أطلقت ليبيا رسميًا من نيويورك حملة ترشحها لشغل مقعد غير دائم في مجلس الأمن للفترة 2028–2029، تحت شعار «ترسيخ العدالة من أجل الأمن والسلام» وعبارة «ليبيا جسر بين الأمم». ووفق ما أعلنته البعثة الليبية، حضر حفل الإطلاق سفراء ومندوبون يمثلون أكثر من 140 دولة عضوًا في الأمم المتحدة.
من حيث المبدأ، من حق ليبيا أن تسعى إلى الحضور داخل المؤسسات الدولية، فهذا ترشح باسم الدولة الليبية وليس إنجازًا شخصيًا لحكومة أو وزير أو سفير. ومجلس الأمن يتكون من 15 دولة، خمس منها دائمة العضوية، وعشر دول غير دائمة تنتخبها الجمعية العامة لمدة سنتين.
لكن الترشح لمجلس الأمن لا يُدار بالشعارات والصور وحفلات الاستقبال وحدها؛ بل يحتاج إلى برنامج انتخابي، وتحرك داخل الاتحاد الإفريقي، واتصالات مباشرة مع الدول الأعضاء، وتعهدات بالتصويت، وفعاليات دبلوماسية، وفريق قادر على متابعة الحملة والاستعداد للعمل داخل المجلس في حال الفوز. والانتخاب يجري بالاقتراع السري، ويحتاج المرشح إلى أغلبية الثلثين من الدول الحاضرة والمصوّتة، ولذلك فإن حضور ممثلي 140 دولة لحفل الإطلاق لا يعني أن ليبيا ضمنت 140 صوتًا.
ماذا قال الطاهر السني؟
قدّم السيد الطاهر السني، سفير ومندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة، الحملة باعتبارها أكثر من مجرد محاولة للحصول على مقعد، ووصفها بأنها فرصة لفتح فصل جديد وعودة ليبيا إلى الساحة الدولية «بصوت فاعل وبنّاء»، مع السعي إلى تحويل الحوار إلى عمل ملموس والتحديات المشتركة إلى حلول جماعية. منشور الطاهر السني عن إطلاق الحملة
وفي منشور آخر، أكد السني أن الترشح يتم باسم «دولة ليبيا»، وأنه استحقاق يفترض أن يجمع الليبيين ولا يفرقهم. كما طرح في تسجيل مصوّر أسئلة تتعلق بتوقيت الترشح، وجدواه في الظروف الحالية، وإمكانية شغل ليبيا المقعد وهي خاضعة لتدابير صادرة بموجب الفصل السابع، إضافة إلى رغبة المغرب في المنافسة على المقعد. منشور الطاهر السني التوضيحي
أما من الناحية القانونية، فلا يتضمن نص المادة 23 من ميثاق الأمم المتحدة شرطًا يمنع تلقائيًا دولة خاضعة لتدابير صادرة بموجب الفصل السابع من انتخابها عضوًا غير دائم. المادة تتحدث عن مساهمة الدولة في حفظ السلم والأمن الدوليين، وتحقيق مقاصد المنظمة، والتوزيع الجغرافي العادل. لذلك تبقى المسألة سياسية وانتخابية بالدرجة الأولى، وليست مانعًا قانونيًا تلقائيًا وفق نص الميثاق. ميثاق الأمم المتحدة – المادة 23
كما أوضح السني أن توزيع المقاعد الإفريقية يخضع، بحسب قوله، للتناوب بين أقاليم القارة الخمسة: الشمال والشرق والوسط والغرب والجنوب. وقال إن ليبيا شغلت المقعد مرتين فقط، وكانت آخر مشاركة لها خلال الفترة 2008–2009، وإنها أكدت رغبتها في الترشح منذ عام 2020، معتبرًا أن الدور الطبيعي لدول شمال إفريقيا خلال الفترة 2028–2029 يعود إلى ليبيا.
هذا التوضيح يشرح موقف البعثة الليبية، لكنه لا يعادل في حد ذاته قرارًا رسميًا منشورًا عن الاتحاد الإفريقي بتزكية ليبيا. ولذلك يبقى من حق المواطن أن يسأل: هل حصلت ليبيا فعليًا على اعتماد المجموعة الإفريقية؟ وهل توجد وثيقة رسمية تثبت ذلك؟ وما طبيعة المنافسة مع المغرب أو أي مرشح إفريقي آخر؟ القول إن المقعد هو «الدور الطبيعي لليبيا» يمثل موقف السفير والبعثة، أما إثباته فيحتاج إلى نشر قرار أو وثيقة صادرة عن الجهات الإفريقية المختصة.
السني اعتبر أيضًا أن من يشكك في أحقية ليبيا أو ينتقد الترشح لأسباب سياسية ضيقة يجب أن يراجع موقفه. لكن، مع كامل الاحترام له، السؤال عن الميزانية والتوقيت والجدوى لا يعني التفريط في حق ليبيا. النقد لا يستهدف اسم الدولة، بل يستهدف طريقة اتخاذ القرار وإدارة المال العام، خاصة عندما لا تُنشر خطة الحملة ولا ميزانيتها ولا أسماء فريقها ولا مؤشرات قياس نجاحها.
كم يمكن أن تكلف الحملة؟
حتى الآن لم أعثر في البيانات الرسمية المنشورة عن إطلاق الحملة على رقم يحدد ميزانيتها، ولذلك فإن مبلغ 1.5 مليون دولار الذي أطرحه ليس معلومة مسرّبة ولا رقمًا رسميًا، بل تقدير تحليلي لحملة مهنية تمتد حتى الانتخابات، بالاستفادة من تجارب دول أخرى، مع افتراض استخدام ليبيا لسفاراتها وبعثتها وموظفيها الموجودين أصلًا.
هذا التقدير يمكن أن يغطي فريق الحملة والخبراء، والزيارات والاتصالات الدبلوماسية، والتحرك داخل الاتحاد الإفريقي، والفعاليات في نيويورك وأديس أبابا، والمواد الإعلامية، والترجمة، والتدريب، والاستعداد للعمل داخل مجلس الأمن. وهو تقدير منفصل عن الرواتب الاعتيادية لموظفي وزارة الخارجية والمصاريف التشغيلية العادية للسفارات.
للمقارنة، أعلنت وزارة الخارجية النرويجية أن التكاليف المباشرة لحملة النرويج بلغت 23.4 مليون كرونة نرويجية، أي نحو 2.55 مليون دولار، خلال الفترة من عام 2016 إلى منتصف عام 2019. وشملت تلك المصروفات السفر، والتمثيل، والمواد الترويجية، والتدريب، ومخصصات البعثات، ورواتب الموظفين المؤقتين والمبعوثين الخاصين.
وفي حالة كندا، أظهرت بيانات الحكومة الكندية أن المصروفات التشغيلية المباشرة للحملة وصلت إلى نحو 1.943 مليون دولار حتى أكتوبر 2019، مع التنبيه إلى أن هذا الرقم لم يكن يشمل تكاليف الموظفين.
أما الدراسة الأكاديمية التي تناولت حملة إيرلندا، فقدّرت تكلفتها بنحو 850 ألف دولار، مقارنة بنحو 1.74 مليون دولار لكندا و2.8 مليون دولار للنرويج وفق الأرقام التي اعتمدتها الدراسة.
استنادًا إلى هذه المقارنات، أرى أن نطاقًا يتراوح بين 1.2 و1.8 مليون دولار يمكن أن يكون معقولًا لحملة ليبيا، مع وضع سقف إرشادي قريب من 1.5 مليون دولار. أما إذا تجاوز الإنفاق ثلاثة ملايين دولار، فمن الضروري تقديم تفسير علني وتقرير تفصيلي، لأن ليبيا تمتلك أصلًا بعثة دائمة في نيويورك وشبكة سفارات يفترض أن تؤدي الجزء الأكبر من الاتصالات الدبلوماسية ضمن مهامها الطبيعية. هذا النطاق تقديري وتحليلي، وليس رقمًا صادرًا عن الحكومة الليبية.
المقعد لا يعالج أزمة الدولة
السؤال الأهم ليس فقط كم ستدفع ليبيا، بل ماذا ستقدم داخل مجلس الأمن إذا فازت؟ وكيف ستقنع الدول بقدرتها على المساهمة في الأمن والسلام الدوليين بينما ما تزال العملية السياسية الليبية متعثرة، والمؤسسات منقسمة، والانتخابات الوطنية مؤجلة؟
في إحاطتها أمام مجلس الأمن في يونيو 2026، حذرت الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، من أن المسار الاقتصادي الليبي يشكل تهديدًا للاستقرار ولرفاه المواطنين. كما واصلت الدول الأعضاء في المجلس مطالبة القيادات الليبية بإحراز تقدم في العملية السياسية والمصالحة وتوحيد المؤسسات. إحاطة بعثة الأمم المتحدة حول ليبيا – يونيو 2026، موقف المملكة المتحدة في مجلس الأمن – أغسطس 2026
هذه المفارقة لا تُسقط حق ليبيا في الترشح، لكنها تضعف الخطاب الذي يقدمها باعتبارها مستعدة للمساهمة في صناعة السلام العالمي قبل أن تنجح في بناء سلام واستقرار دائمين داخل حدودها. صورة الدولة في الخارج لا تُصنع داخل قاعات نيويورك فقط؛ بل تبدأ من احترام المواطن، وسيادة القانون، ووحدة المؤسسات، والشفافية في إدارة المال العام.
إذا كانت الحملة تُدار فعلًا باسم «دولة ليبيا»، كما يؤكد السيد الطاهر السني، فمن حق الليبيين معرفة قرار تشكيل لجنة الحملة، وأسماء أعضائها، والبرنامج الانتخابي، وموقف الاتحاد الإفريقي، والدول التي تعهدت بالدعم، والميزانية المخصصة، وتكاليف السفر والإقامة والفعاليات والعقود الإعلامية. تأكيد السني أن الحملة باسم الدولة منشور في حسابه الرسمي، لكن التفاصيل المالية والتنظيمية المذكورة لم تظهر في المصادر الرسمية التي راجعتها.
نحن لسنا ضد عودة ليبيا إلى الساحة الدولية، ولسنا أقل من الدول الأخرى. لكن ليبيا أيضًا ليست ملكية خاصة أو بلاطًا أميريًا تُتخذ فيه القرارات باسم الدولة، ثم يُطلب من المواطن التصفيق من دون أن يعرف الخطة والتكلفة والنتيجة.
من حق السفير أن يدافع عن المشروع الذي يقوده، ومن حقنا أن نسأل وننتقد ونطالب بالوثائق. فالوطنية لا تعني منح الحكومة أو البعثة صكًا مفتوحًا للإنفاق، والمساءلة لا تعني التفريط في حق البلاد.
قبل أن نطلب من العالم منح ليبيا مقعدًا للدفاع عن الأمن والسلام، يجب أن نطلب من حكومتنا إجابات واضحة: ما خطة الحملة؟ كم ستكلف؟ من سيراقب أموالها؟ وما الذي سيكسبه المواطن الليبي فعلًا إذا وصلت بلاده إلى مجلس الأمن؟
