لفتت انتباهي قائمة متداولة لمرتبات مسؤولين وعاملين في مؤسسات ليبية، بينما يعيش مواطنون في البلد نفسه بدخول تتراوح بين 650 و2000 دينار شهريًا. لا أستطيع الجزم بصحة جميع أرقام القائمة، ولا أعرف إن كانت تمثل الراتب الأساسي أم مجموع المرتب والبدلات. لكن السؤال الذي تثيره مشروع: على أي أساس نوزّع المال العام؟
اختلاف الرواتب بين الوظائف أمر مفهوم. فالمؤهلات والخبرة والمسؤولية وندرة التخصص لها ثمن. لكن من حق المواطن أن يعرف كيف حُدّد راتب المسؤول، وما البدلات التي يحصل عليها، وما المسؤولية التي يُحاسَب عليها في المقابل.
في بريطانيا، كان الراتب الأساسي السنوي للنائب 93,904 جنيهات في أبريل 2025، مقابل أجر سنوي وسيط بلغ 39,039 جنيهًا للعاملين بدوام كامل ممن أمضوا سنة على الأقل في وظائفهم؛ أي نحو 2.4 ضعف. ومنذ أبريل 2026، ارتفع راتب النائب إلى 98,599 جنيهًا. الرقم معلن، والجهة التي تحدده مستقلة، ونفقات العمل البرلماني تُعرض بصورة منفصلة. وفي ألمانيا أيضًا، توجد مرجعية معلنة لمكافأة النائب وآلية لتعديلها ترتبط بمؤشر الأجور الاسمية، مع فصل مكافأته عن بدل نفقات العمل. هذه الأنظمة قابلة للنقد، لكنها تتيح للمواطن مساءلة الأساس الذي يُنفق عليه المال.
أما رقم 53 ألف دينار شهريًا الوارد في القائمة الليبية، فإذا ثبت أنه دخل شهري قابل للمقارنة، فإنه يعادل 26.5 ضعف دخل قدره 2000 دينار، ونحو 81.5 ضعف دخل قدره 650 دينارًا. هذا حساب مشروط بصحة الأرقام، وليس قياسًا موثقًا لفجوة الأجور في ليبيا. فلا يجوز وصف 650 أو 2000 دينار بأنهما الأجر الوسيط لليبيين دون بيانات.
وكذلك لا يمكن مقارنة دخل موظف في سفارة بالخارج بدخل موظف في الداخل بمجرد تحويل العملة. يجب فصل الراتب عن السكن والتأمين والتعليم وبدلات الإقامة، ومراعاة تكلفة المعيشة في بلد العمل. ما نحتاجه هو نشر التكلفة الإجمالية ومبرراتها.
وأين صوت المؤسسات الدينية والعلماء من هذه الأسئلة؟ إذا ثبتت فجوة فلكية في الدخول والامتيازات الممولة من موارد الدولة نفسها، ألا تستحق نقاشًا علنيًا حول العدل في توزيع المال العام وحقوق الناس فيه؟ لا أطلب فتوى تُصدر حكمًا على أرقام غير موثقة، بل موقفًا مبدئيًا يدعو إلى كشف الأرقام، ومساءلة المسؤولين، وحماية حق أصحاب الدخول المحدودة في حياة كريمة. فالحديث عن العدالة لا ينبغي أن يغيب عندما يتعلق الأمر بما يُصرف من خزينة الدولة.
وهنا أصل إلى جانب أعرف أثره في الحياة اليومية: الدعم المخصص للأشخاص ذوي الإعاقة.
بصفتي شخصًا من ذوي الإعاقة، أرى أن النقاش لا يكتمل بسؤال «كم يتقاضى المسؤول؟»، بل يجب أن يشمل سؤالًا آخر: كيف تساعد الدولة من يتحمل تكاليف إضافية كي يتنقل ويعمل ويشارك في المجتمع؟
في بريطانيا، تساعد «إعانة الاستقلال الشخصي» (PIP) في تغطية تكاليف إضافية مرتبطة بالإعاقة أو بالحالة الصحية طويلة الأمد. قد يستحقها الشخص حتى إن كان يعمل أو لديه مدخرات، ولا تتحدد قيمتها بحسب دخله. ووفق معدلات 2026–2027، يتراوح مكوّن المعيشة اليومية بين 76.70 و114.60 جنيهًا أسبوعيًا، ومكوّن التنقل بين 30.30 و80 جنيهًا. ومن يستحق أعلى معدل في المكوّنين معًا يحصل على 778.40 جنيهًا كل أربعة أسابيع؛ أي نحو 843 جنيهًا شهريًا إذا حُسب متوسط السنة. هذا حد أعلى، وليس مبلغًا يحصل عليه كل شخص ذي إعاقة.
وفي ليبيا، إذا كان شخص من ذوي الإعاقة يعتمد على 650 دينارًا شهريًا، فماذا يتبقى له بعد الغذاء والدواء والتنقل والمساعدة الشخصية؟ وكيف يغطي احتياجات المعيشة المعتادة وتكاليف إعاقته معًا؟
لا تكفي مقارنة الجنيه بالدينار؛ فتختلف الأسعار والخدمات وشروط الاستحقاق. لكن المبدأ يستحق النقاش: تكاليف الإعاقة لا تختفي بالضرورة عندما يعمل الإنسان أو يتحسن دخله. ولهذا ينبغي التمييز بين دخل يضمن الحد الأدنى من المعيشة، ودعم يعوّض تكاليف الإعاقة الفعلية. كما ينبغي تقييم كل منفعة عامة بحسب غرضها وشروطها، بدل وضع علاوة الأبناء ومنحة الزوجة ومخصصات السفر ودعم الإعاقة في خانة واحدة.
أطالب بنشر جداول الرواتب والبدلات الفعلية، وقياس الفجوة بينها وبين الأجر الوسيط وأدنى الدخول ببيانات موثوقة، ومراجعة مستقلة للامتيازات. وأطالب بضمان دخل يحفظ الكرامة، إلى جانب دعم مخصص يمكّن الأشخاص ذوي الإعاقة من التنقل والعمل والاستقلال. أي زيادة تحتاج أيضًا إلى تمويل مستدام وخدمات أفضل، حتى لا تلتهم الأسعار أثرها.
المال العام حق يستوجب التفسير والمساءلة. والمواطن الذي يسأل عن عدالة توزيعه لا يطلب امتيازًا؛ بل يمارس حقه في معرفة كيف تُدار دولته.
