ماذا يكشف تصريح بدر النحيب عن أزمة مجلس النواب الليبي؟
في تصريح متداول، قال عضو مجلس النواب بدر النحيب:
«الناس نازلين فينا، ونحنا النواب تعبنا نفسيًا… النواب رقاد أرياح، ياخدوا في 1500 أو 2000 دولار ومش قادرين حتى يلمّوا أرواحهم… ممكن خمسة أو ستة نواب حالتهم كويسة من قبل، بما فيهم أنا، أما الباقي حالتهم متملّحة».
المشكلة في هذا التصريح لا تقتصر على قيمة المرتب المذكور، ولا على الحالة المادية لبعض النواب قبل دخولهم المجلس، بل تتعلق بفهم معنى مقعد النائب وعلاقته بالمواطن والمال العام.
يظهر النائب في هذا الكلام كأنه موظف يشكو من ضعف دخله ومن ضغط الجمهور عليه، بينما هو في الأصل ممثل اختاره المواطنون لفترة محددة، ومنحوه سلطة التشريع والرقابة واتخاذ قرارات تمس حاضرهم ومستقبلهم.
هل من الخطأ أن يتقاضى النائب مرتبًا؟
بالتأكيد لا.
يتقاضى أعضاء البرلمانات في معظم دول العالم مرتبات ومخصصات؛ لأن العمل البرلماني مسؤولية عامة كبيرة، وقد يكون عملًا كامل الوقت. كما أن توفير مرتب مناسب للنائب يمنع احتكار السياسة من الأثرياء، ويتيح للمواطن العادي الترشح وخدمة بلده من دون الاعتماد على أصحاب المال والمصالح.
ويعتبر الاتحاد البرلماني الدولي حصول النواب على مقابل مالي مناسب جزءًا من بناء برلمان مسؤول، لكنه يربط ذلك بوجود قواعد للسلوك، وتسجيل المصالح والمداخيل، والشفافية، وإمكانية محاسبة الأعضاء انتخابيًا.
إذن، الاعتراض ليس على حصول النائب الليبي على مرتب، ولا على أن تكون لبعض النواب ظروف مادية صعبة. الفقر ليس عيبًا، والحالة الاجتماعية لا تنتقص من قيمة الإنسان.
المشكلة تبدأ عندما يتحول المقعد البرلماني من تكليف مؤقت إلى مصدر دخل دائم، ويصبح الحديث عن استمرار النائب مرتبطًا بقدرته على «لمّ روحه»، بدلًا من ارتباطه بثقة الناخبين ونتائج عمله.
المواطن ليس خصمًا للنائب
عبارة «الناس نازلين فينا» تكشف فجوة كبيرة بين بعض النواب والمجتمع.
الناس ليست خصمًا لمجلس النواب، ولا مجموعة متطفلين تهاجم أعضاءه من الخارج. الناس هي مصدر سلطة النائب، وهي التي منحته المقعد، وتدفع مرتبه ومخصصاته من المال العام.
عندما ينتقد المواطن أداء النائب، فهو لا يعتدي عليه، بل يمارس حقه الطبيعي في مساءلة من يمثله. وكلما ارتفعت سلطة المسؤول وامتيازاته، ازدادت مسؤوليته واتسع حق الناس في مراقبته.
أما التعب النفسي، فلا ينبغي السخرية منه؛ لأنه أمر حقيقي وقد يصيب أي إنسان، بمن في ذلك العاملون في السياسة. لكن العمل البرلماني ليس إجباريًا، ومقعد النائب ليس حكمًا مؤبدًا.
من لم يعد قادرًا على تحمّل ضغط المسؤولية العامة يستطيع الاستقالة أو عدم الترشح مجددًا. غير المقبول هو استخدام التعب النفسي مبررًا لمنع المواطنين من النقد، أو مطالبة شعب مُنهك بالتعاطف مع مسؤولين استمروا في مواقعهم أكثر من عقد من دون العودة إلى صناديق الاقتراع.
أكثر من 12 عامًا من دون تجديد الشرعية
انتُخب مجلس النواب الليبي في 25 يونيو 2014، وفق بيانات الاتحاد البرلماني الدولي، أي إن أعضاءه وصلوا إلى مقاعدهم عبر انتخابات جرت قبل أكثر من 12 عامًا.
والأهم أن القواعد المنظمة للمجلس عند تأسيسه نصّت على ألا تتجاوز مدته 18 شهرًا من تاريخ أول اجتماع. لكن الاتفاق السياسي الليبي الموقّع سنة 2015 تضمّن نصًا يسمح باستمرار مجلس النواب إلى حين انعقاد أول جلسة للسلطة التشريعية الجديدة وفق الدستور الليبي.
هذه النقطة مهمة؛ لأن استمرار المجلس لا يمكن اختزاله قانونيًا في القول إن مدته انتهت في تاريخ معين. هناك أزمة دستورية وسياسية معقدة، واتفاقات انتقالية أبقت المؤسسات القائمة إلى حين انتخاب بدائل عنها.
لكن وجود غطاء انتقالي للاستمرار لا يعني أن الشرعية الديمقراطية تظل قوية إلى ما لا نهاية.
هناك فرق بين الاستمرارية القانونية الضرورية لمنع الفراغ، وبين الشرعية السياسية التي تتجدد عبر إرادة الناخبين. وكلما طالت المرحلة الانتقالية، أصبحت الاستمرارية استثناءً دائمًا، وتحولت النصوص الموضوعة لمنع الفراغ إلى وسيلة لحماية الوضع القائم.
وفي أغسطس 2025، قالت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة أمام مجلس الأمن إن ليبيا عاشت 11 عامًا من دون انتخابات وطنية تتيح محاسبة شاغلي المناصب السياسية، وإن الليبيين يريدون تجديد شرعية المؤسسات عبر انتخابات رئاسية وتشريعية.
نحن الآن في سنة 2026. ولذلك لم يعد السؤال: لماذا تأخرت الانتخابات؟ بل كيف تحوّل التأجيل إلى نظام حكم كامل له مؤسساته ومرتباته وامتيازاته وتوازناته؟
كيف يُفترض أن تعمل مجالس النواب؟
يحدد الاتحاد البرلماني الدولي خمس صفات أساسية للبرلمان الديمقراطي: أن يكون ممثلًا للمجتمع، ومنفتحًا وشفافًا، ومتاحًا للمواطنين، وخاضعًا للمساءلة، وفعالًا في أداء مهامه.
وتتمثل المهام الأساسية للنائب في:
- تمثيل المواطنين ونقل قضاياهم.
- إصدار القوانين وتعديلها.
- مراقبة الحكومة ومساءلتها.
- مناقشة الميزانية العامة واعتمادها.
- حماية المال العام.
- إعلان المصالح المالية وتجنب تضارب المصالح.
- التواصل المستمر مع الدائرة الانتخابية.
- تقديم حصيلة واضحة عن الحضور والتصويت والعمل داخل اللجان.
أما المرتب والمخصصات، فهما وسيلة تساعد النائب على أداء هذه المهام، وليسا الهدف من الوصول إلى المقعد.
ماذا يحدث في الدول الديمقراطية؟
في الأنظمة الديمقراطية، يستطيع النائب البقاء في البرلمان 20 أو 30 سنة، ولكن بشرط أساسي: أن يعود إلى الناخبين بصورة دورية ويحصل على ثقتهم من جديد.
مدة بقاء الشخص ليست المشكلة في حد ذاتها؛ المشكلة هي بقاء المقعد من دون تجديد التفويض الشعبي.
في الولايات المتحدة، يُعاد انتخاب جميع أعضاء مجلس النواب كل سنتين. يستطيع النائب الترشح مرات عديدة، لكنه يظل مطالبًا بالعودة إلى الناخبين بصورة منتظمة.
وفي ألمانيا، تُجرى انتخابات البوندستاغ عادة كل 4 سنوات. وإذا أراد النائب الاستمرار، فعليه خوض الانتخابات والحصول على تفويض جديد.
وفي المملكة المتحدة، تُجرى الانتخابات العامة عادة كل 5 سنوات، وقد تُجرى قبل ذلك. كما أن مرتبات النواب ونفقات مكاتبهم لا يحددها النواب بصورة مباشرة، بل تتولاها هيئة مستقلة هي «الهيئة المستقلة للمعايير البرلمانية»، وتتيح للجمهور الاطلاع على تكاليف عمل كل نائب.
هذه الأنظمة ليست مثالية، والجدل حول مرتبات النواب ومخصصاتهم موجود في معظم الديمقراطيات. لكن الفرق أنها تمتلك قواعد واضحة:
- مدة انتخابية محددة.
- انتخابات دورية.
- شفافية في المرتبات والمخصصات.
- إعلان للمصالح المالية والأعمال الخارجية.
- سجلات للحضور والتصويت.
- إعلام يستطيع السؤال والتحقيق.
- وناخب يستطيع سحب ثقته من النائب.
النائب في هذه الدول قد يكون سياسيًا محترفًا ويحصل على مرتب جيد، لكنه لا يملك المقعد؛ فالمقعد يظل ملكًا للناخبين.
هل توجد حالات مشابهة لليبيا؟
نعم، توجد دول مددت فيها البرلمانات ولايتها أو تأجلت الانتخابات بسبب الحرب والانقسام السياسي والظروف الأمنية. لكنها تُعد حالات استثنائية وأزمات ديمقراطية، وليست نموذجًا طبيعيًا للحكم البرلماني.
في لبنان، مثلًا، انتُخب مجلس النواب سنة 2009 لمدة كان يفترض أن تكون 4 سنوات، لكنه مدّد ولايته أكثر من مرة بسبب الانقسام السياسي والظروف الأمنية، واستمر حتى إجراء الانتخابات سنة 2018.
وقد واجهت تلك التمديدات احتجاجات شعبية وانتقادات داخلية ودولية، واعتبرها منتقدون ضربة للعملية الديمقراطية.
إذن، ليبيا ليست الدولة الوحيدة التي شهدت تمديدًا برلمانيًا طويلًا، لكن ذلك لا يجعل الأمر طبيعيًا. الحالات المشابهة تظهر عادة في الدول التي تعاني الحرب أو الانهيار الدستوري أو النفوذ المسلح أو العجز عن تنظيم الانتخابات.
أما في الديمقراطيات المستقرة، فمن غير الطبيعي أن يبقى مجلس منتخب أكثر من 12 عامًا من دون أن يعود أعضاؤه إلى الناخبين.
لذلك يمكن وصف الحالة الليبية بأنها ليست فريدة تمامًا، لكنها من الحالات الشديدة وغير المألوفة عالميًا، ولا ينبغي تقديمها للمواطن وكأنها ممارسة طبيعية يمكن أن تستمر بلا نهاية.
قبل الحديث عن المرتب… أين حصيلة العمل؟
قبل أن يتحدث أي نائب عن عدم كفاية دخله، من حق المواطن أن يرى كشف حساب سياسيًا ومهنيًا واضحًا:
كم جلسة حضر النائب؟ وكم جلسة تغيّب عنها؟ ماذا قدّم لدائرته الانتخابية؟ ما مشروعات القوانين التي اقترحها؟ وكيف صوّت على القضايا الأساسية؟ وما موقفه من الميزانية والإنفاق العام والدين والفساد؟ وما قيمة مرتبه ومخصصاته ونفقاته الفعلية؟ وهل أعلن ممتلكاته ومصالحه المالية؟ وماذا فعل لإنهاء الانقسام والوصول إلى الانتخابات؟
السؤال الحقيقي ليس: هل يكفي مرتب النائب؟
السؤال هو: هل أدّى النائب مقابل هذا المرتب دوره في التشريع والرقابة وتمثيل المواطنين؟
الأزمة ليست في فقر النائب بل في فقر المساءلة
عندما يقول نائب إن معظم زملائه كانت أوضاعهم المادية سيئة قبل دخول البرلمان، فهذا لا يدينهم، لكنه يفتح بابًا مشروعًا للسؤال: هل أصبح المقعد بالنسبة إلى بعضهم وسيلة لتحسين أوضاعهم الشخصية يصعب عليهم التخلي عنها؟
هذه ليست إدانة جماعية لكل أعضاء المجلس، لكنها مخاطرة سياسية حقيقية تنشأ كلما طال بقاء المسؤول في موقعه من دون انتخابات وشفافية مالية ومحاسبة مؤسسية.
فالإنسان الذي أصبح دخله ومكانته ونفوذه مرتبطًا باستمرار المرحلة الانتقالية قد يجد نفسه، بوعي أو من دون وعي، مستفيدًا من عدم انتهائها.
لهذا لا تُبنى الديمقراطية على حسن النيات، بل على قواعد تمنع تضارب المصالح: انتخابات منتظمة، ومدد محددة، وشفافية مالية، ورقابة مستقلة، ونشر واضح لأداء النواب.
مقعد النائب أمانة… مش مصدر رزق
من حق النائب أن يحصل على مقابل مالي عادل، وأن يعمل في ظروف آمنة ومحترمة، وأن يتلقى الدعم اللازم لأداء واجباته. لكن ليس من حقه التعامل مع المقعد باعتباره ضمانًا اجتماعيًا أو مصدر رزق دائمًا.
ومن لا يستطيع «لمّ روحه» بدخل يُقدّر بآلاف الدولارات، عليه أن يتذكر المواطن الذي يحاول لمّ أسرته بمرتب متواضع، وسط الغلاء وانقطاع الكهرباء وتراجع العلاج والتعليم والخدمات.
هذا المواطن ليس خصمًا للنائب، ولا ينبغي وصف نقده بأنه «نزول» في النواب. إنه صاحب المال، وصاحب الصوت، وصاحب الحق في المحاسبة.
قد يتحول العمل السياسي إلى مسار مهني، لكن استمرار النائب فيه يجب أن يقرره الناخب بصورة دورية، لا أن تفرضه مرحلة انتقالية بلا نهاية.
بعد أكثر من 12 عامًا، لا يكفي أن يقول النائب إنه متعب نفسيًا أو إن مرتبه لا يكفيه. المطلوب أن يجيب عن أسئلة الناس:
ماذا أنجزتم؟ لماذا تعطلت الانتخابات؟ من استفاد من استمرار الوضع القائم؟ ومتى يعود القرار إلى الليبيين ليختاروا من يمثلهم؟
في الدولة الديمقراطية، يستطيع النائب أن يطلب من المواطنين تجديد الثقة.
أما أن يستمر في مقعده من دون انتخابات، ثم يطلب من المواطن التعاطف مع مستحقاته، فهذه ليست حياة برلمانية طبيعية؛ بل واحدة من أوضح علامات فشل المرحلة الانتقالية الليبية.
