Loading... | ... | 00:00

من نيويورك إلى طرابلس: كم يمكن أن تكون تكلفة رحلة المنفي؟ قراءة بالأرقام في الطائرة والوفد والمال العام

مشاركة


 لفت انتباهي منشور للصحفي خليل الحاسي حول رحلة رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي إلى نيويورك، وكالعادة الفضول اللي عندي مرات يودّيني في ستين داهية . لكن بدل أن أكتفي بما ورد في المنشور، أو أكرر أرقامًا متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، قررت أن أبحث في الجزء الذي يمكن قياسه: الطائرة، مسار الرحلة، أسعار الاستئجار، تكلفة الإقامة، حجم الوفد المفترض، ثم محاولة بناء تقدير اقتصادي مرجعي لما يمكن أن تكون عليه تكلفة هذه الرحلة.

ومن المهم جدًا أن أوضح من البداية أن الأرقام الواردة في هذا المقال ليست كشف حساب صادرًا عن المجلس الرئاسي، وليست قيمة عقد رسمي حصلت عليه، ولا أدّعي أنها التكلفة التي دفعتها الدولة فعلًا. هي محاولة حسابية مبنية على بيانات تتبع طيران مفتوحة وأسعار سوق منشورة ومعدلات إقامة رسمية يمكن استخدامها كمرجع للمقارنة. وإذا نشرت الجهات الرسمية لاحقًا العقد أو الفواتير أو التكلفة النهائية، فإن تلك الأرقام ستكون بطبيعة الحال المرجع الأساسي.

شارك رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ضمن وفد ليبي ضم عددًا من المسؤولين والمستشارين. وألقى المنفي كلمة ليبيا أمام الجمعية العامة، كما شهدت فترة وجود الوفد في نيويورك لقاءات وتحركات دبلوماسية مختلفة، إلى جانب نشاط مرتبط بحملة ليبيا للحصول على مقعد غير دائم في مجلس الأمن للفترة 2028–2029. لذلك فإن وجود رئيس المجلس الرئاسي في نيويورك للمشاركة في هذه الاجتماعات ليس في حد ذاته أمرًا استثنائيًا؛ السؤال الذي أطرحه هنا يتعلق بالتكلفة، وطريقة السفر، وحجم الوفد، وما تحقق في المقابل.

منشور خليل الحاسي كان نقطة البداية بالنسبة لي. فقد تحدث عن عودة المنفي إلى ليبيا على متن طائرة خاصة أجنبية مستأجرة، وربط الطائرة بشركة BKNJET التركية، كما انتقد حجم الوفد والإنفاق والنتائج السياسية للزيارة. بعض الأرقام والعبارات التي وردت في الانتقادات المتداولة، ومنها الحديث عن تكلفة تصل إلى ملايين الدولارات، لا أملك مستندات مالية منشورة تسمح لي بتأكيدها، ولذلك فضلت أن أترك هذه التقديرات جانبًا وأحاول معرفة ما يمكن الوصول إليه من خلال البيانات المتاحة للعلن.

بيانات تتبع الطيران المفتوحة تشير إلى طائرة تحمل التسجيل TC-DDD من عائلة Bombardier Global Express، مرتبطة في قواعد بيانات الطيران بالمشغل BKNJET. وتظهر بيانات التتبع أن الطائرة غادرت مطار جون إف. كينيدي في نيويورك يوم 27 سبتمبر 2026 عند الساعة 03:42 بالتوقيت العالمي، واستمر الجزء المرصود من الرحلة نحو 7 ساعات و28 دقيقة، وقطع ما يقارب 7,231 كيلومترًا قبل فقد إشارة التتبع.

هذه البيانات لا تثبت وحدها أن محمد المنفي أو أعضاء الوفد كانوا على متن الطائرة، كما أن فقد إشارة التتبع قبل تسجيل الوجهة النهائية يعني أنه لا يمكن الاعتماد على بيانات التتبع وحدها لإثبات كل تفاصيل الرحلة. لكن توافق توقيت الرحلة مع موعد العودة، ووجود الطائرة في نيويورك خلال الفترة نفسها، إلى جانب الصور المنشورة عند الوصول، يجعل الأمر قرينة تستحق التحقق والشفافية من الجهات الرسمية.

وهنا بدأ الفضول يتحول إلى آلة حاسبة. طائرات Bombardier Global 6000 وGlobal Express من فئة طائرات رجال الأعمال بعيدة المدى جدًا، وهي مصممة للرحلات العابرة للقارات. أسعار استئجار هذه الفئة تختلف بصورة كبيرة بحسب شركة التشغيل، ومكان تمركز الطائرة، وطول الرحلة، ورسوم المطارات، والوقود، والطاقم، وخدمات المناولة، والانتظار، وأي رحلات فارغة لازمة لإحضار الطائرة إلى نقطة الانطلاق.

أحد تقديرات السوق المحدثة في سبتمبر 2026 يضع تكلفة استئجار Global 6000 تقريبًا بين 17,100 و20,600 دولار للساعة في بعض السيناريوهات الشاملة للتشغيل الأساسي. وباستخدام هذا النطاق كمرجع، وليس كسعر عقد BKNJET، يمكن بناء حساب تقريبي. فإذا كانت الرحلة بين نيويورك وشمال أفريقيا تستغرق نحو سبع ساعات ونصف تقريبًا في كل اتجاه، فإن إجمالي الطيران ذهابًا وإيابًا يمكن أن يقترب من 15 ساعة.

عند ضرب 15 ساعة في 17,100 دولار للساعة نحصل على نحو 255 ألف دولار. وفي الطرف الأعلى، عند استخدام 20,600 دولار للساعة، نصل إلى نحو 308 آلاف دولار. وبالتالي فإن تكلفة الطائرة في هذا السيناريو المرجعي قد تقع تقريبًا بين 255 و308 آلاف دولار للذهاب والإياب.

مرة أخرى، هذا ليس سعر الرحلة الحقيقي ولا فاتورة الدولة. فقد يكون العقد أقل من ذلك بسبب اتفاق خاص أو رحلة فارغة متاحة، وقد يكون أعلى بكثير إذا احتسبنا تمركز الطائرة، ورسوم انتظارها لأيام، وإقامة الطاقم، ورسوم المطارات، والتصاريح، وخدمات كبار الشخصيات أو أي خدمات إضافية أخرى.

ثم نأتي إلى الوفد. لم أجد حتى الآن كشفًا رسميًا مفصلًا يحدد عدد جميع المسافرين في هذه المهمة، ولذلك استخدمت في الإنفوغرافيك رقم عشرين شخصًا كافتراض حسابي فقط، وليس باعتباره العدد المؤكد للوفد.

ولكي لا أختار أسعار فنادق أو مصروفات بصورة عشوائية، استخدمت معدلات السفر الرسمية للحكومة الأمريكية في نيويورك كمرجع للمقارنة. في سبتمبر 2026 يبلغ معدل الإقامة المرجعي في نيويورك نحو 342 دولارًا لليلة، إضافة إلى نحو 92 دولارًا يوميًا للوجبات والمصروفات العرضية. أي ما يقارب 434 دولارًا للشخص يوميًا وفق هذا المعيار.

إذا افترضنا وفدًا من عشرين شخصًا لمدة سبعة أيام، فإن تكلفة الإقامة والمصروفات اليومية وفق هذا المعيار وحده تقترب من 60,760 دولارًا. وطبعًا هذا لا يعني أن ليبيا دفعت هذا المبلغ، فقد تكون الفنادق المستخدمة أغلى أو أرخص، وقد يكون عدد الأشخاص أو عدد الليالي مختلفًا.

عند جمع تكلفة الطيران المرجعية، المقدرة بين 255 و308 آلاف دولار، مع نحو 60.8 ألف دولار كمثال مرجعي للإقامة والمصروفات، نصل إلى نطاق تقريبي بين 316 و368 ألف دولار.

وباستخدام متوسط سعر الدولار الرسمي المنشور من مصرف ليبيا المركزي يوم 27 سبتمبر 2026، والبالغ نحو 6.3925 دينار ليبي للدولار، فإن هذا المبلغ يعادل تقريبًا بين 2.02 و2.35 مليون دينار ليبي.

وهنا يجب أن أكرر للمرة الثالثة، لأن الدقة أهم من الإثارة: هذا الرقم ليس تكلفة الرحلة الرسمية، بل نتيجة سيناريو حسابي بنيته على افتراضات واضحة ومصادر أسعار معلنة. نحن لا نعرف قيمة عقد الطائرة، ولا عدد الوفد بصورة نهائية، ولا تكلفة الفندق الحقيقية، ولا أسعار السيارات والنقل الداخلي والحماية والبروتوكول، ولا أي رسوم أخرى قد تكون دخلت في المهمة.

لكن خلال البحث ظهرت أمامي نقطة أخرى تستحق السؤال. ليبيا لديها أصلًا طائرات تستخدم للأغراض الحكومية. فقد أفادت مصادر متخصصة في الطيران سابقًا بأن حكومة الوحدة تستخدم طائرة Airbus A319-100 تحمل التسجيل 5A-ONI، وكانت الطائرة تابعة للخطوط الأفريقية، وهي شركة مملوكة للدولة. كما أظهرت بيانات الطيران استخدامها في رحلات حكومية تحت رمز LYB إلى عدد من العواصم والمدن الأوروبية.

كما توجد طائرات أخرى مرتبطة بالطيران الحكومي والخاص الليبي، بينها Legacy 600، في حين تشير بيانات منشورة إلى أن طائرة Airbus A340-200 الحكومية كانت مخزنة في بازل منذ فترة.

وجود هذه الطائرات لا يعني تلقائيًا أنها كانت متاحة أو صالحة لرحلة نيويورك في ذلك التاريخ. قد تكون هناك أسباب فنية أو أمنية أو تشغيلية تجعل استئجار طائرة أجنبية خيارًا ضروريًا أو حتى أقل تكلفة. لكن هذا هو بالضبط نوع المعلومات التي يفترض أن تكون متاحة عندما يتعلق الأمر بالمال العام.

السؤال هنا ليس فقط لماذا سافر رئيس المجلس الرئاسي بطائرة خاصة، بل لماذا تم اختيار هذه الطائرة تحديدًا؟ هل كانت الطائرات الحكومية الأخرى خارج الخدمة؟ هل كان الاستئجار أقل تكلفة من تشغيل طائرة حكومية؟ هل كان هناك سبب أمني أو تقني؟ وكم بلغت قيمة العقد فعلًا؟

ربما توجد إجابات منطقية جدًا على كل هذه الأسئلة، لكن غياب المعلومات هو الذي يفتح الباب أمام التخمين والشائعات.

وبعد العودة إلى طرابلس شاهدنا استقبالًا رسميًا في المطار بحضور رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة وعدد من القيادات العسكرية والأمنية، إلى جانب المراسم التقليدية المصاحبة للاستقبال.

ولا توجد مشكلة في البروتوكول من حيث المبدأ. كل الدول لديها مراسمها، وكل المناصب العليا لها قواعد استقبال وتحرك. لكن ما يلفت الانتباه هو حجم التركيز الإعلامي على لحظة الوصول والمصافحات والسجاد والفرقة والمراسم، مقابل غياب شبه كامل للأسئلة المتعلقة بالتكلفة والنتائج.

وهنا أعتقد أن جزءًا من المشكلة لا يتعلق بالمسؤولين وحدهم، بل بالإعلام أيضًا. عندما يتحول أداء وظيفة رسمية أو العودة من مهمة خارجية إلى مشهد ضخم يُقدَّم للمواطن وكأنه إنجاز بحد ذاته، فإننا نخلق صورة أكبر من الفعل الحقيقي.

الإعلام الممول من المال العام يفترض ألا يكتفي بتغطية الاستقبال، بل أن يسأل أيضًا: كم بلغت تكلفة المهمة؟ من سافر؟ ما قيمة عقد الطائرة؟ كم بلغت مصاريف الإقامة والنقل؟ وما الذي تحقق فعليًا لصالح الدولة؟

فالصحافة التي تخدم المواطن لا تكون مهمتها فقط أن تقول لنا إن المسؤول وصل إلى المطار، بل أن تخبرنا أيضًا ماذا فعل، وكم كلف ذلك، وما النتائج التي عادت على البلد.

وفي المقابل، ومن باب الإنصاف، لا يصح اختزال الزيارة في القول إنه لم يحدث فيها شيء. المصادر الرسمية توثق كلمة المنفي أمام الجمعية العامة، كما توثق عددًا من التحركات واللقاءات الدبلوماسية للوفد الليبي، إضافة إلى نشاط ليبيا المرتبط بحملتها للحصول على مقعد غير دائم في مجلس الأمن.

لكن السؤال عن العائد يظل مشروعًا. هل نتج عن هذه اللقاءات اتفاقات محددة؟ هل حصلت ليبيا على التزامات سياسية أو اقتصادية يمكن قياسها؟ هل ساهمت الزيارة بصورة واضحة في تعزيز موقف ليبيا في ملف مجلس الأمن؟ وهل تتناسب النتائج مع حجم الإنفاق؟

الإجابة على هذه الأسئلة لا تأتي من الصور ولا من عدد اللقاءات وحده، بل من نتائج ملموسة يمكن تقييمها بمرور الوقت.

أنا لا أقول إن المسؤول يجب ألا يسافر، ولا أقول إن استخدام الطائرات الخاصة أمر خاطئ في كل الحالات. رؤساء الدول وكبار المسؤولين حول العالم يستخدمون الطيران الخاص والحكومي لأسباب تتعلق بالأمن والوقت واللوجستيات والبروتوكول.

كما أنني لا أملك دليلًا يسمح لي بالقول إن الرحلة كلّفت ملايين الدولارات، ولذلك لا أكرر هذا الرقم باعتباره حقيقة.

ما أستطيع قوله هو أن استخدام الأسعار المرجعية المتاحة لطائرة من هذه الفئة، مع افتراض وفد بهذا الحجم ومدة إقامة أسبوع تقريبًا، يجعل الوصول إلى تكلفة تتجاوز مليوني دينار ليبي سيناريو اقتصاديًا ممكنًا.

وهذا وحده يجعل السؤال عن الفاتورة الحقيقية سؤالًا مشروعًا.

ربما تكون التكلفة الفعلية أقل كثيرًا من تقديري، وربما تكون أعلى. والحل ليس في المزيد من التكهنات، بل في نشر الأرقام.

كشف صغير يوضح عدد أعضاء الوفد، وقيمة عقد الطيران، وتكاليف الإقامة والنقل، وأبرز النتائج التي تحققت، يمكن أن ينهي جزءًا كبيرًا من الجدل.

لفت انتباهي منشور خليل الحاسي، والفضول أخذني إلى بيانات الطيران، وأسعار الاستئجار، ومعدلات الإقامة، وأسعار الصرف، والطائرات الحكومية الموجودة أصلًا.

وفي النهاية لم أصل إلى حكم نهائي بقدر ما وصلت إلى سؤال أراه أهم بكثير من كل صور الاستقبال:

كم دفعت ليبيا فعلًا؟ ومن سافر؟ ولماذا اختيرت هذه الطائرة؟ وماذا حصلت ليبيا في المقابل؟

فالشفافية لا تسيء إلى الدولة، ولا تقلل من هيبة المسؤول. بالعكس، الشفافية تحمي المال العام، تقلل مساحة الشائعات، وتمنح المواطن فرصة أن يحكم على أداء مؤسسات دولته بالأرقام لا بالصور.


المصادر التي اعتمدت عليها في هذا التقدير تشمل بيانات تتبع الطائرة TC-DDD المنشورة عبر PrivJet، وبيانات ومواصفات طائرات Bombardier Global المنشورة في قواعد بيانات الطيران، وأسعار استئجار Global 6000 المنشورة من MeghQuasar وPrivate Charter Global، ومعدلات الإقامة والمصروفات في نيويورك الصادرة عن GSA الأمريكية، وأسعار صرف العملات المنشورة من مصرف ليبيا المركزي، إضافة إلى بيانات ch-aviation المتعلقة بالطائرات الحكومية الليبية.


مشاركة المقال

 


شارك
✓ تم نسخ النص