيري.

لا أجزم بمن اتخذ قرار الحظر، لكن تجربتي تطرح سؤالًا عن إدارة المنصة الرسمية والتعامل مع النقد: كيف يُحرم مواطن من متابعة صفحة بعثة تمثل بلاده؟ هذه الصفحة واجهة لمؤسسة عامة، ومن المفترض أن تتسع للأسئلة والملاحظات النقدية. ومن معايير تقييم العمل الدبلوماسي القدرة على التواصل مع المواطنين واحترام حقهم في السؤال، بما في ذلك المواطن الذي يختلف مع المسؤول أو ينتقد أداءه.

وفي تقديري، فإن ما يجعل هذا النقاش ملحًا في عهد حكومة الدبيبة هو الشعور بأن دوائر القرب والنفوذ تتحكم في فرص الوصول إلى مواقع الدولة، بينما يظل المواطن المؤهل عاجزًا عن معرفة أين تبدأ إجراءات الترشح، ومن يقيّم المرشحين، وكيف تُحسم المفاضلة بينهم. وعلى الحكومة أن تواجه هذا الشعور بنشر الوثائق والمعايير والنتائج. أما إثبات أن تعيينًا محددًا كان مكافأة سياسية، فيحتاج أدلة تتجاوز الاسم والقرابة والصورة الرسمية.

وهنا أصل إلى سؤال النفوذ: أنا لا أملك سندًا قبليًا يضغط لتعييني، ولا ميليشيا تفرض اسمي، ولا شبكة مصالح تفاوض على منحي منصبًا. أملك مواطنتي وخبرتي وما أستطيع تقديمه لبلدي. فهل تكفي هذه المؤهلات للحصول على فرصة عادلة؟ أخشى أن غياب هذا النوع من النفوذ هو أحد أهم الأسباب التي تُبقي أمثالي خارج حسابات الاختيار، مهما امتلكوا من قدرات. وحين يشعر المواطن بأنه يحتاج إلى قوة تسنده قبل أن تُنظر كفاءته، فإن الخلل يقع في طريقة إدارة الدولة وتوزيع الفرص فيها.

ومن حقنا أن نسأل الحكومة: ما الضمانات التي تمنع تحوّل المناصب الدبلوماسية إلى حصص تُرضى بها مراكز النفوذ؟ وكيف يستطيع المواطن المستقل أن ينافس إذا كان غيره يدخل بقوة داعميه؟ تمثيل ليبيا مسؤولية باسم جميع مواطنيها، ومن واجب الدولة أن تحمي إجراءات الاختيار من ضغوط السلاح والولاءات والمساومات.

وهذه المناصب ترتبط كذلك بمزايا مالية، من مرتبات وبدلات ومخصصات تتصل بالإيفاد والعمل والإقامة في الخارج. لذلك فإن السؤال عن عدالة الاختيار هو أيضًا سؤال عن عدالة الوصول إلى موارد الدولة. فخلف المنصب الدبلوماسي إنفاق من المال العام، ومن حق المواطن معرفة حجمه ومبرراته وما يقابله من عمل ونتائج.

وحين نضع الحزمة المالية للسفير أو القائم بالأعمال إلى جانب مرتب مواطن محدود الدخل، فإننا نفتح نقاشًا ضروريًا حول الفجوة المالية وعدالة توزيع الثروة. والمقارنة المنصفة تقتضي نشر إجمالي المزايا، واحتساب اختلاف تكاليف المعيشة وطبيعة المسؤوليات. لكن هذه الاعتبارات لا تعفي الدولة من شرح مدى تناسب الإنفاق مع المهام والأداء، وكيف توازن بينه وبين احتياجات المواطنين الأساسية. وتزداد حساسية الفجوة عندما تظل معايير الوصول إلى المناصب نفسها غامضة.

فالمواطن الذي يحسب تكلفة غذائه وعلاجه وتنقله من مرتب محدود، من حقه أن يسأل عن أولويات الإنفاق في بلده. ومن حقه أن يعرف لماذا تتاح لفئة فرص مالية ووظيفية واسعة، وما إذا كان يستطيع الوصول إليها بالشروط نفسها. وهنا تصبح شفافية التعيينات جزءًا من نقاش توزيع الثروة والعدالة الاجتماعية.

ويؤلمني أيضًا خطاب من يتعامل مع التغيير الذي جرى بعد عام 2011 بوصفه دَينًا على الليبيين، وكأن المشاركة فيه تمنح صاحبها حقًا دائمًا في منصب أو امتياز أو حصة من الدولة. فمن يعتبر أن له «حقًا» في مكاسب التغيير، فنحن جميعًا لنا حق: حق في الأمن والاستقرار والعدالة والخدمات، وفي فرص متكافئة لا تحتاج إلى وساطة أو سلاح أو شهادة ولاء. والتضحيات تستحق التقدير، لكن تحويلها إلى استحقاق مفتوح للمناصب يجعل الوطن غنيمة يتقاسمها من يستطيعون المطالبة بحصتهم بصوت أعلى.

لم أكن أتوقع، بعد تغيير عام 2011، أن نصل إلى واقع يجعلني أتردد، بل أشعر بالحرج أحيانًا، من وصف ما حدث بأنه ثورة. بعد خمسة عشر عامًا من الفوضى والعبث وعدم الاستقرار، أصبح السؤال مؤلمًا: أين الدولة التي انتظرناها؟ وما الذي بقي للمواطن من وعود الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية إذا ظل حقه معلقًا، بينما يُطلب منه أن يبقى ممتنًا لمن يتصدرون المشهد؟ من حقنا أن نحاسب التجربة بنتائجها، وأن نرفض استخدام اسم الثورة لتبرير الإخفاق أو احتكار السلطة والامتيازات.

وهذا النقاش تدعمه مشكلات رقابية موثقة في إدارة البعثات. فقد سجل تقرير ديوان المحاسبة لسنة 2024 ملاحظات، منها التعاقد مع موظفين محليين لوظائف غير مدرجة بالجداول المعتمدة، وتجاوز السقف المحدد للملاك الوظيفي. هذه الملاحظات لا تثبت مخالفة تخص الأشخاص المذكورين هنا، لكنها تؤكد أهمية مراجعة إدارة الموارد البشرية وآليات شغل الوظائف في البعثات الليبية.

والمتضرر من غموض الاختيار هو أيضًا الدبلوماسي الذي أمضى سنوات في التأهيل والعمل، ثم لا يفهم لماذا تجاوزته الترشيحات. والمتضرر هو المواطن الذي يمول هذه المؤسسات وينتظر منها خدمة يمكن الاعتماد عليها. كل قرار يفتقر إلى تفسير مهني مقنع يضعف الثقة في المؤسسة، حتى لو كان الشخص المختار يمتلك كفاءة لم تُعرض على الجمهور.

أما الإشادة بمتابعة شؤون المواطنين، الواردة في منشور الزيارة، فمن المفيد أن ترافقها نتائج يستطيع الناس تقييمها: كم تستغرق المعاملة؟ كيف تستجيب السفارة للشكاوى والحالات الطارئة؟ هل إجراءاتها واضحة؟ وهل خدماتها متاحة لكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تمنح الإشادة معناها، وتُظهر أثر العمل الدبلوماسي في حياة المواطن.

وبصفتي مواطنًا من ذوي الإعاقة، أطمح إلى مؤسسات تفتح أبوابها أمام الكفاءات الليبية بمختلف تجاربها وقدراتها، وتوفر الترتيبات التي تمكّنها من أداء مهامها. لدينا مواطنون يمتلكون خبرات مهنية ولغوية وثقافية تستحق التقييم والاستفادة منها. ومن حقهم معرفة كيفية التقدم، وما المطلوب منهم، وكيف تُقارن مؤهلاتهم بمؤهلات من يقع عليهم الاختيار.

وتبقى المسؤولية الأكبر على من يملك سلطة الترشيح والتكليف. فالمساءلة تشمل صاحب القرار: لماذا اختار هذا الشخص؟ ومن قيّم مؤهلاته؟ وما الضمانات التي اتخذها لمنع المحاباة وتعارض المصالح؟ من واجب الجهة التي منحته المنصب أن تشرح للمواطنين أسباب قرارها، وأن تتحمل مسؤولية نتائجه.

ولهذا أقول: إذا كانت المناصب تُوزَّع دون معايير معلنة، فمن حقي أنا أيضًا أن أكون سفيرًا. أقولها اعتراضًا على عبث يجعل المواطن يشعر بأن الدولة تُدار بمنطق البلاط والحظوة، وأن القرب من أصحاب القرار يفتح أبوابًا تعجز الكفاءة وحدها عن فتحها. وإذا كان هذا هو المنطق المعتمد، فأعلنوه بصراحة حتى نعرف القواعد التي تحكمنا. أما مطالبتنا باحترام المؤسسات، فتقتضي أن تحترم هذه المؤسسات حقنا في الفهم والمساءلة وتكافؤ الفرص.

المطلوب من حكومة الدبيبة ووزارة الخارجية نشر قرارات التكليف، والسير المهنية لرؤساء البعثات، والأساس القانوني للاختيار، ومدد المهام، ومؤشرات تقييم الأداء، والمرتبات والبدلات والمزايا المقررة لهذه الوظائف. وإذا كان هناك مسار استثنائي للتعيين من خارج السلك، فلتُعلن ضوابطه وأسباب اللجوء إليه. بهذه الخطوات يستطيع المواطن فهم القرار ومناقشته، ويستطيع المسؤول المؤهل الدفاع عن استحقاقه بأدلة واضحة.

حين أقول «من حقي أيضًا أن أكون سفيرًا أو قائمًا بالأعمال»، فإنني أطالب بطريق واضح يستطيع كل مواطن مؤهل أن يسلكه، وبمعايير تطبق على الجميع. وأسأل أيضًا عن نصيب المواطن من موارد بلاده، وعن العدالة الاجتماعية التي عُلّقت عليها آمال التغيير. فما الذي يؤهل مواطنًا لتمثيل ليبيا في الخارج، وكيف يستطيع مواطن آخر أن يسلك الطريق نفسه دون سند قبلي أو مسلح أو سياسي؟

وفي الختام، لبشير شخصيًا كل الاحترام والتقدير. أعرفه صاحب ثقافة عالية ومتحدثًا لبقًا، وقد التقيته عدة مرات، وكان آخر تواصل بيننا قبل سنوات عبر «كلوب هاوس»، في أحاديث عن كرة القدم. أعرف فيه مشجعًا شرسًا لمانشستر يونايتد، كما يجمعنا تشجيع نادي الاتحاد الليبي. وأذكر ذلك إنصافًا له؛ فمعرفتي به وتقديري لشخصه باقيان، وكذلك حقي وحق كل مواطن في مساءلة معايير الاختيار والتكليف في مؤسسات الدولة.

مشاركة المقال

 


شارك
✓ تم نسخ النص