تُعد Hult Prize مسابقة عالمية لريادة الأعمال الاجتماعية، تستهدف بصورة أساسية طلاب الجامعات والشباب. ويتنافس المشاركون من خلال شركات ناشئة تسعى إلى معالجة مشكلات اجتماعية أو بيئية، مع امتلاك نموذج تجاري قابل للنمو والاستمرار. ووفقًا للموقع الرسمي، تمر المشروعات بمراحل متعددة من المنافسة والتدريب والتطوير، قبل وصول أفضل ثمانية فرق إلى النهائيات العالمية وعرض مشروعاتها أمام لجنة من الخبراء والمستثمرين. ويحصل الفريق الفائز على مليون دولار أمريكي كتمويل تأسيسي لتطوير مشروعه وتوسيع أثره.
إذن، الأطراف الأساسية في هذه الفعالية هي الشباب وأصحاب المشروعات، والفرق المتنافسة، والجامعات وحاضنات الأعمال، والمدربون والمستثمرون ولجان التحكيم. إنها ليست قمة دولية للحكومات، ولا مؤتمرًا لوزراء الشباب، ولا مناسبة دبلوماسية تتطلب بطبيعتها تمثيلًا حكوميًا رفيعًا.
المعلومة الأهم التي كان ينبغي أن تتصدر الحديث عن ختام المسابقة هي فوز شركة Flow Guard Solutions بجائزة EF Hult Prize العالمية لعام 2026، وحصولها على مليون دولار من التمويل التأسيسي خلال النهائي الذي أُقيم في Ashridge House في بريطانيا.
الشركة الفائزة تتخذ من جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية “كاوست” في السعودية مقرًا لها، وطورت عداد مياه ذكيًا يعمل بالبطارية ويستخدم الموجات فوق الصوتية، مع إمكانية الإغلاق عن بُعد. وتساعد هذه التقنية في اكتشاف تسربات المياه داخل المنازل ومراقبة الاستهلاك، بما يساهم في تقليل الهدر وخفض التكاليف والمحافظة على الموارد المائية. وبحسب إعلان المؤسسة، يجري تسويق التقنية إلى مرافق المياه والبلديات في منطقة الخليج.
هذه النتيجة تكشف طبيعة الحدث بصورة أوضح من أي بيان رسمي؛ فالمسابقة ليست احتفالًا بروتوكوليًا، بل مسار يبدأ من فكرة، ثم يمر بالتطوير التقني واختبار السوق، وينتهي بشركة تقدم منتجًا حقيقيًا وتحصل على تمويل عالمي. ومن هنا يصبح السؤال الليبي أكثر إلحاحًا: أين كانت المشروعات الليبية من هذه الرحلة؟
حضور الوزير ليس ممنوعًا، وقد يكون منطقيًا إذا ارتبط بمهمة واضحة، مثل توقيع اتفاق تنفيذي، أو تأمين فرص تدريب وتمويل للشباب الليبي، أو دعم فريق ليبي وصل إلى النهائي، أو إطلاق برنامج مشترك داخل الجامعات الليبية. كما يمكن دعوة الوزراء والشخصيات العامة إلى مثل هذه الفعاليات بصفتهم ضيوفًا أو شركاء، لكن حضور الوزير ليس عنصرًا ثابتًا أو ضروريًا في بنية المسابقة؛ فالنهائي يدور حول عرض المشروعات أمام الحكام والمستثمرين، لا حول اجتماعات المسؤولين.
لذلك، السؤال ليس: هل يحق للوزير أن يحضر؟ بل: ماذا أضاف حضوره إلى الشباب الليبي، وكان يتعذر إنجازه من خلال السفارة أو الممثل الوطني للمسابقة أو مسؤول مختص من الوزارة؟
فوز مشروع مقره جامعة كاوست السعودية لا يعني بالضرورة أن الحكومة السعودية أدارت المسابقة أو حضرت لتتصدر صورتها، لكنه يوضح نتيجة وجود بيئة جامعية وبحثية وحاضنة تستطيع نقل الفكرة من المختبر إلى السوق. وهنا يظهر الفرق بين دعم الشباب والظهور إلى جانب الشباب.
الدور الحكومي الحقيقي هو بناء الجامعات والمختبرات وحاضنات الأعمال، وتسهيل تسجيل الشركات، وحماية الابتكار، وفتح الطريق أمام التمويل والاستثمار والتعاقد مع المؤسسات العامة والخاصة. أما صعود المسؤول إلى الصورة بعد وصول المشروع إلى النهائي، فلا يصنع وحده منظومة للابتكار.
مشروع Flow Guard لم يفز لأن وزيرًا حضر الحفل، بل لأنه قدم حلًا تقنيًا واضحًا لمشكلة حقيقية، وطوّر منتجًا قابلًا للاستخدام والتوسع، واستطاع الوصول به إلى العملاء والمستثمرين. وهذا تحديدًا هو الدرس الذي ينبغي أن تعود به وزارة الشباب إلى ليبيا.
المشكلة المتكررة في الخطاب الرسمي الليبي أن المبادرة تبدأ شبابية أو جامعية أو أهلية، ثم يصبح المسؤول هو بطل الخبر عند نجاحها. وبدل أن نعرف أسماء الفرق الليبية وأفكار مشروعاتها والمراحل التي بلغتها، نجد البيان يركز على الوزير والوفد واللقاءات الرسمية. وهكذا ينتقل الضوء من أصحاب الأفكار إلى أصحاب المناصب، رغم أن جوهر المسابقة قائم على إبداع الشباب.
وجود الوزير ينبغي أن يخدم الحدث، لا أن يتحول الحدث إلى مادة تخدم صورة الوزير. ولو لم نبحث خارج بيان الوزارة، لما عرفنا أن الفائز مشروع تقني مقره السعودية يعالج مشكلة تسرب المياه، وأنه حصل على مليون دولار، وأن المنافسة وصلت إلى حلول حقيقية قابلة للتطبيق. وفي المقابل، لم يوضح البيان موقع ليبيا في المنافسة، ولا اسم مشروع ليبي واحد.
الدور الحكومي لا يبدأ من منصة التتويج في لندن، بل من داخل ليبيا. يبدأ من إدخال ريادة الأعمال إلى الجامعات، وتوفير مختبرات وحاضنات حقيقية، وتدريب الشباب على تطوير المنتجات وإعداد نماذج العمل، ومساعدتهم على تسجيل الشركات وفتح الحسابات والوصول إلى التمويل.
ويبدأ كذلك من الإعلان العادل عن الفرص، حتى لا تبقى البرامج الدولية محصورة في دائرة ضيقة من الأسماء المتكررة أو الأشخاص القادرين على الوصول إلى المسؤولين. كما يشمل تسهيل السفر والتأشيرات، ودعم الفرق التي تتأهل فعلًا، وربطها بالمستثمرين، ومتابعة مشروعاتها بعد انتهاء المسابقة.
فالنجاح ليس في إرسال وفد إلى لندن، بل في تمكين مشروع ليبي من الوصول إلى النهائي، والفوز بالتمويل، ثم العودة إلى ليبيا كشركة قادرة على تقديم منتج، وتوفير فرص عمل، والمساهمة في حل مشكلة عامة.
كان الأولى أن يوضح بيان الوزارة عدد الفرق الليبية المشاركة، وأسماء مشروعاتها، والمراحل التي وصلت إليها، وما حصل عليه المشاركون من تدريب أو احتضان أو تواصل مع المستثمرين. وكان ينبغي كذلك توضيح ما إذا كان لقاء الوزير بإدارة المؤسسة قد أسفر عن برنامج تنفيذي داخل ليبيا، وكيف ستتاح فرصه لجميع الشباب وفق إعلان عام ومعايير شفافة.
لكن البيان تحدث عن “توسيع الشراكات” و“ربط المواهب الليبية بالبرامج العالمية” من دون تقديم نتائج محددة أو التزامات يمكن متابعتها وقياسها. هذه اللغة جميلة إعلاميًا، لكنها لا تكفي لإثبات وجود أثر حقيقي.
ليس الخطأ أن يذهب وزير الشباب إلى فعالية دولية، لكن منصبه يفرض أن يكون حضوره جزءًا من عمل مؤسسي واضح، لا أن يصبح الحضور نفسه إنجازًا. الفريق الفائز عاد بمليون دولار وفرصة لتوسيع منتج يعالج مشكلة حقيقية في قطاع المياه؛ فبماذا عاد الشباب الليبي؟ وما المشروع الذي دعمته الوزارة حتى وصل إلى مستوى المنافسة العالمية؟
صُممت Hult Prize لتضع الشباب ومشروعاتهم في الواجهة. لذلك كان ينبغي أن يكون الخبر عن مبتكر ليبي وصل، أو مشروع حصل على فرصة، أو شراكة أنتجت برنامجًا وتمويلًا، لا عن مسؤول حضر ختام مسابقة أبطالها الحقيقيون هم الشباب وأفكارهم.
الحكومة الناجحة لا تزاحم الشباب على الصورة، بل تبني لهم الطريق ثم تتركهم يقفون في مقدمتها.
