Loading... | ... | 00:00

الوطن ليس «ديربي» بين سبتمبر وفبراير

مشاركة



 لفتت انتباهي صورة لشخص يرفع علم الاستقلال في ميدان الشهداء، وأرفقها بكلام يقول فيه إنه سيظل ينشد العدل والحرية وسط الظلام والفساد والتسلق والتملق وبيع الذمم، وإنه لن يتراجع عن مبادئه حتى لو بقي وحيدًا.

في ظاهرها تبدو الكلمات جميلة ووطنية، ولا يمكن لأحد أن يعترض على المطالبة بالعدل والحرية. لكن الصورة والخطاب أعادا إلى ذهني مشكلة أعمق: لا يزال بعض الليبيين يتعاملون مع الوطن وكأنه «ديربي» بين أنصار سبتمبر وأنصار فبراير، وكل فريق يرفع علمه وشعاراته لمجاكرة الفريق الآخر، بينما تُترك الأسئلة الحقيقية المتعلقة بالدولة والعدالة والمسؤولية من دون إجابة.

الوطن ليس مباراة بين جمهورين، وليبيا ليست غنيمة للطرف الذي ينجح في رفع صوته أو فرض روايته على الآخرين. الحقيقة المؤلمة أن البلاد والعباد دفعوا ثمن أخطاء التجربتين، وإن اختلفت طبيعة المسؤولية وحجمها وسياقها التاريخي.

ماذا فعلت حقبة سبتمبر؟

حكم نظام سبتمبر ليبيا أكثر من أربعة عقود، وهي مدة كانت كافية لبناء دولة قوية بمؤسسات مستقرة، خصوصًا أن ليبيا دولة قليلة السكان وتمتلك ثروة نفطية كبيرة وموقعًا استراتيجيًا مهمًا.

لكن الذي حدث هو إضعاف مؤسسات الدولة وربطها بشخص الحاكم وأفكاره وتقلباته. أُلغيت الحياة السياسية الطبيعية، وغابت الانتخابات والتداول السلمي للسلطة، وضُيقت حرية التعبير، وطورد المعارضون، وأصبح الخوف جزءًا من حياة الناس.

لم تُبنَ مؤسسات تستطيع الاستمرار بصورة مستقلة عن النظام، ولم يُبنَ جيش وطني محترف على أسس واضحة، ولم تتشكل إدارة عامة حديثة قادرة على حماية الدولة في أوقات الأزمات. وبدلًا من دولة القانون، أصبحت ليبيا مرتبطة بمركز واحد للقرار، وحين سقط ذلك المركز ظهر حجم الفراغ الذي كان مخفيًا خلف الشعارات.

كما أن الثروة النفطية لم تُستثمر بما يكفي لبناء اقتصاد متنوع وتعليم متطور وبنية تحتية تليق بإمكانات ليبيا. كانت هناك إنجازات وخدمات لا يمكن إنكارها، لكن لا يجوز استخدامها لتبرير الاستبداد أو تجاهل الفرص التاريخية التي أُهدرت خلال أكثر من أربعين عامًا.

وماذا فعلت فبراير؟

خرج كثير من الليبيين في فبراير وهم يحلمون بالحرية والعدالة ودولة الدستور والقانون. كانت لديهم أسباب حقيقية للاعتراض على الاستبداد، ولا يجوز اختزال كل من شارك في فبراير في المؤامرة أو الخيانة.

لكن إسقاط النظام لم يتحول إلى بناء دولة. بعد سقوطه، انتشرت الأسلحة، وتعددت الجماعات المسلحة، وبدأ الصراع على السلطة والثروة والنفوذ. تحولت المرحلة الانتقالية إلى مراحل متعاقبة بلا نهاية، وانقسمت المؤسسات، وتعددت الحكومات، وتراجعت سيادة القانون، وأصبحت المناصب والبعثات والسفارات والوزارات في أحيان كثيرة غنائم توزع وفق الولاء والمحاصصة.

تحت راية فبراير ارتُكبت انتهاكات، وهُجّر مواطنون، واغتيل ناشطون وعسكريون وإعلاميون، وتعرضت مدن ومناطق للظلم والعقاب الجماعي. كما نمت شبكات الفساد والتهريب، وأصبحت الدولة عاجزة أمام مجموعات تمتلك السلاح والمال والنفوذ.

وفشلت الطبقة السياسية التي تصدرت المشهد بعد عام 2011 في إنتاج مشروع وطني يجمع الليبيين. وبعد كل هذه السنوات، لا تزال الانتخابات معطلة، والدستور غائبًا، والمصالحة ناقصة، والمؤسسات منقسمة، والخدمات متدهورة، والمواطن يدفع الثمن.

هذا لا يعني أن فبراير كانت خطأ لمجرد أن الناس طالبوا بالحرية، بل يعني أن القوى التي تسلمت المشهد بعدها فشلت في تحويل الثورة إلى دولة، وأن بعض الذين تحدثوا باسمها استخدموها غطاءً للوصول إلى السلطة أو المال أو النفوذ.

مسؤوليتان لا تلغيان بعضهما

لا يمكن لأنصار سبتمبر تحميل فبراير وحدها كل خراب ليبيا، لأن كثيرًا من جذور الأزمة وُضع خلال عقود الحكم الفردي وإضعاف المؤسسات. وفي المقابل، لا يستطيع أنصار فبراير تبرير كل ما حدث بعد عام 2011 بالماضي، فقد امتلكوا الوقت والموارد والفرص، ثم أعاد جزء منهم إنتاج الاستبداد والفساد والإقصاء بأسماء وشعارات جديدة.

الاعتراف بجرائم الاستبداد لا يبرئ الفوضى، ورفض الفوضى لا يعني الحنين إلى الاستبداد. من حقنا أن نرفض الاثنين معًا، وأن نبحث عن طريق ثالث يقوم على دولة مدنية ودستور وقضاء مستقل ومؤسسات أمنية وعسكرية موحدة وانتخابات وتداول سلمي للسلطة.

مشكلة الخطاب الإعلامي السطحي

المؤسف أن جزءًا من الطبقة الإعلامية والثقافية لا يزال يتناول الأزمة الليبية بعقلية المشجعين: هذا يرفع علم الاستقلال لمجاكرة أنصار سبتمبر، وذاك يرفع العلم الأخضر لاستفزاز أنصار فبراير.

وبدل أن يساعد الإعلام المجتمع على فهم أسباب انهيار الدولة، ومراجعة التجربتين، وكشف الفساد ومساءلة المسؤولين، يتحول أحيانًا إلى مساحة لتبادل الشعارات والصور والاستفزازات. يصبح النقاش حول لون العلم، لا حول شكل الدولة؛ وحول من انتصر في الماضي، لا حول كيفية إنقاذ المستقبل.

هذه النظرة السطحية تعيد إنتاج الانقسام، ولا تقدم حلًا لمواطن يبحث عن الكهرباء والعلاج والتعليم والأمن والعدالة. ليبيا لن تُبنى بمنشور عاطفي أو صورة مع علم، بل بنقد صريح للذات وبالقدرة على الاعتراف بالأخطاء مهما كان الطرف الذي ارتكبها.

حتى العلم ليس شيئًا مقدسًا

ولا أخفيكم حقيقة موقفي: ربما تحتاج ليبيا، في إطار مشروع وطني ودستوري جامع، إلى التفكير مستقبلًا في علم وطني جديد لا يُستخدم رمزًا لانتصار سبتمبر ولا لانتصار فبراير.

العلم الحالي له دلالته التاريخية، وكذلك العلم القديم له أنصاره وذكرياته، لكن أي علم هو في النهاية رمز من صنع البشر، وليس شيئًا مقدسًا لا يجوز الاقتراب منه أو مناقشته. قيمة العلم تأتي من الدولة التي يمثلها، ومن كرامة المواطن الذي يعيش تحته، لا من ألوان القماش وحدها.

إذا تحول أي علم إلى أداة للمجاكرة والإقصاء وتقسيم الليبيين، فعلينا أن نمتلك الشجاعة لمناقشة رمز وطني جديد يولد من توافق حقيقي، ومن خلال دستور وإرادة شعبية، لا بقرار يفرضه طرف منتصر على طرف مهزوم.

المهم ليس أن نستبدل قطعة قماش بأخرى، بل أن نغير الثقافة التي جعلت من الأعلام خنادق سياسية، وأن نتفق على دولة جديدة يشعر فيها كل ليبي أنه مواطن كامل الحقوق، لا تابع لمعسكر سبتمبر ولا فبراير.

وبينما أكتب… الكهرباء تأتي وتغيب

وأنا أكتب هذه التدوينة، كانت الكهرباء تتذبذب باستمرار؛ تأتي لدقائق ثم تنقطع من جديد بصورة مزعجة. ويبدو أن آثار مشكلة الإظلام التام «Blackout»، التي شهدتها المنطقة الغربية منذ الأمس، لا تزال مستمرة، وأنا أيضًا من سكان المنطقة المتأثرين بها.

هذه المفارقة تختصر جزءًا كبيرًا من واقعنا: نختلف حول سبتمبر وفبراير، ونتنافس على الأعلام والشعارات، ونتبادل الاتهامات بشأن من يحب ليبيا أكثر، بينما لا يزال المواطن عاجزًا عن الحصول على كهرباء مستقرة في دولة نفطية.

الكهرباء ليست ترفًا، وانقطاعها لا يعني مجرد الجلوس في الظلام. إنها مرتبطة بالمياه والاتصالات وحفظ الغذاء والأدوية، وتمس حياة المرضى والأشخاص ذوي الإعاقة الذين يعتمد بعضهم على أجهزة ومعدات كهربائية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع انهيار الخدمات وكأنه أمر طبيعي، ثم ننشغل بمعارك الماضي وكأنها ستضيء بيوتنا أو تبني مؤسساتنا.

هذه هي معركتنا الحقيقية: ليست حول أي علم نرفع، بل حول الدولة التي لم ننجح حتى الآن في بنائها.

ليبيا تحتاج إلى بداية جديدة

لا بد أن نخرج من هذا المستنقع. لا يمكن أن نبقى أسرى لعام 1969 أو لعام 2011، وكأن مستقبل أبنائنا يجب أن يظل محكومًا بصراعات الماضي. ليبيا تحتاج إلى بداية جديدة لا تقدّس الأشخاص أو المراحل أو الأعلام، ولا تمنح أي طرف صكًا بالبراءة.

نحتاج إلى دولة تُبنى على المواطنة، والمحاسبة، والعدالة، واحترام حقوق الإنسان، والتداول السلمي للسلطة. دولة تعترف بضحايا سبتمبر وضحايا ما بعد فبراير، وتضمن عدم تكرار الظلم تحت أي شعار.

وكما يُقال: «الأفعال أبلغ من الأقوال». حب الوطن لا يُقاس بحجم العلم الذي نرفعه، ولا بقوة العبارات التي نكتبها، بل بقدرتنا على قول الحقيقة، ومراجعة أنفسنا، وتحمل مسؤوليتنا، وبناء ليبيا التي تتسع للجميع.

الوطن ليس «ديربي»، وليبيا أكبر من سبتمبر وفبراير. إما أن نخرج جميعًا من أسر الماضي ونبني دولة جديدة، أو سنظل نرفع أعلامًا مختلفة فوق الخراب نفسه.

مشاركة المقال

 


شارك
✓ تم نسخ النص