Loading... | ... | 00:00

درسٌ في البروتوكول… وصورةٌ مؤلمة عمّا وصلت إليه الدولة الليبية

مشاركة

 


أثارت انتباهي تدوينة رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، التي شكر فيها المهندس بالقاسم حفتر «بشخصه وصفته» على دعوته للمشاركة في حفل افتتاح جامعة بنغازي.

ومن باب الدقة، لا توجد مشكلة بروتوكولية في أن تدعو جهةٌ تنفيذية أو جامعةٌ رئيسَ المجلس الرئاسي إلى حضور مناسبة تنظمها؛ فالجهة المستضيفة هي التي توجّه الدعوات، حتى عندما تكون مرتبة المدعوين أعلى من مرتبة القائمين عليها.


لكن الإشكال الحقيقي يبدأ من طريقة تقديم الدعوة والرد عليها.

رئيس المجلس الرئاسي ليس ضيفًا عاديًا قادمًا إلى منطقة تقع خارج حدود دولته، بل هو رئيس مجلس يؤدي مهام رئاسة الدولة الليبية. وبالقاسم حفتر، مهما اتسع نفوذه، يبقى وفق صفته الرسمية مديرًا عامًا لصندوق تنفيذي أُنشئ بأموال عامة.

لذلك، كان الأجدر أن تصدر الدعوة مؤسسيًا باسم جامعة بنغازي أو صندوق التنمية وإعادة الإعمار، وأن يُوجَّه الشكر إلى الجامعة والصندوق والمهندسين والعاملين الذين أنجزوا المشروع، لا أن تُختزل المناسبة في شكر شخص «بشخصه وصفته».

حين تُنسب المشروعات العامة إلى الأفراد، وتتحول الدعوات الرسمية إلى مجاملات شخصية، ويظهر رئيس مؤسسة رئاسة الدولة وكأنه ضيفٌ على جزء من بلاده، فنحن لا نكون أمام خلل في اللغة والبروتوكول فقط، بل أمام صورة أعمق لانهيار مفهوم الدولة.

جامعة بنغازي مؤسسة وطنية عريقة، وإعادة إعمارها إنجاز يستحق الفرح والتقدير. لكن المال الذي أُنفِق مالٌ عام، والجامعة ملكٌ لليبيين، والصندوق مؤسسة عامة؛ وليست هذه كلها هدايا شخصية يقدمها مسؤول إلى مسؤول آخر.

ويومًا بعد يوم، يترسخ لديّ شعور مؤلم بأن الدولة الليبية أكبر بكثير من المنفي ومن كثيرين غيره ممن تصدّروا مؤسساتها. فالمناصب منحتهم صفة المسؤول، لكنها لم تجعل منهم بالضرورة رجال دولة؛ لأن رجل الدولة لا يكتفي بحمل اللقب، بل يدرك رمزية موقعه، ويحمي هيبة المؤسسة التي يمثلها في كل كلمة وتصرف وموقف.

وأتساءل: ماذا يشعر المسؤول الليبي حين يزور دولةً تحترم مؤسساتها، ويرى نظامًا واضحًا وبروتوكولًا منظمًا، ويدرك أن الأشخاص هناك يتحركون داخل الدولة، لا أن الدولة تتحرك داخل شبكة الأشخاص؟ ألا يرى الفارق بين مسؤول يستمد مكانته من المؤسسة، ومسؤول تختفي المؤسسة خلف اسمه وصورته؟

إنه أمر محزن حقًا؛ لأن أزمة ليبيا لم تعد فقط في انقسام السلطة أو ضعف الإدارة، بل في غياب ثقافة الدولة لدى كثير ممن يتولون قيادتها.

لقد وصلنا إلى مرحلة لم تعد فيها المؤسسات تتحدث إلى المؤسسات؛ بل أصبح الأشخاص يدعون الأشخاص ويشكر بعضهم بعضًا، بينما تتراجع الدولة إلى خلفية المشهد.

مشاركة المقال

 


شارك
✓ تم نسخ النص