خطر في بالي سؤال قد يبدو قاسيًا للوهلة الأولى: هل يمكن أن نستفيد من تجربة الصومال لفهم ما يحدث اليوم في قطاع الاتصالات الليبي؟ أنا هنا لا أقارن ليبيا بالصومال كدولة، ولا أستخدم كلمة «الصوملة» لوصف المجتمع أو الوضع الأمني، وإنما أتحدث تحديدًا عن نموذج ظهر في قطاع الاتصالات عندما ضعفت الدولة وتقدمت الشركات ومراكز النفوذ أسرع من القانون والتنظيم.
بعد انهيار مؤسسات الدولة الصومالية في 1991، تطور قطاع الاتصالات هناك لسنوات طويلة بطريقة شبه ذاتية. شركات خاصة دخلت السوق، بنت شبكاتها، وقدمت الهاتف والإنترنت والخدمات المالية، وفي جوانب كثيرة استطاعت أن توفر خدمات لم تكن الدولة قادرة على تقديمها. لكن هذا النجاح التجاري لم يكن يعني بالضرورة وجود سوق صحي، لأن غياب التنظيم أدى إلى مشكلات في إدارة الترددات، والربط بين الشبكات، والمنافسة، وهيمنة بعض الشركات على مناطق أو خدمات بعينها.
وهنا تبدأ المقارنة التي تهمني في ليبيا. المشكلة ليست في وجود شركة خاصة قوية، بل بالعكس، ليبيا تحتاج إلى القطاع الخاص، والاستثمار، والمنافسة، والكابلات البحرية، ومراكز البيانات، وشبكات 4G و5G. لكن السؤال الأساسي هو: من ينظم من؟ هل الدولة تضع قواعد السوق أولًا ثم تدخل الشركات للعمل داخلها، أم أن الشركات ومراكز القوة تفرض واقعًا اقتصاديًا وتقنيًا على الأرض، ثم تأتي الدولة لاحقًا لتحاول تنظيمه؟
الاتصالات اليوم لم تعد مجرد مكالمات ورسائل. الشركة التي تمتلك شبكة الهاتف، والألياف، والأبراج، وربط الإنترنت الدولي، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، وربما خدمات الدفع الإلكتروني، لا تدير مجرد نشاط تجاري، بل تدير جزءًا من البنية التحتية السيادية للدولة. ومن هنا يأتي اهتمامي بما أعلنته مجموعة O3 في ليبيا من مشروعات تشمل مشغلًا للهاتف المحمول، وكابلات بحرية، وأليافًا ضوئية، ومراكز بيانات، وخدمات سحابية وبنية تحتية رقمية واسعة.
من الناحية الاستثمارية، هذا أمر مثير للاهتمام، لكن من الناحية التنظيمية يفتح أسئلة مهمة جدًا. فإذا كانت المجموعة نفسها تمتلك الكابل، والألياف، والأبراج، ثم تقدم خدمة الهاتف والإنترنت مباشرة للمستهلك، وربما تضيف إليها خدمات الدفع والبيانات، فنحن أمام نموذج تكامل رأسي واسع. هنا يجب أن نسأل: هل يستطيع منافس آخر استخدام هذه البنية التحتية بالشروط نفسها؟ هل توجد قواعد Open Access؟ هل أسعار الاستضافة والربط عادلة؟ وهل توجد جهة تنظيمية مستقلة تستطيع منع أي إساءة لاستخدام وضع مهيمن مستقبلًا؟
في ليبيا، تزداد حساسية المسألة لأن هناك أصلًا خلافًا مؤسسيًا معلنًا حول الجهة المخولة بمنح تراخيص الاتصالات. جهة في الشرق أعلنت منح أوزون رخصة تشغيل شامل، بينما تؤكد الهيئة العامة للاتصالات والمعلوماتية في طرابلس أنها الجهة المختصة قانونيًا بمنح هذه التراخيص. بالنسبة لي، هذه ليست مجرد مشكلة سياسية بين سلطتين، بل مخاطرة تنظيمية حقيقية، لأن أي مشغل وطني يحتاج إلى طيف ترددي، وترقيم، وربط بيني، واتفاقيات تجوال، وحقوق مرور، وقواعد واضحة لحماية البيانات والمنافسة.
إذا كانت الدولة نفسها مختلفة على من يملك حق الترخيص، فكيف يمكن بناء سوق اتصالات مستقر لعشر أو عشرين سنة قادمة؟ هنا تحديدًا يصبح البعد السياسي جزءًا من التحليل التقني، لا شيئًا منفصلًا عنه. فالسياسة هنا تعني من يملك سلطة القرار، ومن يمنح الطيف، ومن يراقب السوق، ومن يضمن أن القواعد نفسها تطبق على الجميع.
أما الأرقام التي يتم تقديمها في العروض، مثل 3200 برج أو 20 Tbps، فهي مهمة، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على جودة المشروع. عدد الأبراج لا يخبرني بالضرورة عن جودة التغطية، أو السعة الفعلية، أو نوع الشبكة، أو نسبة Fiber Backhaul، أو زمن الاستجابة، أو جاهزية الطاقة الاحتياطية، أو الأداء في ساعات الذروة. كذلك رقم 20 Tbps يحتاج إلى توضيح: هل هو Lit Capacity فعلية مخصصة للمشغل، أم Design Capacity ضمن نظام كابل أكبر؟ الأرقام الكبيرة ممتازة للتسويق، لكن الهندسة تبدأ من التفاصيل.
حتى من الناحية التسويقية، عندي ملاحظة. اسم O3 في قطاع الاتصالات يستدعي مباشرة لدى من يعرف السوق البريطاني علامة O2 المعروفة. لا أقول إن هناك تقليدًا مثبتًا، ولا يمكن الجزم بذلك من الاسم أو بعض العناصر البصرية فقط، لكن من مشروع يقدم نفسه باعتباره مشروعًا ضخمًا لمستقبل ليبيا الرقمي، كنت أتوقع هوية بصرية أكثر استقلالًا وابتكارًا، تعكس شخصية ليبية واضحة ومتمايزة.
وهنا أصل إلى نقطة الثقة. أنا شخصيًا لا أملك حتى الآن مستوى الثقة الكافي في الشركة، لا بسبب اتهام محدد، بل بسبب نقص الشفافية المتاحة للعامة مقارنة بحجم المشروع. أريد أن أعرف بصورة أوضح من المالك المستفيد النهائي، وكيف يمول المشروع، وما تفاصيل الترخيص، وما الطيف المخصص له، وما التزاماته الاستثمارية، وما الجدول الزمني، وما شروط النفاذ إلى البنية التحتية، وكيف ستتم عمليات الربط مع المشغلين الآخرين، ومن سيراقب التنفيذ.
كلما كان المشروع أكبر وأكثر ارتباطًا بالبنية التحتية الوطنية، يجب أن تكون الشفافية أكبر، لا أقل. لذلك لا أرى أن عبارة «لسنا في منافسة مع القطاع العام» مطمئنة بالضرورة. إذا دخل مشغل جديد إلى سوق الهاتف فهو منافس، وهذا شيء إيجابي. ليبيا تحتاج إلى المنافسة التي تجبر المشغلين على تحسين الأسعار والجودة وخدمة العملاء، لكن المنافسة الحقيقية تحتاج إلى قواعد واضحة ومنظم مستقل وسوق لا يسمح بتحول الاحتكار العام إلى تركّز خاص.
وهنا تصبح تجربة الصومال مفيدة لنا. الصومال اليوم نفسه يحاول بناء منظم وطني وقواعد أوضح للطيف، والتراخيص، والربط البيني، والمنافسة، ومشاركة البنية التحتية، بعدما عمل السوق سنوات طويلة في بيئة تنظيمية ضعيفة. لذلك ليس السؤال: هل ليبيا ستصبح مثل الصومال؟ بل: هل سنتعلم من المرحلة التي اضطر الصومال نفسه إلى تجاوزها؟
أنا لا أريد دولة تمنع القطاع الخاص، ولا أريد قطاعًا عامًا يحتكر الاتصالات، لكنني أيضًا لا أريد سوقًا تصنعه مراكز القوة ثم يأتي القانون لاحقًا ليحاول فهم ما حدث. أريد دولة تحدد قواعد اللعبة أولًا، ثم تجعل الجميع، العام والخاص، الشرق والغرب، والشركات القديمة والجديدة، يعملون وفق القواعد نفسها.
لأن الكابل البحري ليس مجرد كابل، والطيف ليس مجرد تردد، ومركز البيانات ليس مجرد مبنى. الاتصالات في 2026 أصبحت جزءًا من السيادة، والأمن، والاقتصاد، وحياة المواطن اليومية. ولهذا، قبل أن نسأل من سيملك أسرع شبكة، ربما يجب أن نسأل أولًا: من سيملك قواعد اللعبة؟
