خلال الفترة من 11 إلى 15 أكتوبر 2026 شاركت في طرابلس في دورة «صحافة المصلحة العامة – Public Interest Journalism»، التي نظمها RNTC Media Training Centre ضمن برنامج تطوير الإعلام الليبي – Libya Media Development Programme (LMDP)، بتمويل من بعثة الاتحاد الأوروبي في ليبيا. كانت خمسة أيام مكثفة، لكنها بالنسبة لي لم تكن مجرد دورة تدريبية تنتهي بشهادة مشاركة، بل تجربة جعلتني أعيد النظر في الطريقة التي أتعامل بها مع المعلومة، والمصدر، والادعاء، والمسؤولية قبل أن أضغط زر «نشر».
برنامج تطوير الإعلام الليبي يأتي في إطار مسار يستهدف تطوير القدرات المهنية للعاملين في الإعلام، ودعم التحول الرقمي واستدامة المؤسسات الإعلامية. أما RNTC فلها تاريخ طويل في التدريب الإعلامي يعود إلى عام 1968، وتعمل في مجالات تشمل صحافة المصلحة العامة، والتحقق من المعلومات، وتطوير القدرات الإعلامية. معرفة هذا السياق كانت مهمة بالنسبة لي؛ لأنني لم أكن أشارك فقط في دورة منفردة، بل في برنامج أوسع له أهداف مرتبطة بتطوير العمل الإعلامي في ليبيا.
أُقيم التدريب في مكتبة المستقبل – The Future Library في طرابلس، وهو صرح ثقافي جميل ترك لدي انطباعًا إيجابيًا، وأشكر العاملين فيه على تعاونهم وحسن تعاملهم طوال أيام التدريب. وأتمنى أن يستمر هذا المكان في احتضان مثل هذه الأنشطة الثقافية والإعلامية. وفي الوقت نفسه، وبحكم أنني أستخدم كرسيًا متحركًا كهربائيًا، لا يمكنني أن أنظر إلى أي مبنى بعيدًا عن مسألة سهولة الوصول. بحسب تجربتي، لا يزال المبنى بحاجة إلى مزيد من التهيئة حتى تكون مختلف مساحاته وخدماته قابلة للوصول والاستخدام من الأشخاص ذوي الإعاقة باستقلالية أكبر.
وجود مدخل أو مساحة واحدة يمكن الوصول إليها لا يعني أن المبنى أصبح مهيأ بالكامل. فلسفة سهولة الوصول بالنسبة لي تعني أن يستطيع الشخص الدخول والتنقل والوصول إلى القاعات والخدمات واستخدام دورة مياه مهيأة، دون أن تتحول الدرجات أو العوائق المعمارية إلى حدود لحركته. وأقول ذلك كتقدير للمكان لا انتقاصًا منه؛ فالمباني الثقافية والتعليمية تصبح أكثر قيمة عندما تكون مفتوحة فعليًا للجميع.
وما زاد التجربة قيمة بالنسبة لي أنني كنت ضمن مجموعة أعتبرها نخبة متميزة من المتدربين الليبيين، جمعت بينهم خلفيات وتجارب مختلفة في المجال الإعلامي. أعتز بأنني كنت واحدًا من هذه المجموعة، لأن جزءًا مهمًا من التعلم جاء أيضًا من النقاش وتبادل التجارب ووجهات النظر بيننا. أحيانًا تكون الفكرة نفسها أمام الجميع، لكن اختلاف الخلفيات يجعل كل شخص يراها من زاوية مختلفة، وهذا في حد ذاته جزء من قيمة التدريب.
أنا أعرّف نفسي أساسًا كمدون مستقل. أكتب منذ سنوات عن قضايا أتابعها وأعيش جزءًا منها شخصيًا، خاصة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وسهولة الوصول، والخدمات العامة، والرياضة والشأن العام. كنت قبل هذه الدورة أبحث عن الوثائق والأرقام وأقارن بين المصادر، لكن التدريب ساعدني على رؤية الفرق بصورة أوضح بين أن أمتلك معلومات كثيرة وبين أن أبني قصة صحفية متماسكة وقابلة للتحقق.
من أهم الأفكار التي خرجت بها أن البداية لا ينبغي أن تكون دائمًا من نتيجة قررتها مسبقًا، ثم أبحث عن معلومات تؤيدها. يمكن أن تكون لدي ملاحظة أو شك أو تجربة شخصية، لكن يجب تحويلها إلى فرضية قابلة للاختبار: ما الذي أستطيع إثباته؟ ما الأدلة التي أحتاجها؟ ما الذي قد ينفي الفرضية؟ من يملك القرار؟ من يتأثر به؟ ومن يجب أن أمنحه حق الرد قبل أن أصل إلى النتيجة؟
هذه الفكرة قريبة جدًا من القضايا التي أكتب عنها. فإذا وجدت، مثلًا، مرفقًا عامًا غير مهيأ للأشخاص ذوي الإعاقة، فمن السهل أن أصور المكان وأقول إن هناك مشكلة. لكن صحافة المصلحة العامة تدفعني خطوة أبعد: من صمم؟ من وافق؟ من نفذ؟ من استلم المشروع؟ ما المعايير التي يفترض تطبيقها؟ هل توجد جهة رقابية؟ وما رد الجهة المسؤولة؟ هنا تتحول الملاحظة من صورة أو انطباع إلى محاولة لفهم سلسلة القرار والمسؤولية.
تعاملنا خلال الدورة مع صياغة فرضية التحقيق، ورسم خريطة الفاعلين والقوة، وتنظيم الأدلة من خلال الملف الرئيسي وسجل التحقيق، إضافة إلى المصادر المفتوحة OSINT والتحقق من المعلومات والتعامل مع المصادر البشرية وتقييم المخاطر. بالنسبة لي، كانت مسألة تنظيم الأدلة من أكثر الجوانب العملية أهمية؛ فأنا معتاد على جمع الكثير من الروابط والوثائق والصور والملاحظات، لكن كثرة المعلومات وحدها لا تصنع تحقيقًا جيدًا. المهم أن أعرف مصدر كل معلومة، وهل تم التحقق منها، وما علاقتها بالفرضية، وما الذي ما زال يحتاج إلى إثبات.
الدورة جعلتني كذلك أعيد التفكير في المصدر البشري. الشخص الذي يقدم معلومة ليس بالضرورة مصدرًا محايدًا، وليس كل ما يقوله يتحول إلى حقيقة لمجرد قربه من الحدث. أصبحت أكثر انتباهًا لأسئلة مثل: ما موقع هذا الشخص من القضية؟ ما الذي يمكنه معرفته فعلًا؟ هل لديه مصلحة معينة؟ وهل يمكن التحقق مما يقوله من وثيقة أو مصدر آخر؟ وفي المقابل هناك مسؤولية أخلاقية تجاه المصدر نفسه وخصوصيته وسلامته وطريقة استخدام المعلومات التي يقدمها.
وتناولنا أيضًا تقييم المخاطر في العمل الصحفي؛ وهي ليست مخاطر ميدانية فقط، بل قد تكون قانونية ورقمية ونفسية، إلى جانب التحديات المرتبطة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. وأنا أستخدم الذكاء الاصطناعي في عملي، وأراه أداة مهمة في البحث والتنظيم والصياغة، لكنه لا يحمل عني مسؤولية التحقق. النص المقنع لغويًا لا يعني بالضرورة أن المعلومات الواردة فيه صحيحة، وأي رقم أو ادعاء يحتاج إلى مصدر مهما كانت الأداة التي ساعدت في الوصول إليه.
وربما أول اختبار عملي لهذا التفكير جاءني وأنا أكتب هذه التدوينة نفسها. نحن نقول إن برنامج تطوير الإعلام الليبي ممول من الاتحاد الأوروبي، وهنا جاء السؤال تلقائيًا: ما قيمة هذا التمويل؟ بحثت في المعلومات الرسمية المتاحة عن البرنامج، ووجدت تفاصيل عن أهدافه ومدته والجهات المشاركة فيه، لكنني لم أجد رقمًا واضحًا ومعلنًا يحدد الميزانية الإجمالية للمشروع. لذلك فضلت ألا أضع رقمًا لم أستطع توثيقه.
وفي المقابل، وجدت أن بعض مكونات البرنامج تتضمن أرقامًا مالية معلنة؛ ومن بينها منح مرتبطة بالاستدامة والتحول الرقمي تصل إلى 10 آلاف يورو لكل جهة مستفيدة ضمن مكون محدد. بالنسبة لي، نشر مثل هذه المعلومات خطوة إيجابية، لأن الشفافية في البرامج الممولة دوليًا لا تتعلق فقط بالإعلان عن الأنشطة، بل أيضًا بأن يتمكن الجمهور قدر الإمكان من معرفة قيمة التمويل، وكيف يتوزع، وما النتائج التي تحققت منه.
وهنا شعرت أنني أطبق شيئًا من الدورة مباشرة: بدل أن أكتفي بعبارة «برنامج ممول من الاتحاد الأوروبي»، أصبح السؤال التالي عندي: بكم؟ أين الرقم؟ وما الذي أستطيع إثباته؟ وإذا لم أجد الإجابة من مصدر موثوق، فإن قول «لم أجد الرقم منشورًا» أكثر مهنية من ملء الفراغ بافتراض أو رقم متداول لا أعرف مصدره.
وكان لهذه المشاركة أيضًا بعد شخصي مهم بالنسبة لي. أنا شخص من ذوي الإعاقة وأستخدم كرسيًا متحركًا كهربائيًا، ولذلك فالمشاركة في أي تدريب حضوري لا تبدأ عند باب القاعة. هناك قبل ذلك النقل والوصول إلى المبنى والحركة داخله والتجهيزات الأساسية التي تسمح لي بأن أركز على التدريب نفسه بدل التفكير طوال الوقت في كيفية الوصول والتنقل.
![]() |
| مع السايق أستاذ محمد مبخوته |
في هذا الجانب أقدّر كثيرًا الجهود التي بذلها فريق البرنامج لتسهيل مشاركتي، كما أقدّر دور SIXT Libya في توفير وسيلة نقل مهيأة تناسب استخدامي للكرسي المتحرك الكهربائي طوال أيام التدريب. العثور على وسيلة نقل مناسبة في ليبيا ليس دائمًا أمرًا بسيطًا، ولذلك كان لتوفير هذه الخدمة أثر مباشر على قدرتي على الحضور يوميًا في الموعد والاستمرار في التدريب براحة أكبر. وقد لمست منهم مهنية والتزامًا في التعامل والتنظيم، وهو أمر يستحق الشكر والتقدير.
هذه التجربة عززت عندي قناعة أكررها دائمًا: سهولة الوصول يجب أن تكون جزءًا من التخطيط منذ البداية، لا حلًا نبحث عنه بعد أن نكتشف وجود مشارك من ذوي الإعاقة. أي دورة تدريبية مفتوحة يجب أن تتوقع مسبقًا أن أحد المشاركين قد يستخدم كرسيًا متحركًا، أو يحتاج إلى مترجم لغة إشارة، أو إلى شكل آخر من أشكال الترتيبات التيسيرية. احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة ليست واحدة، ولذلك فإن الشمول الحقيقي يبدأ قبل وصول الشخص إلى القاعة.
بعد خمسة أيام من التدريب، لا أقول إنني أصبحت صحفيًا استقصائيًا محترفًا، ولا أعتقد أن أي دورة قصيرة تستطيع أن تفعل ذلك. لكنني بالتأكيد خرجت بطريقة أكثر تنظيمًا في التفكير، وبمجموعة من الأسئلة التي أصبحت أضعها أمامي قبل النشر.
أصبحت أرى فرقًا أوضح بين أن أقول: «هذه مشكلة وأعتقد أنها خاطئة»، وبين أن أسأل: «هل أستطيع إثباتها؟ ما الأدلة؟ من يملك القرار؟ من يتحمل المسؤولية؟ وما رد الطرف الآخر؟»
وسأظل مدونًا، والرأي جزء مهم من المساحة التي أكتب فيها. لكن ما أريد تطويره هو أن يكون الخط الفاصل واضحًا بين ما أراه وأعتقده وبين ما أقدمه للقارئ باعتباره حقيقة يمكن إثباتها.
في نهاية الدورة حصلت على شهادة Public Interest Journalism، وهي شهادة أعتز بها. لكن القيمة الحقيقية بالنسبة لي ليست في الورقة وحدها، بل في أن أخرج من التجربة وأنا أكثر حرصًا على السؤال، وأكثر تنظيمًا في جمع الأدلة، وأكثر استعدادًا لمنح الطرف الآخر حق الرد، وأكثر حذرًا من أن تتحول قناعتي الشخصية إلى «حقيقة» لا يدعمها دليل.
ربما هذه هي الخلاصة الأهم التي أخذتها من التجربة: صحافة المصلحة العامة لا تعني أن يكون صوتي أعلى، بل أن تكون أسئلتي أدق، وأدلتي أقوى، وطريقتي في الوصول إلى النتيجة أكثر عدلًا وشفافية.
![]() |
| With Mr Anas Bandrif during the certificate presentation |


