Loading... | ... | 00:00

بين الأمم المتحدة والواقع الليبي: هل نُصدّر الصورة أم نواجه الحقيقة؟

مشاركة

 


من الإيجابي أن نرى شبابًا ليبيين يصلون إلى الأمم المتحدة والمحافل الدولية، وأن تُفتح أمامهم فرص للمشاركة والتدريب والتعبير عن رؤيتهم لمستقبل ليبيا. هذا أمر يستحق التشجيع، وأنا شخصيًا أتمنى أن أرى عددًا أكبر من الشباب الليبي في المؤسسات الدولية والجامعات ومراكز البحث وصناعة القرار. المشكلة ليست في الشباب الذين يتم اختيارهم أو في حق الدولة في إبرازهم، بل في السؤال الذي يأتي بعد الصورة والخطاب: هل ما نعرضه أمام العالم يعكس بالفعل واقع الشباب داخل ليبيا؟

في الفترة الأخيرة أصبح هناك حضور واضح لخطاب تمكين الشباب، والمشاركة الدولية، وبناء القدرات، والاستراتيجية الوطنية للشباب، وهي عناوين جيدة في حد ذاتها. لكن تمكين الشباب لا يُقاس بعدد الوفود التي تسافر إلى نيويورك، ولا بعدد الصور أمام شعار الأمم المتحدة، وإنما بما يستطيع الشاب أن يحققه عندما يعود إلى وطنه. هل يجد فرصة عمل حقيقية؟ هل يستطيع الدخول في منافسة عادلة؟ هل يحصل على المنحة أو الوظيفة أو الموقع العام بناءً على الكفاءة، أم أن الواسطة والعلاقات وشبكات النفوذ ما زالت قادرة على تغيير قواعد اللعبة؟

هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية عندما نتحدث عن دولة غنية بالموارد مثل ليبيا. نحن لا نتحدث عن بلد يفتقر إلى الثروة، بل عن بلد نفطي يمتلك موارد وإمكانات كبيرة، وله أصول واستثمارات وموقع استراتيجي مهم. لذلك فإن القضية ليست فقط: كم تنتج ليبيا من النفط؟ بل كيف تنعكس هذه الثروة على حياة الليبيين، وكيف يتم توزيع الفرص والخدمات والمزايا الناتجة عنها؟

العدالة الاجتماعية ليست شعارًا نظريًا. عندما تتفاوت فرص المواطنين في الوصول إلى الوظائف والخدمات والعلاج والتعليم والدخل، وعندما يستطيع البعض الوصول إلى امتيازات كبيرة بحكم موقعهم أو علاقاتهم بينما يعاني مواطن آخر لتأمين أبسط احتياجاته، فإننا أمام مشكلة تتعلق بطريقة إدارة الثروة العامة وتوزيع الفرص. وهنا يصبح الحديث عن الشباب والتمكين بحاجة إلى ما هو أكثر من الحملات الإعلامية.

المفارقة أن ليبيا تريد اليوم أن تقدم نفسها دوليًا باعتبارها دولة تسعى إلى العدالة والسلام، وقد أطلقت حملتها للترشح لمقعد غير دائم في مجلس الأمن للفترة 2028–2029 تحت شعار «ترسيخ العدالة من أجل الأمن والسلام». هذا طموح مشروع، لكن هذا الشعار يدفعنا تلقائيًا إلى طرح سؤال داخلي: ماذا عن العدالة داخل ليبيا نفسها؟ كيف نتحدث للعالم عن العدالة بينما ما زلنا نحتاج إلى نقاش جدي حول العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والشفافية، وكيفية إدارة المال العام؟

خصوصًا أن الصورة التي يراها العالم عن ليبيا لا تأتي من البيانات الحكومية وحدها. مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية أعطى ليبيا 13 نقطة من أصل 100 ووضعها في المرتبة 177 من أصل 182 دولة. هذا المؤشر لا يعني أن كل موظف أو مؤسسة فاسدة، ولا يمثل حكمًا مطلقًا على كل تفاصيل الدولة، لكنه مؤشر شديد السوء لا يمكن تجاهله عندما نتحدث عن الحوكمة وصورة ليبيا أمام العالم.

البنك الدولي والمؤسسات الاقتصادية الدولية بدورها تتحدث منذ سنوات عن اقتصاد شديد الاعتماد على النفط والدولة، وعن ضعف القطاع الخاص واختلالات في تقديم الخدمات وتفاوتات بين المناطق. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن الاعتماد الكبير على الإنفاق العام يجعل الوصول إلى موارد الدولة ووظائفها وعقودها وامتيازاتها مسألة شديدة التأثير في توزيع الثروة والنفوذ داخل المجتمع.

لهذا لا يكفي أن نقدم شابًا ناجحًا في الأمم المتحدة ونقول إن هذا هو نموذج ليبيا الجديدة. من الجميل أن يصل هذا الشاب إلى نيويورك، لكن النجاح الحقيقي للدولة هو أن يتمكن آلاف الشباب الذين لم تصل إليهم كاميرات الإعلام من بناء مستقبل محترم داخل بلادهم أيضًا. أن يستطيع الشاب تأسيس مشروع، والحصول على وظيفة، والتنافس على فرصة عامة دون أن يحتاج إلى واسطة أو حماية أو انتماء إلى دائرة نفوذ.

ولا أرى أن الحل هو التوقف عن إرسال الشباب إلى الخارج، بل العكس تمامًا. يجب أن نرسل المزيد، وأن نستثمر فيهم، وأن نتيح الفرص لأوسع عدد ممكن. لكن يجب ألا يتحول هؤلاء الشباب إلى واجهة علاقات عامة تستخدم لإنتاج صورة جميلة عن الدولة بينما تظل المشكلات الأساسية على حالها. فالتمكين الحقيقي ليس رحلة أو مؤتمرًا، بل منظومة متكاملة من التعليم والفرص والشفافية والاقتصاد المنتج وسيادة القانون.

وهنا تأتي مشكلة الاتصال السياسي والدبلوماسي. من الطبيعي أن تحاول الخارجية الليبية تحسين صورة البلاد والدفاع عن مصالحها، فهذا جزء أصيل من عملها. لكن هناك فرقًا بين تحسين صورة الدولة وبين صناعة صورة منفصلة عن واقعها. العالم اليوم يستطيع الوصول إلى تقارير البنك الدولي وصندوق النقد والأمم المتحدة ومنظمات الشفافية، ويستطيع مقارنة الخطاب الرسمي بالأرقام والمؤشرات. لذلك فإن المبالغة في تجميل الواقع لا تصنع بالضرورة صورة أفضل؛ بل قد تضعف المصداقية.

الدبلوماسية الأكثر إقناعًا ليست التي تقول للعالم إن كل شيء بخير، وإنما التي تقول بوضوح: لدينا مشكلات حقيقية، ونعرفها، وهذه هي الخطوات التي نتخذها لمعالجتها، وهذه النتائج التي حققناها. هذا النوع من الخطاب أكثر قوة واحترامًا من تقديم صورة مثالية يعرف الجميع أنها غير مكتملة.

ولهذا أعتقد أن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس: كيف نُسوّق ليبيا في الأمم المتحدة؟ بل: أي ليبيا نريد أن يجدها العالم عندما ينظر خلف الصورة؟

إذا كنا نتحدث عن العدالة أمام العالم، فعلينا أن نجعل العدالة مشروعًا في الداخل أيضًا. وإذا كنا نقدم الشباب باعتبارهم مستقبل ليبيا، فعلينا أن نبني دولة يستطيع فيها هذا الشاب أن يعيش ويعمل وينافس ويحلم داخل وطنه، لا أن تكون أفضل فرصه مرتبطة فقط بالسفر إلى الخارج.

أفضل دعاية لليبيا ليست صورة جميلة من نيويورك، بل واقع أفضل في طرابلس وبنغازي وسبها ومصراتة وكل المدن الليبية. فعندما يتحسن الواقع، لن نحتاج إلى بذل كل هذا الجهد لإقناع العالم بالصورة؛ لأن الحقيقة نفسها ستصبح أقوى رسالة يمكن أن نصدرها.

مشاركة المقال

 


شارك
✓ تم نسخ النص