تسلّم الدكتور فؤاد برغش مهام وزير الرياضة بحكومة الوحدة الوطنية في مارس 2026، خلفًا لعبدالشفيع الجويفي، وأعلن عند مباشرته العمل عن «خطة المئة يوم»، التي تضمنت تطوير قطاع الناشئين، وتحسين المنشآت الرياضية، ورفع كفاءة العاملين، ومتابعة أوضاع الأندية.
انتهت المئة يوم، لكن الوزارة لم تنشر حتى الآن تقريرًا تفصيليًا يوضح للرأي العام ما نُفّذ من الخطة، وعدد المنشآت التي جرى تأهيلها، وحجم الأموال المخصصة للناشئين، والمعايير المعتمدة لتوزيع الدعم بين كرة القدم وبقية الألعاب.
منذ توليه الوزارة، نشرت الجهات الرسمية أخبارًا عن سلسلة طويلة من الاجتماعات مع اتحاد كرة القدم واتحادات رفع الأثقال والشطرنج والألعاب المائية والهابكيدو والغولف، إضافة إلى مديري مكاتب الرياضة ولجنة الرياضة المدرسية، ولقاءات خارجية مع مسؤولين مسؤولين من إيطاليا ومصر وألبانيا.
قد تكون هذه الاجتماعات ضرورية، لكنها ليست نتيجة في حد ذاتها. فالخبر الذي يبدأ بعبارات «بحث» و«ناقش» و«أكد» و«تابع» يجب أن ينتهي بميزانية معلنة، وجدول زمني، وجهة مسؤولة، ومشروع منفذ على الأرض. وإلا تحولت الوزارة إلى غرفة اجتماعات كبيرة، بينما يبقى الرياضي ينتظر المعسكر والمعدات والمنحة والمنشأة الصالحة للتدريب.
في يناير 2025، انتُخب عبدالمولى المغربي رئيسًا للاتحاد الليبي لكرة القدم لأربع سنوات، لكن العملية جرت بقائمة وحيدة حصلت على 95 صوتًا مقابل خمسة أصوات معارضة. ورغم أن الانتخابات استوفت شكلها الإجرائي، فإن غياب المنافسة والبرامج البديلة يطرح سؤالًا حول قدرة الجمعية العمومية على تقييم الاتحاد ومحاسبته.
يحتاج الوزير فؤاد برغش إلى توضيح طبيعة علاقة الوزارة باتحاد الكرة. فالاستقلالية الرياضية لا تعني غياب الرقابة على المال العام؛ والوزارة ليست مطالبة بالتدخل في القرارات الفنية، لكنها مسؤولة عن معرفة أين يذهب الدعم الحكومي، وما النتائج التي تحققت مقابله.
يحتل المنتخب الليبي المركز 110 عالميًا، وفق آخر تصنيف رسمي نشره الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» في يوليو 2026، كما فشل مجددًا في التأهل إلى نهائيات كأس العالم وكأس الأمم الأفريقية. وأصبحت إقامة مرحلة التتويج خارج البلاد مؤشرًا واضحًا على عجز المنظومة؛ فقد استضافت مدينة ميلانو الإيطالية سداسي التتويج عام 2025، للعام الثاني على التوالي الذي تُقام فيه المرحلة الحاسمة من الدوري الليبي خارج ليبيا.
أين مشروع الفئات السنية؟ وأين تطوير المدرب الليبي؟ وأين المنتخب النسائي والمسابقات المدرسية المنتظمة؟ لا يمكن قياس تطور كرة القدم بحجم الصفقات الأجنبية، بينما تعاني قاعدة اللعبة ضعف التنظيم والتخطيط، وتغيب المنتخبات الليبية بمختلف فئاتها عن المنافسة القارية والعالمية.
وتداولت وسائل إعلام أرقامًا ضخمة بشأن صفقات الأندية، بينها مليونا دولار لانتقال محمد أمين توغاي إلى الأهلي طرابلس، وما يصل إلى عشرة ملايين دولار للقيمة الإجمالية المتداولة لعقد كواسي سيبو مع السويحلي. لكن أغلب الرواتب والأرقام لم تصدر ضمن ميزانيات مدققة أو عقود معلنة من الأندية.
لذلك، لا يجوز اعتماد كل رقم متداول باعتباره حقيقة نهائية، وفي المقابل لا يجوز أن تبقى الأندية التي تستفيد بصورة مباشرة أو غير مباشرة من المال العام خارج نطاق الشفافية. من موّل هذه الصفقات؟ هل التمويل حكومي أم خاص؟ وما الالتزامات المالية طويلة المدى؟ وهل توجد سقوف للإنفاق وقواعد واضحة للحوكمة واللعب المالي؟
غياب الشفافية لا يكفي وحده لإثبات الفساد، لكنه يخلق بيئة مناسبة لسوء الإدارة وتضارب المصالح وشبهات تبديد المال العام. والمطلوب ليس تبادل الاتهامات، بل نشر الأرقام والعقود والتقارير الرقابية.
وخلف ضجيج كرة القدم وصفقاتها، تكاد ألعاب مثل ألعاب القوى والسباحة والتجديف ورفع الأثقال والفروسية والرياضة النسائية والرياضات البارالمبية تختفي من السياسة الرياضية العامة.
بدأ الحضور الأولمبي الليبي في دورة طوكيو 1964، عندما شاركت البعثة الليبية في مراسم الافتتاح، وسُجّل العداء سليمان الفقيه حسن في سباق الماراثون، لكنه لم يبدأ المنافسة. أما أول مشاركة تنافسية فعلية لليبيا فكانت في دورة مكسيكو 1968، عن طريق العداء محمد الصاوي خليفة في سباق 400 متر حواجز.
ومن طوكيو 1964 وصولًا إلى باريس 2024، لم تحصد ليبيا أي ميدالية أولمبية، لا ذهبية ولا فضية ولا برونزية. وبعد نحو ستة عقود من الحضور الأولمبي، بقي أفضل إنجاز ليبي هو المركز السابع الذي حققه عز الدين طليش في التايكوندو خلال دورة أثينا 2004.
وفي أولمبياد باريس 2024، شاركت ليبيا بستة رياضيين فقط في خمس ألعاب، وكان لاعب الرماية محمد بن دلة الوحيد الذي تأهل مباشرة، بينما جاءت بقية المشاركات عبر بطاقات دعوة. وهذه الحصيلة التاريخية لا يمكن تفسيرها فقط بقلة المواهب؛ فهي تكشف غياب مشروع وطني طويل المدى لاكتشاف الرياضيين وإعدادهم منذ الصغر للوصول إلى منصات التتويج.
لكن السجل الليبي يتضمن إنجازًا مهمًا في دورة الألعاب الأولمبية للشباب في سنغافورة عام 2010، عندما أحرز الفارس الليبي عبدالعظيم خليفة مليطان الميدالية البرونزية في قفز الحواجز ضمن منافسات الفرق.
شارك مليطان مع فريق قاري مختلط باسم «أفريقيا»، إلى جانب فرسان من مصر والجزائر وزيمبابوي وجنوب أفريقيا، وحل الفريق في المركز الثالث. أما في المنافسة الفردية، فقد احتل الفارس الليبي المركز التاسع مكررًا على الجواد «بيلكام هينيرك».
وتُسجل هذه البرونزية إنجازًا شخصيًا مهمًا لفارس ليبي في أولمبياد الشباب، لكنها لا تُحتسب ضمن جدول ميداليات ليبيا في الألعاب الأولمبية الصيفية للكبار، كما أن مسابقة الفرق أُقيمت بين فرق قارية مختلطة وليست بين المنتخبات الوطنية. وهذا لا يقلل من قيمة الإنجاز، بل يضعه في سياقه الصحيح، ويكشف أن رياضة مثل الفروسية استطاعت إنتاج اسم ليبي صعد إلى منصة أولمبية للشباب، ثم غابت تقريبًا عن الاهتمام والتخطيط المؤسسي.
أما في الألعاب البارالمبية، فتمتلك ليبيا ميدالية تاريخية وحيدة حققها الرباع عبدالرحيم الزوي في دورة سيدني 2000، عندما أحرز برونزية رفعات القوة لفئة الرجال فوق 100 كيلوغرام، بعد رفعه 235 كيلوغرامًا. وبعد أكثر من ربع قرن، لم تضف ليبيا ميدالية بارالمبية أخرى إلى سجلها.
ومع ذلك، تظهر الإنجازات عندما تتوفر الفرصة؛ فقد سجل البطل البارالمبي محمود رجب رقمًا قياسيًا في بطولة العالم لألعاب القوى البارالمبية 2025.
كما حقق منتخب الأولمبياد الخاص الليبي لكرة القدم الموحّدة، المكوّن من لاعبين من ذوي الإعاقة الذهنية، لقبًا عالميًا في باريس 2026. وتكشف هذه الإنجازات أن المشكلة ليست في الرياضي الليبي أو في غياب المواهب، بل في غياب المنظومة القادرة على اكتشافها ودعمها وتمويلها وحماية مستقبلها.
ويتكرر المشهد حاليًا في دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط «تارانتو 2026» المقامة في إيطاليا، حيث شاركت ليبيا ببعثة محدودة تضم تسعة رياضيين فقط في أربع ألعاب، هي ألعاب القوى والقوس والسهم والكرة الحديدية والمبارزة. وحتى تاريخ كتابة هذا المقال، لا تزال ليبيا بلا أي ميدالية: لا ذهبية ولا فضية ولا برونزية، رغم وصول فريق الكرة الحديدية إلى مباراة تحديد المركز الثالث قبل خسارته أمام إيطاليا بنتيجة 7–6.
ويجب الانتباه إلى أن ألعاب البحر الأبيض المتوسط ليست في مستوى الألعاب الأولمبية أو بطولات العالم؛ فهي دورة إقليمية تقتصر على دول حوض المتوسط، وتستخدمها بعض الدول الكبرى لاختبار الرياضيين الشباب ومنح الفرصة لأسماء من الصف الثاني، بدل إشراك جميع نجومها الأولمبيين. أما الدول التي لا تمتلك قاعدة رياضية واسعة، فمن المفترض أن تدفع بأفضل عناصرها المتاحة للاستفادة من الدورة وقياس مستوى إعدادها.
لهذا تصبح الحصيلة الليبية أكثر إثارة للقلق؛ فإذا عجز أفضل ما نملكه عن المنافسة على الميداليات في دورة إقليمية لا تشارك فيها بعض الدول الأوروبية بكامل قوتها، فكيف سننافس في الألعاب الأولمبية وبطولات العالم، حيث تحضر الصفوة العالمية وتكون المعايير الفنية أعلى بكثير؟
حدث ذلك بحضور وزير الرياضة فؤاد برغش، الذي شارك في مراسم الافتتاح، وزار البعثة، وعقد على هامش الدورة عددًا من اللقاءات مع مسؤولين رياضيين من دول أخرى. ولا تزال المنافسات مستمرة حتى 3 سبتمبر 2026، ولذلك لا يمكن إصدار حكم نهائي قبل اختتامها؛ لكن الحصيلة الحالية تظل مؤشرًا مقلقًا على الفجوة بين الحضور البروتوكولي والجاهزية الفنية.
فوجود الوزير في المدرجات والتقاط الصور مع البعثة لا يعوض ضعف الإعداد، ولا يكفي لصناعة ميدالية أو بناء رياضة قادرة على المنافسة. والاختبار الحقيقي ليس عدد الاجتماعات والزيارات، بل موقع الرياضي الليبي عندما يواجه منافسين من الصفين الأول والثاني، والنتيجة التي يعود بها إلى بلاده.
لم يعد السؤال: من هو وزير الرياضة؟ الوزير هو الدكتور فؤاد برغش، وقد أعلن بنفسه خطة للمئة يوم. لذلك أصبح من حق الرياضيين والجمهور مطالبته بتقرير علني يوضح ما نُفذ فعليًا من الخطة، وميزانية الوزارة وكيفية توزيعها، وقيمة الدعم المقدم للأندية، ومصادر تمويل الصفقات، والمشروعات التي بدأت على الأرض ونسب إنجازها، وخطة تطوير المنتخبات والناشئين والرياضة المدرسية والنسائية والبارالمبية.
ليبيا لا تحتاج إلى وزير يكتفي باستقبال رؤساء الاتحادات والتقاط الصور معهم، بل إلى وزير يتحمل المسؤولية ويحوّل الاجتماعات إلى قرارات، والقرارات إلى برامج ممولة، والبرامج إلى نتائج قابلة للقياس.
فنجاح الوزير لا يُحسب بعدد الاجتماعات والزيارات ومذكرات التفاهم، بل بعدد الملاعب التي أُنجزت، والرياضيين الذين تأهلوا، والمواهب التي اكتُشفت، والميزانيات التي نُشرت، والنتائج التي تحققت باسم ليبيا على أرض الواقع
