Loading... | ... | 00:00

من مقعد تيتيه إلى شاطئ جنزور… أين مكان الليبي في بلاده؟

مشاركة


 أرى أن من أخطر ما نعتاده في ليبيا اليوم هذا الإحساس بأن المواطن أصبح على هامش بلاده؛ ينظر إلى مؤسساته فلا يجد نفسه في مقدمة اهتماماتها، وينظر إلى مرافقه العامة فيشعر بأنها تبتعد عنه. وللأسف، فإن طريقة حضور الأمم المتحدة في المشهد، وطريقة تعامل مسؤولينا معها، تمنحانني أحيانًا شعورًا كأننا دولة بلا سيادة، وكأن على الليبي أن ينتظر موافقة الآخرين حتى يُعترف بمكانته داخل وطنه. هذا شعور تراكم عندي من تفاصيل عشتها، ومن مشاهد أتابعها وأسأل نفسي أمامها: أين نحن من كل هذا؟


لهذا وجدت نفسي متفقًا مع جوهر ما كتبه عضو مجلس النواب، السيد عبدالسلام نصية، في منشوره عن المؤتمر العربي للادخار والثقافة المالية 2026. قرأت في كلامه اعتراضًا يستحق النقاش، يمتد من ترتيب المقاعد إلى نظرة المسؤول الليبي إلى نفسه، وإلى قيمة الكفاءة الوطنية في مؤسسات يفترض أنها تمثلنا. وجاء اعتراضه في سياق انتقاده لتنظيم المؤتمر، واستغرابه من تصدّر الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، حنا تيتيه، واجهته.


روى نصية أنه تلقى دعوة من اللجنة المنظمة بمصرف ليبيا المركزي، ضمن عدد من مسؤولي وأعضاء مجلس النواب المعنيين بالشأن المالي والتشريعي. وكان يأمل أن يضيف المؤتمر إلى الخبرات الوطنية، وأن يتيح نقاشًا جادًا في بلد يعاني مواطنوه، وفق ما وصفه، من شح السيولة وانفلات الإنفاق العام والفساد. وهذه نقطة أجدها مهمة: قيمة الحديث عن الادخار والثقافة المالية ترتبط بما يستطيع أن يقدمه للناس، وبقدرته على الاقتراب من مشكلاتهم اليومية مع المال والمصارف والثقة في المؤسسات.


ثم انتقل نصية إلى ما قال إنه قصور في التنظيم، شمل ترتيب المقاعد وإهمال بعض المدعوين رسميًا، معتبرًا أن ذلك لا يليق بمكانة المصرف المركزي. لكنه جعل اعتراضه الأكبر على حجز الصدارة لتيتيه، وسأل بوضوح: «هل السيدة تيتيه رئيسة ليبيا أم رئيسة حكومتها؟». وأكد في الوقت نفسه أنه لا يعترض على حضورها أو على التعاون مع المجتمع الدولي. والسؤال، كما أفهمه، يتعلق بالدلالة التي يصنعها المنظمون عندما يختارون من يضعونه في واجهة المشهد.


وطرح نصية بدائل محددة؛ كان يتمنى أن يتصدر المؤتمر محافظ سابق للمصرف المركزي، أو نائب محافظ، أو مدير عام لمصرف وطني متقاعد، أو أستاذ جامعي أمضى عمره في تعليم الاقتصاد والمال والمصارف. أراد أن يرى الضيوف العرب كفاءات ليبيا وخبراتها، وأن يشعر أصحاب هذه الخبرات بأن بلدهم يتذكر عطاءهم ويمنحهم التقدير الذي يستحقونه. وأنا أتفق معه في أن احترام الخبرة الوطنية يقتضي الاستماع إليها، وإشراكها في النقاش وصناعة الحلول، ومنحها حضورًا يليق بما قدمته.


ووصل نصية إلى سؤال أكثر حساسية: هل أصبح بعض المسؤولين يتصورون أن استمرارهم في مناصبهم مرتبط برضا الخارج؟ وختم بالدعوة إلى «رجال دولة لا رجال كراسي». وأرى أن قيمة هذا السؤال تزداد حين يتحول إلى مساءلة عن القرارات والسياسات؛ عن المسؤول الذي يثق بمؤسسته، ويستند إلى واجبه تجاه الناس، ويستطيع أن يتعاون مع الأطراف الدولية وهو واضح بشأن حدود مسؤولياته ومصلحة بلاده.


ومن الدقة هنا أن نضع الاعتراض في موضعه؛ للبعثة الأممية دور معلن في دعم الاستقرار الاقتصادي وتوحيد المؤسسات ونزاهتها، ولذلك فإن مشاركة ممثلتها في مؤتمر مالي ليست، بمجردها، دليلًا على تجاوز مهمتها. كما تعلن البعثة أن عملها يستند إلى مبدأ الملكية الوطنية الليبية. لهذا يتركز اعتراضي على طريقة إدارة العلاقة معها، وعلى الرسائل التي تبعث بها مؤسساتنا حين يشعر الليبي أن الخبرة المحلية وصوت المواطن يتراجعان في المشهد.


وبالنسبة إليّ، يمتد هذا النقاش إلى منطقتي جنزور. سبق أن كتبت عن البحر القريب منا، وعن مرافق الدولة والمتنفسات العامة المحدودة أصلًا، وعن قرية جنزور التي كنا نرتادها ونستمتع فيها بالجلوس قرب البحر. وعندما تحدثت عن الوجود الأممي هناك، كنت أصف أيضًا إحساسي بأن مكانًا مرتبطًا بذاكرتنا وحياتنا أصبح بعيدًا عنا، وبأن ابن المنطقة صار يجد نفسه خارج مساحة كان يشعر يومًا أنها جزء طبيعي من مدينته.


وأنا أستخدم كرسيًا متحركًا كهربائيًا، فإن الوصول إلى البحر بالنسبة إليّ يرتبط بوجود مكان أستطيع دخوله والتحرك فيه بكرامة واستقلالية. لذلك يصعب أن أتعامل مع فقدان متنفس مألوف باعتباره تفصيلًا عابرًا. حين تضيق الخيارات المتاحة، تصبح قيمة كل مرفق عام أكبر، ويصبح السؤال عن كيفية استخدامه وعن نصيب السكان منه سؤالًا يمس الحياة اليومية مباشرة.


أعرف أن كلمة «احتلال» كبيرة وثقيلة، لكنني لا أجد وصفًا أقرب إلى شعوري من «شبه احتلال» للمكان. أستخدمها هنا تعبيرًا عن الغربة والإقصاء، وعن إحساس المواطن بأنه أصبح ضيفًا على جزء من مدينته؛ وأقصد بها وصف تجربة شعورية، لا تقرير وضع قانوني. البحر أمامي، والمكان الذي أعرفه قريب، ومع ذلك أشعر أن المسافة بيني وبينه تتسع. وهذا الشعور يستحق أن يُسمع، وأن يُناقش أسبابه من يملكون القرار.


ومسؤوليتي كمواطن تقتضي أن أوجّه أسئلتي أولًا إلى الجهات الليبية: أين بلدية جنزور؟ وأين الجهات المالكة والمشرفة على هذه المرافق؟ ما ترتيبات استخدامها، وما مدتها، وكيف حُفظت فيها مصلحة السكان؟ وهل وُضعت بدائل عامة حقيقية، يمكن للجميع الوصول إليها، بمن فيهم الأشخاص ذوو الإعاقة؟ من حق الناس أن يحصلوا على إجابات واضحة عن أملاكهم العامة، وعن الموازنة بين استضافة البعثات واحتياجات المجتمع المحلي.


وأنتظر من الأمم المتحدة أيضًا أن تنظر إلى أثر وجودها من زاوية الناس الذين تقول إنها تعمل لدعمهم. كيف يفهم سكان المنطقة هذه الترتيبات؟ وما الذي يمكن فعله لتخفيف ما يشعرون به من إقصاء؟ احترام المجتمع المضيف يتطلب الاستماع إلى هذه الأسئلة، والتعاون مع الجهات الليبية لإيجاد حلول تحمي احتياجات البعثة وتمنح المواطنين مكانهم وحقوقهم. ومن حقنا أن نطالب بهذا من دون أن يُختزل اعتراضنا في عداء للتعاون الدولي.


ومن هنا أقول للسيد عبدالسلام نصية: أتفق معك، وأتمنى أن يمتد هذا الموقف إلى متابعة حقوق المواطنين في مرافقهم وأموالهم العامة. أعضاء مجلس النواب يستطيعون أن يمنحوا هذه الأسئلة وزنًا رقابيًا، وأن يطلبوا تفسيرًا للترتيبات والقرارات، وأن يتابعوا ما يترتب عليها. فالاعتراض على تهميش المدعو في مؤتمر يكتسب معنى أوسع حين يصاحبه دفاع مستمر عن المواطن الذي يُهمَّش في مدينته، ولا تصل شكواه إلى المنصة.


نحتاج إلى مسؤولين يشعرون بأن موقع المواطن في بلاده جزء من هيبة الدولة التي يمثلونها. وأتمنى أن تصبح الدعوة إلى رجال دولة التزامًا ظاهرًا في القرارات: تقدير الكفاءة، وإتاحة المعلومات، وحماية المال العام، والاستماع إلى الناس. عندها سيكون للحديث عن السيادة معنى نلمسه جميعًا، من قاعة المؤتمر إلى شاطئ جنزور؛ وسيستعيد الليبي شعوره بأنه صاحب مكان وحق وصوت في وطنه.

مشاركة المقال

 


شارك
✓ تم نسخ النص