Loading... | ... | 00:00

عندما يصبح حضور الوزير إنجازًا: هل إعلام حكومة الدبيبة يخاطبنا بعقلية البلاط؟

مشاركة

 

نشرت منصة «حكومتنا» خبرًا عن مشاركة وزير الشباب هيثم الزحّاف في ما وصفته بـ«القمة الأوروبية العربية الرفيعة المستوى» المنعقدة في العاصمة المجرية بودابست، بحضور وزراء وممثلين عن أكثر من 47 دولة.

للوهلة الأولى، يبدو الخبر مهمًا، لكن بعد قراءته لا يعرف المواطن ماذا فعل الوزير باسم ليبيا، ولا ما الذي عاد به للشباب الليبي. كل ما نقرأه هو: «شارك»، و«ناقش»، و«بحث سبل التعاون». وهي العبارات نفسها التي تتكرر في أخبار المسؤولين من دون نتائج يمكن قياسها أو مساءلتهم عنها.

ما هو «براين بار»؟

من المهم أولًا توضيح طبيعة الحدث. «Brain Bar» ليس قمة حكومية أوروبية ولا مؤسسة تابعة للاتحاد الأوروبي، بل مهرجان سنوي للمستقبل يُنظَّم في بودابست منذ عام 2015.

ويعرّف المهرجان نفسه بأنه مساحة تجمع العلماء والتقنيين والفنانين والسياسيين والمفكرين لمناقشة قضايا القرن الحادي والعشرين بمشاركة الجمهور. ويتضمن برنامجه مناظرات ومحاضرات وعروضًا وورش عمل حول الذكاء الاصطناعي، والعلوم، والتعليم، ومستقبل الوظائف، والابتكار، وريادة الأعمال وقضايا الشباب. ويشارك في رعايته عدد من الشركات والمؤسسات التجارية والعامة.

أما الفعالية التي شارك فيها الوزير الليبي، فيقدمها الموقع الرسمي لشبكة الأمل تحت اسم Hope Network × Brain Bar Event 2026، وقد أُقيمت يوم 16 سبتمبر في «بيت الألفية المجرية»، قبل انطلاق برنامج مهرجان Brain Bar يومي 17 و18 سبتمبر في «بيت الموسيقى المجرية».

وبحسب شبكة الأمل، جمعت الفعالية أعضاء الشبكة وقيادات شبابية ومبتكرين وصناع سياسات، بهدف تبادل التجارب وبحث التعاون والشراكات. أي إننا أمام فعالية دولية مرتبطة بشبكة شبابية ومقامة بالتعاون مع مهرجان للمستقبل، وليس أمام قمة رسمية بين حكومات أوروبا والدول العربية بالمعنى السياسي والدبلوماسي الذي قد يوحي به خبر «حكومتنا».

مبادرة بحرينية… ولكن من موّل الحدث والمشاركة الليبية؟

يذكر خبر «حكومتنا» أن مشاركة الوزير جاءت بدعوة من وزارة شؤون الشباب في مملكة البحرين. كما تؤكد المصادر البحرينية الرسمية أن «شبكة الأمل» مبادرة أطلقتها واستضافتها مملكة البحرين عام 2024، وأن وزيرة الشباب البحرينية تتولى قيادة اجتماعاتها. وهذا يوضح أن البحرين ليست مجرد عضو عادي، بل صاحبة المبادرة والدور التنظيمي الأساسي فيها.

لكن الدور البحريني في إطلاق الشبكة وتوجيه الدعوة لا يكفي وحده للجزم بأن وزارة شؤون الشباب البحرينية موّلت فعالية بودابست أو تكفلت بنفقات الوفد الليبي.

فالموقع الرسمي لمهرجان Brain Bar ينشر أسماء شركائه ورعاته التجاريين والعامين، ومن بينهم شركات ومؤسسات مجرية ودولية، ولا تظهر وزارة الشباب البحرينية ضمن قائمة رعاة المهرجان المنشورة. وفي المقابل، لم أجد في الصفحات الرسمية لشبكة الأمل أو الخبر الليبي إفصاحًا يوضح من موّل فعالية الشبكة، ومن دفع تكاليف سفر وإقامة الوزير والوفد المرافق له.

وهنا يظهر سؤال مشروع كان يجب على منصة «حكومتنا» الإجابة عنه:

هل تكفلت الجهة البحرينية الداعية بتكاليف المشاركة، أم تحملتها الخزانة العامة الليبية، أم تقاسمتها جهات أخرى؟

هذا ليس سؤالًا هامشيًا، بل جزء من حق المواطن في معرفة كيفية إنفاق المال العام، خصوصًا عندما يكون الخبر الحكومي قائمًا أساسًا على سفر مسؤول ومشاركته في فعالية خارج البلاد.

المشاركة ليست المشكلة

ليس في مشاركة وزير الشباب في مثل هذه الفعاليات أي خطأ. التواصل مع المؤسسات الدولية وتبادل الخبرات والاطلاع على تجارب الدول أمور مطلوبة، خصوصًا في بلد يعاني شبابه البطالة وضعف التدريب وغياب الفرص.

المشكلة في الطريقة التي يقدم بها الإعلام الحكومي تحركات المسؤولين؛ إذ يتحول حضور الوزير في مناسبة، أو التقاطه صورة، أو جلوسه مع مسؤول آخر، إلى خبر يُقدَّم للمواطن وكأنه إنجاز مكتمل.

هذه اللغة تجعلنا نشعر أحيانًا بأننا نتابع إعلام بلاط في حكم أميري أو ملكي، حيث يُحتفى بتحركات المسؤول ومجرد ظهوره، لا إعلام حكومة في دولة جمهورية يفترض أن يخضع مسؤولوها للمساءلة العامة.

الوزير في الجمهورية ليس شخصية يُطلب من الناس الاحتفاء بسفرها واجتماعاتها، بل موظف عام يتقاضى راتبه وامتيازاته من المال العام، ومكلّف بتحقيق نتائج لصالح المواطنين.

أين الشاب الليبي من الخبر؟

لم تخبرنا منصة «حكومتنا» إن كان الوزير قد ألقى كلمة أو قدم ورقة باسم ليبيا. ولم تذكر مشروعًا واحدًا جرى الاتفاق عليه، أو برنامج تدريب، أو منحة دراسية، أو فرصة تبادل شبابي، أو تمويلًا لمشروع، أو عددًا متوقعًا للمستفيدين.

كما لم توضح:

  • ما أهداف مشاركة الوفد الليبي؟
  • ما المقترحات التي قدمها الوزير؟
  • ما الجهات التي اجتمع بها؟
  • ما الاتفاقات التي تم التوصل إليها؟
  • ما الجدول الزمني لتنفيذها؟
  • كيف يستطيع الشاب الليبي الاستفادة أو التسجيل؟
  • من تكفل بتكاليف السفر والإقامة؟
  • وما التكلفة الإجمالية للمشاركة إن دُفعت من المال العام؟

حتى الإشارة إلى حضور ممثلين عن أكثر من 47 دولة لا تكفي وحدها. المهم ليس عدد الدول الموجودة في القاعة، بل ما الذي حققته ليبيا من وجودها فيها.

من أخبار الأشخاص إلى أخبار السياسات

الإعلام الحكومي المهني لا يكتفي بمتابعة حركة الوزير من المطار إلى الاجتماع ثم إلى الصورة الجماعية. وظيفته أن يوضح للمواطن السياسة العامة، والأهداف، والتكاليف، والنتائج ومؤشرات التنفيذ.

بدلًا من القول إن الوزير «بحث تعزيز التعاون»، يجب أن نقرأ مثلًا أنه اتفق على تدريب عدد محدد من الشباب الليبيين، أو فتح باب المشاركة في برنامج دولي، أو نقل تجربة ناجحة إلى ليبيا، مع تحديد الجهة المنفذة والموعد وآلية التسجيل.

عندها يصبح الخبر خبرًا عن سياسة عامة تخدم الشباب، لا دعاية شخصية لمسؤول يؤدي جزءًا طبيعيًا من وظيفته.

الشباب الليبي لا تنقصه صور الوزراء، ولا العبارات الإنشائية عن «فتح الآفاق» و«تعزيز الروابط». ما ينقصه هو تعليم جيد، وتدريب حقيقي، وفرص عمل، وتمويل شفاف للمبادرات، ومساحات يستطيع المشاركة فيها من دون واسطة أو ولاء سياسي.

السؤال الذي يجب أن تجيب عنه وزارة الشباب ومنصة «حكومتنا» ليس: أين شارك الوزير ومع من التقط الصور؟

السؤال هو: ماذا عاد به الوزير إلى شباب ليبيا، ومن دفع تكلفة المشاركة، ومتى سيتحول هذا الحضور الدولي إلى فرصة حقيقية يمكنهم الاستفادة منها؟

مشاركة المقال

 


شارك
✓ تم نسخ النص