Loading... | ... | 00:00

طائرة إلى باريس… لكن أين التأشيرة يا سعادة السفير؟

مشاركة

 


عودة الرحلات الجوية المباشرة بين ليبيا وفرنسا بعد انقطاع طويل خبر إيجابي بلا شك، ومن حق شركة «ميدسكاي» أن تحتفل بنجاحها في فتح خط تجاري يربط مطاري معيتيقة وبنينا بالعاصمة الفرنسية باريس.

لكن الغريب أن سفير ليبيا لدى فرنسا قدّم هذا الحدث بطريقة تكاد تجعله إنجازًا دبلوماسيًا شخصيًا، فقال إنه سعيد بتحققه خلال فترة مهمته في باريس، وكأن وجوده في المنصب وقت تدشين الرحلة يكفي لنسب النجاح إليه.

فلنكن واضحين: افتتاح خط جوي تجاري بواسطة شركة خاصة لا يتحول تلقائيًا إلى إنجاز للسفارة أو للسفير. الإنجاز يُنسب إلى من استثمر وخطط وتحمّل المخاطر وشغّل الرحلة. أما الدور الدبلوماسي، فيجب أن يُقاس بما تحقق للمواطن الليبي من تسهيلات وحقوق وخدمات فعلية.

المفارقة التي كشفها السفير بنفسه

أهم ما جاء في منشور السفير لم يكن الاحتفال بالطائرة، بل اعترافه في نهايته بأنه «يأمل» في إعادة خدمات التأشيرة الفرنسية مباشرة من ليبيا.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: كيف نتحدث عن تقريب ليبيا من فرنسا، بينما لا يزال المواطن الليبي عاجزًا عن تقديم طلب التأشيرة الفرنسية من داخل بلاده؟

الطائرة وصلت إلى باريس، لكن المواطن الليبي لم يصل بعد إلى نافذة التأشيرة.

من الذي سيستفيد فعليًا من هذا الخط؟ هل هو المواطن الليبي الكادح، أم من يستطيع تحمّل تكاليف السفر خارج ليبيا والإقامة والتنقل والإجراءات، فقط من أجل تقديم طلب يسمح له أصلًا بركوب هذه الطائرة؟

أما الطالب والمريض وصاحب الدخل المحدود والشخص ذو الإعاقة، فالمشكلة بالنسبة إليه لا تبدأ في المطار، بل قبل ذلك بكثير: من أين سيقدم طلبه؟ وكيف سيسافر إلى دولة أخرى؟ ومن يتحمل تكاليف الإقامة والمرافق والتنقل؟ وماذا يحدث إذا اضطر إلى العودة مرة أخرى لاستلام جوازه أو استكمال إجراء ناقص؟

هذه هي الأسئلة التي كان يُفترض أن تكون في صدارة عمل السفارة، لا في آخر المنشور على هيئة أمنية مؤجلة.

دبلوماسية أم حملة علاقات عامة؟

المشكلة ليست في أن ينشر السفير خبرًا إيجابيًا أو يدعم شركة ليبية خاصة؛ فالدبلوماسية الاقتصادية والترويج للاستثمار والتبادل التجاري من مهام السفارات. المشكلة في الطريقة التي جرى بها تقديم الحدث، وفي غياب التوازن بين الصورة الاحتفالية والواقع الذي يعيشه المواطن.

من خلال هذا المنشور ونمط تقديمه، يظهر انطباع بأن السفير يتعامل مع السفارة وكأنها منصة علاقات عامة هدفها تسويق صورة براقة ومثالية عن ليبيا، أكثر من كونها مؤسسة دبلوماسية مطالبة بإدارة ملفات صعبة وتحقيق نتائج قابلة للقياس.

الصورة التي يقدمها المنشور تقول إن ليبيا أصبحت أقرب إلى فرنسا وأوروبا، بينما الواقع يقول إن المواطن الليبي لا يزال مضطرًا إلى مغادرة بلده من أجل طلب التأشيرة، وإن شركات الطيران الوطنية ما زالت ممنوعة من العمل داخل الاتحاد الأوروبي.

عندما يُفصل الخبر الإيجابي عن هذا الواقع، ويتصدر المشهد الاحتفال والصور وعبارات التهنئة، بينما تُدفع المشكلة الحقيقية إلى آخر المنشور تحت كلمة «نأمل»، فإن الخطاب يقترب من الدعاية أكثر مما يقترب من العمل الدبلوماسي.

السفير ليس مطلوبًا منه تشويه صورة بلاده أو نشر خطاب سلبي عنها، لكن تجميل الواقع ليس دفاعًا عن ليبيا. الدفاع الحقيقي عنها يكون بمعالجة أسباب ضعفها، والتفاوض لإزالة القيود المفروضة على مواطنيها، ثم إبلاغ الرأي العام بصدق بما تحقق وما لم يتحقق.

الاستعراض الإعلامي يصنع صورًا ومنشورات، أما الدبلوماسية فتصنع اتفاقات وتسهيلات ونتائج. والمواطن لا يحتاج إلى صورة جميلة عن واقع لا يعيشه، بل إلى سفارة تشرح له ماذا فعلت لتغيير هذا الواقع.

السفير ليس مندوب مبيعات

من يقرأ المنشور يكاد يظن أن صاحبه مسؤول علاقات عامة في شركة طيران، لا سفير دولة مكلف بالدفاع عن مصالح مواطنيها.

سعادة السفير، أنت تمثل الدولة الليبية في فرنسا، ولست مندوب مبيعات أو سمسارًا لخطوط جوية. مهمتك ليست الترويج للوجهات وتهنئة مجالس إدارات الشركات فحسب، بل التفاوض مع السلطات الفرنسية، ومتابعة الملفات القنصلية، وتسهيل حركة المواطنين، والدفاع عن مصالح الطلبة والمرضى ورجال الأعمال والأشخاص ذوي الإعاقة.

وحتى إذا كان قرار إعادة خدمات التأشيرة بيد السلطات الفرنسية، فإن دور السفير هو التفاوض والمتابعة والضغط الدبلوماسي وتقديم تقرير واضح للرأي العام: ما الخطوات التي اتُخذت؟ مع من جرت المفاوضات؟ ما العقبات؟ وما الجدول الزمني المتوقع؟

أما الاكتفاء بعبارة «آمل أن تعود التأشيرات» فلا يكفي. المواطن يستطيع أن يأمل من بيته، لكن السفير موجود في باريس لكي يعمل ويتفاوض ويحقق نتائج، لا لكي يشارك المواطنين أمنياتهم.

إذا كانت التأشيرات لم تعد بعد، فلا ينبغي تقديم افتتاح الرحلة وكأنه فتح تاريخي اكتملت به حرية التنقل. فالرحلة وسيلة تجارية، أما التأشيرة فهي البوابة السياسية والقنصلية التي تحدد من يستطيع استعمالها.

إنجاز تجاري لا يعني عودة الطيران الليبي إلى أوروبا

هناك أيضًا جانب مهم غاب عن منشور السفير. «ميدسكاي» شركة مساهمة ليبية مسجلة في طرابلس، لكن موقعها الرسمي يوضح أن خطتها للتشغيل نحو أوروبا اعتمدت على تسجيل طائرة في مالطا والتعاقد مع شركة مالطية لتشغيلها. كما أفادت بيانات متخصصة في الطيران بأن طائرة الشركة نُقلت إلى السجل المالطي وعادت إلى شهادة المشغل الجوي لشركة

وهذا لا ينتقص من نجاح الشركة التجاري، لكنه يضعه في سياقه الصحيح.

لماذا احتاجت الشركة إلى هذا الترتيب؟ لأن المشكلة الأساسية في الطيران الليبي ما زالت قائمة. قائمة السلامة الجوية الأوروبية المحدثة في 9 يونيو 2026 تضع جميع شركات الطيران المعتمدة من السلطات الليبية تحت الحظر داخل الاتحاد الأوروبي، وتذكر بالاسم الخطوط الجوية الأفريقية والخطوط الجوية الليبية وشركات ليبية أخرى.

كما توضح المفوضية الأوروبية أن الشركة المحظورة يمكنها تشغيل رحلات باستخدام طائرة مؤجرة مع طاقمها من شركة غير خاضعة للحظر، بشرط استيفاء معايير السلامة

إذن افتتاح خط باريس لا يعني أن قطاع الطيران الليبي عالج مشكلاته التنظيمية والفنية، ولا يعني عودة الشركات الليبية الحكومية بطائرات مسجلة ومشغلة تحت شهادة ليبية إلى الأجواء الأوروبية.

ومن هنا يبرز سؤال المال العام: أين الخطوط الجوية الليبية والخطوط الجوية الأفريقية؟ أين الحكومات ووزارة المواصلات ومصلحة الطيران المدني من معالجة أسباب استمرار الحظر الأوروبي؟ ولماذا تنجح شركة خاصة في إيجاد صيغة تشغيل عبر مالطا، بينما تعجز شركات الدولة، التي أُنفقت عليها أموال عامة ضخمة، عن استعادة مكانها الطبيعي في المطارات الأوروبية؟

بحسب الإعلان المنشور، يشمل الخط رحلات بين باريس وكل من معيتيقة وبنينا، وهو تطور تجاري مفيد للمسافرين، لكنه لا ينبغي أن يُستخدم لإخفاء الأزمة الأكبر التي يعانيها الطيران الليبي.

أين الإنجاز الدبلوماسي؟

العمل الدبلوماسي لا يُقاس بعدد الصور في المطارات ولا بعبارات الشكر والتهنئة، وإنما بالنتائج:

  • هل عادت خدمات التأشيرة الفرنسية إلى ليبيا؟
  • هل انخفضت معاناة الطلبة والمرضى؟
  • هل أصبحت الإجراءات متاحة للأشخاص ذوي الإعاقة من دون سفر مرهق ومكلف؟
  • هل وُجد مسار خاص للحالات الإنسانية والعلاجية؟
  • هل نُشرت معلومات واضحة باللغة العربية للمواطنين؟
  • هل وضعت السفارة خطة معلنة وجدولًا زمنيًا لمتابعة هذا الملف؟
  • هل ساهمت الدبلوماسية الليبية في معالجة ملف الحظر المفروض على شركات الطيران الوطنية؟

إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة غير متوافرة، فمن الصعب اعتبار منشور السفير انعكاسًا لعمل دبلوماسي حقيقي. ما ظهر فيه أقرب إلى الاحتفال بحدث تجاري والتقاط نصيب من بريقه، بينما بقيت المشكلة التي تمس المواطن مباشرة معلقة في آخر السطور تحت كلمة «نأمل».

نبارك لشركة «ميدسكاي» نجاحها، فهذا حقها، ونرحب بأي خط يخفف عن المسافرين. لكن يجب ألا يتحول نجاح شركة خاصة إلى بطولة شخصية لمسؤول عام، ولا إلى مادة دعائية توحي بأن أزمات السفر والتأشيرات والطيران الليبي قد حُلّت.

وكما يقول المثل الفرنسي المعروف:

«Une hirondelle ne fait pas le printemps.»

أي: سنونوة واحدة لا تصنع الربيع.

ورحلة واحدة إلى باريس لا تعني أن فرنسا أصبحت أقرب إلى الليبيين. عندما يستطيع المواطن تقديم طلب التأشيرة من داخل ليبيا، وعندما تعود الشركات الوطنية للعمل في أوروبا تحت تشغيل وترخيص ليبيين مستوفيين للمعايير، يمكننا عندها الحديث عن إنجاز دبلوماسي ووطني حقيقي.

مشاركة المقال

 


شارك
✓ تم نسخ النص