رحلة بدأت عام 2004 بتصميم موقع بسيط، ثم تحولت إلى مساحة مستقلة للتدوين والدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ومساءلة الأداء الحكومي والدور الدولي، قبل أن يأتي الذكاء الاصطناعي ليضاعف القدرة، لا ليصنع التجربة من الصفر.
هناك فرق كبير بين أن يكون لديك حساب على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، وأن تكون لديك منصة رقمية تحمل اسمك وتحتفظ بصوتك وذاكرتك. الحساب مساحة تسمح لك شركة أخرى باستخدامها وفق شروطها وخوارزمياتها، أما الموقع المرتبط بدومينك فهو أقرب إلى بيت رقمي تبنيه بنفسك، وتقرر كيف يبدو، وماذا يحتوي، وكيف يصل إليه الناس.
لهذا أشعر اليوم بأن امتلاك مدونة أعرف كيف أديرها وأطورها نعمة حقيقية. أكتب فيها ما أريد، وأوثّق ما أراه مهمًا، وأعرف كيف أهيئ محتواها حتى يصل إلى القارئ المهتم. لا أنتظر صحيفة أو مؤسسة إعلامية كي تمنحني مساحة، ولا يتوقف وجود مقالي على موافقة محرر أو مزاج خوارزمية. وإذا اختار الآخرون إعادة نشره، فهذا أمر يسعدني، لكن الأصل يبقى عندي: أنا المصدر، وأنا صاحب المنصة.
غير أن هذه الفكرة لم تولد اليوم، ولم تبدأ مع ظهور الذكاء الاصطناعي. وراءها رحلة تمتد لأكثر من عشرين عامًا من التعلم الذاتي والتجربة والتصميم وإدارة المحتوى.
2004: البداية من «جنزور ماي هوم»
بدأت علاقتي العملية بتصميم المواقع عام 2004، حين أنشأت أول موقع لي تحت اسم «جنزور ماي هوم». كان الإنترنت مختلفًا تمامًا عما نعرفه اليوم؛ فلم تكن القوالب الجاهزة متاحة بهذه السهولة، ولم تكن أدوات التصميم والبرمجة تشرح لك كل شيء في ثوانٍ. كنا نتعلم بالمحاولة، ونبحث عن الاستضافات المجانية، ونجرب أدوات مثل FrontPage، ونكتشف معنى الصفحات والروابط والصور ورفع الملفات إلى الخادم، خطوة بعد أخرى.
قبل ذلك كنت أتصفح مواقع مثل BBC وعربية دوت كوم وياهو، وأراقب كيف تُبنى الصفحات وكيف تنتقل المعلومة من مكان إلى آخر. لم أكن أريد أن أبقى مجرد متلقٍ لما يعرضه الإنترنت؛ كنت أريد أن أصنع شيئًا يحمل اسم منطقتي ويعبّر عنها. ومن هنا جاء «جنزور ماي هوم»، الذي لم يكن مجرد تجربة تقنية، بل كان أول إعلان شخصي بأنني أستطيع بناء مساحتي بنفسي.
ربما يبدو الموقع الأول بسيطًا جدًا إذا قيس بما يمكن إنجازه اليوم، لكن قيمته الحقيقية لم تكن في شكله، بل في الباب الذي فتحه. فمن خلاله تعلمت أن امتلاك أدوات النشر يغيّر علاقتك بالمعلومة: بدلًا من انتظار ما يكتبه الآخرون عنك، تستطيع أن تكتب أنت، وأن ترتب المادة، وأن تمنحها عنوانًا ومكانًا دائمًا.
من المنتديات إلى المواقع المؤسسية
في عام 2006 انتقلت إلى الإشراف على بعض المنتديات الليبية، ومنها منتدى شباب ليبيا وقسم البرامج في منتدى أويا. كانت المنتديات في تلك المرحلة هي الساحة الرقمية الأهم للنقاش وتبادل المعرفة. ومنها تعلم كثير منا إدارة المجتمعات الإلكترونية، وتنظيم المحتوى، والتعامل مع المستخدمين، وفهم الفرق بين مجرد النشر وبناء مساحة يتفاعل داخلها الناس.
وفي عام 2007 صممت أول موقع رسمي لنادي طرابلس لرياضة ذوي الإعاقة. عند تلك النقطة بدأ التصميم يرتبط عندي بصورة أوضح بالنشاط الحقوقي والرياضي. لم تعد المسألة اهتمامًا تقنيًا فقط، بل أصبحت وسيلة لكي تظهر مؤسسات ورياضات وأشخاص لم يكونوا يحصلون دائمًا على المساحة التي يستحقونها في الإعلام التقليدي.
ومع بداية عام 2008 انضممت إلى مكتب الإعلام باللجنة البارالمبية الليبية بصفتي عضوًا ومصممًا للموقع الرسمي. كما انضممت خلال الفترة نفسها إلى العمل الإعلامي في الأولمبياد الخاص الليبي، وأسهمت في إنشاء حضوره الإلكتروني.
هنا التقت خبرتي التقنية برسالتي بصورة كاملة: لم يعد الموقع مجرد صفحات جميلة، بل أصبح نافذة للرياضيين والبطولات والإنجازات، ووسيلة لحفظ ذاكرة رياضة الأشخاص ذوي الإعاقة في ليبيا.
2009: من امتلاك الموقع إلى امتلاك العنوان
في عام 2009 بدأت رحلة التدوين بصورة منتظمة، وكانت بدايتي عبر WordPress. وفي الفترة نفسها تقريبًا امتلكت نطاق absi.ly، وهو تفصيل أراه اليوم أكثر أهمية مما بدا عليه في ذلك الوقت.
الدومين ليس مجرد حروف قصيرة تكتبها في المتصفح؛ إنه عنوان وهوية. المنصة التي تستضيف محتواك قد تتغير، والقالب قد يتبدل، والتقنيات قد تتطور، لكن امتلاك اسمك الرقمي يمنحك قدرًا أكبر من الاستمرارية.
ومع مرور السنوات تنقلت بين أدوات وأنظمة مختلفة، من WordPress وJoomla إلى Blogger، ثم أصبحت مدونتي مرتبطة أيضًا بعنوان absi.cc، لكن الفكرة بقيت ثابتة: أن تكون لي مساحة أستطيع إدارتها وتطويرها وأرشفة ما أكتبه فيها.
منذ ذلك الوقت أصبح التدوين جزءًا من نشاطي في الدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. كتبت عن التجارب الشخصية، وإمكانية الوصول، والرياضة البارالمبية، والسياسات العامة، ونظرة المجتمع، وما تعلمته من السفر والعمل والاحتكاك بتجارب مختلفة.
لم تكن المدونة يوميات شخصية فقط، ولم تكن صحيفة إخبارية بالمعنى التقليدي؛ كانت مساحة تجمع التجربة بالموقف، والمعلومة بالرأي، والذاكرة الفردية بالقضية العامة.
لماذا يحتاج الناشط إلى منصة يملكها؟
وسائل التواصل مهمة، وأنا أستخدمها وأعرف قيمتها في الوصول السريع إلى الناس، لكنها لا تصلح وحدها لحمل ذاكرة تمتد لسنوات. المنشور فيها يعيش ساعات أو أيامًا، ثم يختفي وسط سيل جديد من المحتوى. وقد يتراجع وصوله بسبب تغيير في الخوارزمية، أو يُقيّد الحساب، أو تتغير سياسات المنصة، أو يصبح الوصول إلى المتابعين الذين جمعتهم على مدى سنوات مرتبطًا بالدفع والإعلانات.
أما المدونة فتعطي المادة حياة أطول. يمكن تحديث المقال وتصحيحه، وإضافة المصادر إليه، وربطه بمواد سابقة، وتصنيفه داخل أرشيف واضح. ويستطيع القارئ أن يصل إليه من محرك بحث بعد أشهر أو سنوات من نشره.
هذا فارق أساسي بالنسبة إلى ناشط لا يريد فقط تسجيل موقف لحظي، بل يريد بناء معرفة يمكن الرجوع إليها.
امتلاك موقع لا يعني استقلالًا مطلقًا؛ فما زلت تعتمد على شركة لتسجيل النطاق، واستضافة، ومحركات بحث، وخدمات تقنية مختلفة. لكنه يمنحك قدرًا أكبر بكثير من التحكم مقارنة بحساب مغلق داخل منصة واحدة.
تستطيع نقل موقعك من استضافة إلى أخرى، وتغيير نظام إدارته، والاحتفاظ بنسخة احتياطية من محتواه، بينما يبقى عنوانك وهويتك معك.
لهذا أرى مواقع التواصل نوافذ للتوزيع، لا البيت الأساسي للمحتوى. أنشر فيها لأصل إلى الناس، لكنني أحتفظ بالأصل داخل منصتي.
السيو ليس لعبة أرقام
تعلم تحسين الظهور في محركات البحث، أو ما يُعرف بـSEO، كان امتدادًا طبيعيًا لفكرة امتلاك المنصة. فما قيمة مقال جيد إذا بقي مدفونًا ولم يصل إليه الشخص الذي يبحث عن موضوعه؟
بالنسبة إليّ، السيو ليس مجرد محاولة لجمع الزيارات، بل طريقة لتنظيم المعرفة وتسهيل الوصول إليها. يبدأ ذلك من اختيار عنوان واضح، ووصف دقيق، وبناء منظم للمقال، وربط المواد ذات الصلة، وتحسين سرعة الصفحة وتجربتها على الهاتف، والاهتمام بقابلية القراءة وإمكانية الوصول.
وهذه النقطة الأخيرة مهمة بصورة خاصة؛ فلا معنى لأن أدافع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة من خلال موقع يصعب عليهم استخدامه. يجب أن تنعكس الرسالة في تصميم المنصة نفسها: نص واضح، وتباين مناسب، وتنقل مفهوم، وتوافق مع قارئات الشاشة بقدر الإمكان.
التقنية هنا ليست غلافًا للقضية، بل جزء من أخلاقياتها.
الذكاء الاصطناعي: قوة إضافية لا بداية مصطنعة
لن أنكر أن الذكاء الاصطناعي ساعدني كثيرًا، وربما منحني في السنوات الأخيرة دفعة أكبر من أي أداة منفردة استخدمتها من قبل. لقد اختصر الوقت، ووسّع الخيارات، وساعدني في البرمجة وتصحيح الأخطاء، وبناء النماذج الأولية، وتطوير الأفكار البصرية، وتحسين الصياغة والترجمة، وتنظيم البحث، واقتراح بنى أفضل للمقالات والمواقع.
وبالنسبة إليّ، وأنا أعمل بإمكانات حركية محدودة، فإن اختصار عشرات الخطوات التقنية ليس رفاهية. كل عملية تصبح أسرع وأقل إرهاقًا تمنحني مساحة أكبر لكي أركز على الفكرة والرسالة والقرار الإبداعي.
بهذا المعنى، لم يجعلني الذكاء الاصطناعي أقل استقلالًا، بل وسّع ما أستطيع إنجازه بنفسي.
لكن من المهم أيضًا وضع الأمور في سياقها الصحيح. الذكاء الاصطناعي لم يصمم «جنزور ماي هوم» عام 2004، ولم يدخل بي إلى عالم المنتديات، ولم يشترِ لي نطاق absi.ly، ولم يبدأ مدونتي عام 2009، ولم يعش التجارب التي أكتب عنها. لقد وصل إلى رحلة قائمة بالفعل، ثم ضاعف سرعتها وقدرتها.
هو يستطيع أن يقترح، لكنه لا يملك تجربتي. يستطيع أن يساعدني في الصياغة، لكنه لا يحدد موقفي. يستطيع أن يولد تصميمًا أو شيفرة، لكنه لا يتحمل عني مسؤولية ما أنشره. لذلك أراه مساعدًا قويًا وشريكًا في عملية الإنتاج، لا بديلًا عن المعرفة والخبرة والحكم البشري.
القيمة الحقيقية لا تأتي من استخدام الأداة وحدها، بل من معرفة ماذا تريد منها، وكيف تراجع ما تنتجه، ومتى ترفض اقتراحها، وكيف توظفها لخدمة رسالة واضحة.
النفوذ الذي تصنعه المنصة
النفوذ الرقمي لا يُقاس دائمًا بعدد المتابعين أو بحجم الضجيج حول منشور واحد. أحيانًا يكون التأثير الحقيقي في أن يقرأ مسؤول أو صحفي أو باحث مقالًا وجده أثناء بحثه، أو أن يعود شخص إلى مادة قديمة لأنها وثقت معلومة لم تعد موجودة في مكان آخر.
قد لا يصل كل ما أكتبه إلى آلاف القراء، لكن يكفيني أن يصل إلى القارئ الذي يعنيه الموضوع. هذا النوع من الوصول الهادئ والمتراكم هو ما تصنعه المدونة بمرور الوقت. كل مقال يضاف إلى الأرشيف لا يبدأ من الصفر، بل ينضم إلى سياق وهوية ومسيرة.
لهذا لا أرى مدونتي مجرد موقع، بل أراها جزءًا من ذاكرتي ومن عملي الحقوقي والإعلامي. هي المكان الذي أستطيع فيه أن أكتب بالتفصيل عندما تكون منصات التواصل أضيق من الفكرة، وأن أحتفظ بالمادة عندما ينتهي عمر المنشور السريع، وأن أقدم نفسي من خلال عملي، لا من خلال وصف مختصر في ملف شخصي.
حين أصبحت المنصة مساحة للمساءلة
في الفترة الأخيرة، اتسع نطاق ما أكتبه ليشمل بصورة أوضح نقد أداء الحكومة والمؤسسات العامة، وكذلك مساءلة دور الأمم المتحدة وبعثتها في ليبيا.
لا أرى ذلك ابتعادًا عن نشاطي في مجال حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، بل امتدادًا طبيعيًا له؛ فالحقوق لا تعيش في فراغ، ولا يمكن فصلها عن طريقة إدارة الدولة وخدماتها ومالها العام.
عندما ينقطع التيار الكهربائي لساعات ويصبح شحن كرسي متحرك أو جهاز طبي مسألة أمان واستقلال، فإن الحديث عن الكهرباء ليس ملفًا خدميًا بعيدًا عن حقوق الإعاقة.
وعندما تنفذ مؤسسة عامة منصة أو مشروعًا حكوميًا من دون مراعاة الإتاحة، فإن الخلل لا يعود تفصيلًا هندسيًا، بل يصبح دليلًا على أن فئة كاملة لم تكن حاضرة عند اتخاذ القرار.
وعندما تُصرف الأموال على المشروعات أو الرياضة أو المؤتمرات من دون معلومات كافية عن التكلفة والنتائج، فمن حق المواطن أن يسأل: أين ذهب المال؟ وما الذي عاد عليه فعليًا؟
لهذا بدأت أتعامل مع الخطاب الحكومي بطريقة أكثر نقدًا، ولكن أيضًا بطريقة أحاول أن تكون منطقية وعملية. لا يهمني أن أقول إن كل شيء فاشل، كما لا أريد ترديد البيانات الرسمية وكأن الإعلان عن المشروع يساوي إنجازه.
ما أبحث عنه هو المسافة بين ما قيل وما حدث: ما القرار؟ وما مصدر المعلومة؟ وكم أُنفق؟ وما النتيجة التي وصلت إلى المواطن؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا بقيت المشكلة كما هي؟
ظهر هذا المنهج في مقالات مثل «حكومتنا وأزمة الثقة»، حيث فرّقت بين حق الحكومة في عرض إنجازاتها وبين تحويل الاتصال الحكومي إلى صناعة للصورة.
وظهر أيضًا في مقال «عدت إلى ليبيا بعد سنوات… وما زلنا نسأل: متى يرجع الضي؟»، الذي لم ينكر أعمال الصيانة وجهود العاملين، لكنه قاس النجاح بالنتيجة التي تصل إلى بيت المواطن، لا بعدد الاجتماعات والمشروعات المعلنة.
كما تناولت في مقال «عندما تُصمَّم ليبيا من دوننا» كيف يتحول غياب الإتاحة من خطأ تصميمي إلى تمييز تمارسه المنظومة على الناس.
وأرى أن أفضل مثال على معنى النقد المنطقي هو بحثي حول مشروع مطار طرابلس الدولي. بدأت من منشور يصف المشروع بأنه «وهم»، لكنني لم أتبنَّ الوصف لمجرد أنه يوافق مزاجًا عامًا غاضبًا.
بحثت في المصادر القطرية والدولية، ووجدت أن للمشروع أساسًا حقيقيًا، فقلت ذلك بوضوح. وفي الوقت نفسه، بقيت أسأل عن قيمة الاستثمار، والتمويل، وطبيعة العقد، وحقوق التشغيل، والعوائد.
النقد هنا لم يكن حكمًا جاهزًا، بل بحثًا غيّر نقطة البداية، ثم فتح أسئلة أدق.
وامتدت هذه المساءلة أيضًا إلى الأمم المتحدة. أنا لا أتعامل معها كخصم، ولا أنكر أهمية التعاون الدولي أو الحاجة إلى بعثة تساعد ليبيا على تجاوز أزمتها، لكن اسم الأمم المتحدة لا ينبغي أن يجعلها خارج دائرة السؤال.
بل على العكس؛ المؤسسة التي تتحدث عن الشفافية وحقوق الإنسان والتنمية والشمول يفترض أن تكون أكثر استعدادًا للاستماع إلى النقد وتفسير أثر وجودها ومواقفها أمام الناس.
حين تحضر البعثة فعالية تنظمها جهة حكومية أو مؤسسة عامة، يجب ألا يتحول حضورها، ولو من غير قصد، إلى صورة تُفهم باعتبارها تزكية لأداء تلك الجهة أو حماية رمزية لها من المساءلة.
فالمشهد داخل قاعة مضاءة وشاشات كبيرة قد يبدو ناجحًا، بينما يعيش المواطن خارجها انقطاع الكهرباء وغلاء الأسعار وصعوبة الوصول إلى الخدمات. مهمة المؤسسة الدولية ليست الاكتفاء بصورة الحدث، بل الانتباه أيضًا إلى المسافة بين الخطاب والواقع.
وفي مقال «جنزور على البحر… لكن لمن أصبح هذا البحر؟»، حاولت تطبيق المعيار نفسه. لم أدّعِ أن الأمم المتحدة استولت بالقوة على موقع، وميّزت بين المرفق العام والمشروع الخاص، واعترفت بالاحتياجات الأمنية للبعثات.
لكن ذلك لم يلغِ الأسئلة السياسية والأخلاقية حول وجودها داخل فضاءات مغلقة ومحمية، وطبيعة علاقتها بالمجتمع الذي تستضيفها أرضه، ومدى الشفافية في العقود والترتيبات، وما إذا كان حضورها ينسجم فعلًا مع خطابها عن الشمول والتنمية والسيادة.
المعيار عندي واحد، سواء تعلق الأمر بحكومة ليبية أو بمؤسسة دولية: لا أقيسها بالشعار الذي ترفعه، بل بالأثر الذي تتركه، وبمدى احترامها للشفافية والمساءلة وكرامة المواطن.
كما أنني لا أعتبر السؤال اتهامًا، ولا غياب المعلومة دليلًا تلقائيًا على الإدانة. أفرق قدر الإمكان بين ما أستطيع إثباته، وما أستنتجه، وما أطرحه كسؤال يحتاج إلى جواب.
وهنا تظهر قيمة امتلاك المنصة مرة أخرى. منشور قصير على مواقع التواصل قد يُنتزع من سياقه ويُختصر في جملة غاضبة، أما المقال فيمنحني مساحة لعرض الوثائق، وربط المصادر، وشرح حدود ما أعرفه، والاعتراف بما لم أتمكن من إثباته، وتصحيح المادة إذا ظهرت معلومات جديدة.
كما أستطيع ترجمته وإيصاله إلى صحفيين وباحثين ومؤسسات دولية، فلا يبقى النقاش محصورًا داخل دائرة المتابعين نفسها.
الاستقلال في النشر لا يعني أنني فوق النقد، بل يحمّلني مسؤولية أكبر. فإذا كنت أقول إنني المصدر والمنصة، فعليّ أيضًا أن أراجع المصدر، وأن أميز بين الحقيقة والرأي، وأن أتجنب الاتهام من دون دليل، وأن أترك الباب مفتوحًا للتصحيح والرد.
الحرية من دون مسؤولية تتحول بسهولة إلى ضجيج، أما الحرية المرتبطة بالتحقق فهي التي تستطيع بناء ثقة وتأثير متراكم.
ربما تكون هذه أحدث مرحلة في رحلتي الرقمية: بدأت بتصميم المواقع، ثم استخدمتها للدفاع عن الحقوق، واليوم أصبحت أستخدم منصتي أيضًا لتصميم أسئلة عامة لا ينبغي أن تضيع وسط الدعاية والضجيج.
لم تعد المدونة تعرّف بي فقط؛ أصبحت مساحة أسائل من خلالها من يدير الشأن العام، ومن يتحدث باسم المجتمع الدولي، ومن يطلب من المواطن أن يثق به من دون أن يقدم له ما يكفي من المعلومات.
لا تهجروا التواصل الاجتماعي… لكن لا تضعوا كل ذاكرتكم فيه
بعد هذه الرحلة، النصيحة التي يمكن أن أقدمها لأي ناشط أو كاتب أو صانع محتوى بسيطة: استخدم منصات التواصل، لكن لا تجعلها المكان الوحيد الذي يحفظ عملك.
امتلك نطاقًا إن استطعت، وابنِ موقعًا بسيطًا، ورتب أرشيفك، واحتفظ بنسخ احتياطية، وتعلم أساسيات السيو وإمكانية الوصول. لا تنتظر أن تصبح مشهورًا حتى تؤسس منصتك؛ فالمنصة هي التي تساعدك على بناء حضور متراكم ومستقل.
الاستقلال الرقمي لا يعني الانعزال عن الآخرين، بل يعني أن يكون لك بيت ثابت ونوافذ كثيرة. الموقع هو البيت، ومنصات التواصل نوافذ تقود الناس إليه.
من «جنزور ماي هوم» عام 2004، إلى امتلاك absi.ly منذ نحو عام 2009، ثم تطوير مدونتي وحضوري عبر absi.cc، تغيرت الأدوات والمنصات مرات كثيرة، لكن الفكرة لم تتغير:
الدومين عنواني، والموقع منصتي، والأرشيف ذاكرتي، والسيو طريق الوصول، والذكاء الاصطناعي قوة إضافية توسّع ما أستطيع إنجازه.
لا أنتظر من أحد أن يمنحني حق النشر أو مساحة للكلام.
أنا المصدر، وأنا المنصة.
