العنوان وحده يكشف حجم الصورة القاتمة التي وصلت إليها ليبيا: الأمريكي الذي يصرّ على السفر إليها يُنصح بأن يُعدّ وصيته، ويترك عينة من حمضه النووي لدى طبيبه، ويضع تعليمات تتعلق بنهاية حياته، تحسبًا للحاجة إلى التعرّف على هويته.
قد يبدو هذا الكلام مبالغًا فيه أو مكتوبًا فقط لجذب المشاهدات، لكن الحقيقة أن هذه الإرشادات لم تخترعها فوكس نيوز؛ بل وردت فعلًا في التحذير الرسمي الأمريكي. الشبكة اختارت أكثر تفاصيله إثارة وحوّلتها إلى عنوان صادم يصل إلى ملايين المتابعين.
التحديث الصادر في 31 أغسطس 2026 أبقى ليبيا عند المستوى الرابع: «لا تسافر لأي سبب»، وهو أعلى مستوى في نظام تحذيرات السفر الأمريكي. وللدقة، التصنيف ليس جديدًا ولم يرتفع في هذا التحديث؛ إنما أضيف مؤشر المخاطر الصحية وجرت مراجعة ملخص التحذير.
وتشمل الأسباب الواردة: الجريمة، والإرهاب، والاضطرابات، والخطف واحتجاز الرهائن، والمخاطر الصحية، والألغام والذخائر غير المنفجرة. كما يحذر من احتمال اندلاع المواجهات المسلحة في أي وقت، وانتشار السلاح، ومحدودية قدرة الحكومة الأمريكية على تقديم المساعدة الطارئة داخل ليبيا.
لكن الكارثة ليست في التحذير وحده، بل في الصمت الليبي الرسمي تجاهه.
حتى لحظة كتابة هذا المنشور، لم أعثر على رد علني واضح من الحكومة أو وزارة الخارجية يشرح موقف ليبيا، أو يطلب توضيحات رسمية من الجانب الأمريكي، أو يعترض على هذه الصورة القاسية بالأرقام والوقائع.
لم نرَ مؤتمرًا صحفيًا، ولا بيانًا دبلوماسيًا مفصلًا، ولا تواصلًا معلنًا مع القائم بالأعمال الأمريكي أو مكتب ليبيا الخارجي في تونس لمناقشة المعايير التي بُني عليها هذا التحديث.
ومن الناحية الدبلوماسية، الأدق ليس الحديث عن «استدعاء السفير»، لأن التحذير نفسه يؤكد عدم وجود سفارة أمريكية عاملة في ليبيا حاليًا. لكن كان يمكن استدعاء القائم بالأعمال، أو طلب توضيحات رسمية، أو فتح الملف مباشرة مع المسؤولين الأمريكيين الذين يزورون ليبيا باستمرار.
وهنا تظهر مفارقة يصعب تجاهلها: الحكومة تحدثنا باستمرار عن «عودة الحياة»، بينما الدولة التي يزور مسؤولوها ومبعوثوها ليبيا، ويلتقون القيادات في طرابلس وبنغازي، تقول لمواطنيها في الوقت نفسه: لا تسافروا إلى ليبيا لأي سبب، وإن أصررتم فاكتبوا وصاياكم واتركوا عينات من حمضكم النووي!
صحيح أن زيارات المسؤولين الأمريكيين لا تعني تلقائيًا أن ليبيا آمنة للسياحة أو السفر العادي؛ لأن هذه الزيارات تتم غالبًا ضمن ترتيبات أمنية خاصة، وخطط حركة وإجلاء لا تتوفر للمواطن العادي.
لكن ذلك يجعل السؤال أكثر إلحاحًا: كيف تستقبل السلطات الليبية المسؤولين الأمريكيين، وتلتقط معهم الصور، وتتحدث عن الشراكة والاستقرار، من دون أن تفتح معهم بجدية ملف التحذير الذي يضع ليبيا في أسوأ تصنيف ممكن؟
المؤلم هو الهوّة بين الصورة التي تحاول السلطة تسويقها، والصورة التي تصل فعلًا إلى العالم. فبينما تُصرف الأموال على المؤتمرات والاحتفالات وحملات العلاقات العامة، تُقدَّم ليبيا في الإعلام الأمريكي باعتبارها بلدًا قد يحتاج المسافر إليه إلى كتابة وصيته قبل المغادرة.
أنا لا أذكر ذلك شماتة في بلادي، ولا لأنني أستمتع بالأخبار السلبية. يؤلمني أن تُختزل ليبيا، بتاريخها ومدنها وأهلها، في الخطف والإرهاب والألغام. لكن حب الوطن لا يعني إنكار الواقع، والوطنية ليست صورة لشارع هادئ أو شاطئ جميل تُستخدم للرد على تقرير دولي.
الرد الحقيقي على فوكس نيوز وعلى التحذير الأمريكي لا يكون بمنشور غاضب، ولا باتهام الآخرين بتشويه ليبيا. الرد يكون ببناء دولة موحدة، ومؤسسات أمنية محترفة، وقضاء فاعل، ومطارات آمنة، وسلطة قادرة على حماية المواطن الليبي قبل السائح الأجنبي.
هذه الصورة لا تضر السياحة فقط؛ بل تؤثر في الاستثمار والطيران والتأمين والتعاون الدولي، وحتى في نظرة الآخرين إلى المواطن الليبي خارج بلاده. كما أن مثل هذه العناوين تبقى في محركات البحث سنوات، بينما تختفي تصريحات «عودة الحياة» بعد ساعات.
من حقنا أن نعترض على الأسلوب المثير الذي استخدمته فوكس نيوز، لكن قبل أن نلوم المرآة علينا أن نسأل:
أين رد الدولة الليبية؟ وماذا فعل المسؤولون فعليًا لتغيير الصورة التي يظهر بها وطننا أمام العالم؟
