Loading... | ... | 00:00

«أن تكوني الأولى»… قراءة نقدية في أولى حلقات بودكاست نجلاء المنقوش

مشاركة

 أطلقت وزيرة الخارجية الليبية السابقة نجلاء المنقوش أولى حلقات بودكاستها الجديد «Sulha Edge»، متحدثة عن معنى أن تكون أول امرأة تتولى وزارة الخارجية في ليبيا، وما صاحب تجربتها من ضغوط ومقاومة وسوء فهم داخل بيئة سياسية اعتادت أن يحتكر الرجال مواقعها القيادية.

افتتحت المنقوش الحلقة بفكرة لافتة: أن تكون الأول لا يعني أن الباب يُفتح أمامك، بل أن تكون أول من يكتشف مدى ثقله. وقدمت نفسها بوصفها امرأة دخلت مؤسسة سياسية لم تكن مستعدة لتقبل اختلافها، معتبرة أن صراحتها وطريقة حضورها جرى تفسيرهما أحيانًا باعتبارهما تهديدًا أو طموحًا يتجاوز حدود منصبها.

هذا جانب حقيقي يستحق النقاش؛ فالنساء في المواقع القيادية غالبًا ما يخضعن لمراقبة مضاعفة، ويُحكم على مظهر

هن وطريقة حديثهن قبل تقييم نتائج عملهن. لكن الحلقة قدمت الخلافات التي واجهتها المنقوش من زاوية التمييز وسوء الفهم أساسًا، من دون التوقف بما يكفي عند الخلافات السياسية والإدارية المتعلقة بالصلاحيات وصنع السياسة الخارجية.

من وزيرة سابقة إلى مستشارة دولية

لا يمكن فصل الحلقة عن المشروع الجديد الذي يحمل الاسم نفسه. فموقع «Sulha Edge» لا يقدم نفسه كمنصة إعلامية مستقلة أو مركز أبحاث، بل كعلامة استشارية شخصية تقودها المنقوش، وتعرض من خلالها الاستشارات الاستراتيجية، وورش العمل التنفيذية، والمحاضرات، إلى جانب البودكاست.

وبذلك تؤدي الحلقة الأولى وظيفة تعريفية وتسويقية واضحة؛ إذ تعيد تقديم المنقوش مهنيًا بعد تجربتها الحكومية: من وزيرة سابقة إلى مستشارة ومتحدثة تقدم خبرتها السياسية والدبلوماسية لقادة الأعمال والمؤسسات العاملة في البيئات المعقدة.

هذا الانتقال مشروع، لكنه يفرض التمييز بين الشهادة الشخصية والتحليل المستقل. فما تقوله المنقوش يمثل روايتها الخاصة لتجربتها، وليس مراجعة محايدة وموثقة لكل الوقائع التي أحاطت بعملها الوزاري.

الثقة وحدها لا تصنع قيادة

ظهرت المنقوش في الحلقة بثقة كبيرة في نفسها، واستشهدت بأنغيلا ميركل ومارغريت تاتشر. لكن، مع كامل الاحترام لتجربتها، تظل المقارنة بهما كبيرة جدًا.

قوة القيادات النسائية لا تُقاس بالظهور الواثق أو الخطاب الملهم فقط، بل بالثقافة السياسية، والكاريزما، وقوة المواقف، والقدرة على اتخاذ القرارات وتحمل نتائجها أمام المؤسسات والرأي العام.

ميركل فرضت حضورها أمام أقوى قادة العالم من خلال سنوات من القرارات والمفاوضات وإدارة الأزمات. وكان احترامها نابعًا من ثباتها وكفاءتها وقدرتها على الدفاع عن خياراتها، لا من حديثها عن كونها امرأة في موقع القيادة.

أما تاتشر، وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع سياساتها، فقد ارتبط اسمها بقرارات حاسمة تحملت مسؤوليتها السياسية.

لذلك فإن الاستشهاد بهما يضع على المنقوش سؤالًا مهمًا: هل أظهرت المستوى نفسه من الوضوح وتحمل المسؤولية عندما واجهت أزماتها السياسية الكبرى؟

مؤتمر طرابلس: إنجاز لا يروي القصة كاملة

قدمت المنقوش مؤتمر دعم استقرار ليبيا، الذي عُقد في طرابلس سنة 2021، بوصفه إنجازًا دوليًا لم يُحتفَ به، بل أعقبه قرار من المجلس الرئاسي بإيقافها.

تنظيم المؤتمر داخل طرابلس بعد سنوات الحرب والانقسام كان بالفعل إنجازًا سياسيًا ولوجستيًا يستحق الاعتراف، وكانت المنقوش جزءًا أساسيًا منه. لكن قرار إيقافها لم يُعلن رسميًا باعتباره عقابًا على نجاح المؤتمر، بل بسبب اتهامها بإدارة السياسة الخارجية من دون التنسيق مع المجلس الرئاسي.

في المقابل، رفضت حكومة الوحدة القرار، وقالت إن صلاحية إيقاف الوزراء تعود إلى رئيس الحكومة. وبذلك كانت الواقعة جزءًا من نزاع مؤسسي حول الصلاحيات، وليس من الدقة اختزالها بالكامل في معاقبة امرأة لأنها نجحت.

قد يكون للتمييز ضد المرأة أثر في حجم الهجوم الذي تعرضت له وطريقته، لكن إثبات ذلك يحتاج إلى قرائن تتجاوز تفسير صاحبة التجربة.

لقاء روما: الاختبار الحقيقي للخطاب

المشكلة الأساسية في الحلقة ليست فيما قالته المنقوش، بل فيما تجنبت الحديث عنه: لقاء روما مع وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين سنة 2023، وما تبعه من احتجاجات وإيقافها عن العمل ومغادرتها ليبيا.

عندما أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة أن اللقاء جرى من دون علمه، فإنه تبرأ سياسيًا من المنقوش وتركها وحدها في مواجهة الغضب الشعبي والتداعيات القانونية والسياسية.

وبلغة سياسية مباشرة، جُردت المنقوش من الغطاء الحكومي الذي كان يفترض أن يحميها إذا كان اللقاء جزءًا من مسار رسمي. وظهرت أمام الرأي العام كأنها تصرفت بمفردها، بينما احتفظت الحكومة لنفسها بموقع الطرف الذي فوجئ بما حدث.

كان ذلك مساسًا قاسيًا بمكانتها وكرامتها السياسية. ومع ذلك، لم تقدم المنقوش حتى اليوم رواية كاملة تجيب عن الأسئلة الأساسية:

من أعطى التعليمات؟ ومن كان على علم؟ ومن رتب اللقاء؟ وهل كان جزءًا من مسار سياسي أوسع؟ ولماذا اختيرت روما؟ ولماذا تبرأت الحكومة منه؟ وما الأسباب الحقيقية التي أدت إلى إقالتها ومغادرتها ليبيا؟

لا يمكن الجزم بوجود صفقة أو تفاهم غير معلن، لأن ذلك يحتاج إلى أدلة. لكن صمت المنقوش وتضارب الروايات خلقا هذا الانطباع لدى جزء من الرأي العام. وهذا انطباع سببه غياب الشفافية، وليس حقيقة مؤكدة.

لو كانت المنقوش تطمح إلى إعادة تقديم نفسها بوصفها قيادية سياسية دولية، فإن كشف تفاصيل لقاء روما سيكون أكثر إقناعًا من الخطب التي تتحدث عن الثقة بالنفس والقيادة تحت الضغط.

فالقائد لا يُختبر عند الحديث عن نجاحاته، بل عندما يجد نفسه أمام أزمة كبيرة ويصبح قول الحقيقة مكلفًا.

القيادة تُقاس أيضًا بجودة الإدارة والاختيارات

لا تقتصر مراجعة تجربة المنقوش على أزمة روما أو خطابها السياسي، بل تشمل أيضًا طريقة إدارة وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية خلال فترة توليها المنصب.

لا أريد إطلاق اتهام عام بالفساد من دون تحديد المسؤوليات والأدلة، لكن من الصعب تجاهل مؤشرات سوء الإدارة والرقابة. فقد رصد تقرير ديوان المحاسبة عن سنة 2022 تسع عشرة مخالفة وملاحظة في نفقات وزارة الخارجية، شملت قصور أداء المراقب المالي، وتأخر عدد من السفارات والبعثات في إحالة تقارير مصروفاتها وتسوية حساباتها، وتضخم أعداد العاملين بعقود محلية، ومخالفات مرتبطة بالتكليف والإيفاد.

كما طالب ديوان المحاسبة الوزارة خلال فترة المنقوش بالحد من قرارات الإيفاد التي تتجاوز الملاكات الوظيفية المعتمدة، والالتزام بالقوانين المنظمة للعمل الدبلوماسي.

وهذا يطرح سؤالًا مشروعًا حول كثرة الوفود والسفريات الخارجية: ما الذي كان ضروريًا منها فعلًا؟ وما النتائج التي عادت بها على ليبيا؟ وهل كانت الأولويات الدبلوماسية متناسبة مع دولة تعاني أزمة مالية وإدارية وانقسامًا مؤسسيًا؟

السفر جزء طبيعي من عمل وزير الخارجية، ولا يصح اعتباره مخالفة في ذاته. لكنه يصبح موضع نقد عندما لا تقابله نتائج معلنة، وتقارير إنجاز، واتفاقات قابلة للقياس، وشفافية في تكاليف الوفود وأعداد المشاركين.

قضية أمل الجراري ومسؤولية الاختيار

تبرز كذلك قضية سفيرة ليبيا السابقة لدى بلجيكا أمل الجراري، التي احتفت المنقوش بتعيينها وأعلنت دعمها باعتباره خطوة لتعزيز حضور المرأة في العمل الدبلوماسي.

لكن الجراري أُعفيت لاحقًا، ثم انتهت القضية إلى حكم قضائي بسجنها سبع سنوات بعد إدانتها بالاستيلاء على المال العام، مع تغريمها ضعف المبلغ محل القضية.

المسؤولية الجنائية تقع على من ارتكب الفعل، ولا يجوز تحميل المنقوش تلقائيًا جريمة شخص آخر. كما أن تعيين السفراء لا يصدر بقرار فردي من وزير الخارجية وحده.

لكن دعمها العلني للجراري يجعل الواقعة جزءًا مشروعًا من تقييم قدرتها على اختيار الشخصيات التي دفعت بها، ومتابعة أدائها، وبناء منظومة رقابة تمنع إساءة استخدام المال العام داخل السفارات.

دعم النساء في المناصب القيادية أمر مهم، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة من التقييم. تمكين المرأة الحقيقي لا يقوم على التعيين والاحتفاء الإعلامي فقط، بل على اختيار الأكفأ، ومراقبة الأداء، والمحاسبة عند ظهور المخالفات، بغض النظر عن جنس المسؤول.

ماذا عن مسؤوليتها داخل حكومة الوحدة؟

قبلت المنقوش أن تكون جزءًا أساسيًا من حكومة الوحدة الوطنية، وهي حكومة أحاطت بها تقارير رقابية متكررة ومؤشرات واسعة على سوء الإنفاق وضعف الشفافية والتجاوزات الإدارية.

وهنا يظهر سؤال لا يمكن تجاهله: كيف تقدم نفسها اليوم نموذجًا للقيادة والحوكمة، من دون مراجعة صريحة لمسؤوليتها الجماعية عن العمل داخل حكومة كانت تعرف حجم مشكلاتها؟

ليس المطلوب تحميل المنقوش جميع مخالفات الحكومة، أو الادعاء بأنها كانت تستطيع إصلاح الدولة وحدها. لكن القيادية الحقيقية توضح للرأي العام: ما الذي حاولت إصلاحه؟ وما الذي اعترضت عليه؟ وما القرارات التي رفضتها؟ وهل فكرت في الاستقالة عندما اكتشفت أن المنظومة لا تتوافق مع المبادئ التي تتحدث عنها؟

وجودها داخل حكومة تعاني هذه الاختلالات لا يثبت تورطها الشخصي في الفساد، لكنه يجعلها جزءًا من المسؤولية السياسية والإدارية. ولا يمكن بناء سردية كاملة عن الشجاعة والقيادة بالحديث عن النجاحات والتمييز فقط، ثم تجاوز ضعف الإدارة، واختيارات المسؤولين، وملاحظات الأجهزة الرقابية.

القيادة موقف وليست صورة

المرأة القيادية لا ينبغي أن تُحاسب أكثر من الرجل لأنها امرأة، لكنها كذلك لا ينبغي أن تُعفى من التدقيق لأن النقد قد يُفسر باعتباره هجومًا على نجاحها النسائي.

المساواة الحقيقية تعني أن نقيم الأداء بمعايير واضحة: ماذا تحقق؟ وما الذي فشل؟ وكيف أُدير المال العام؟ ومن اتخذ القرارات؟ ومن كان يعلم؟ وما المعلومات التي لا تزال محجوبة عن الجمهور؟

جاءت الحلقة قصيرة وواضحة، لكنها اعتمدت على اللغة التحفيزية أكثر من تقديم دروس حقيقية في الدبلوماسية والتفاوض وإدارة الأزمات. وإذا كان «Sulha Edge» يريد أن يكون مشروعًا جادًا في هذا المجال، فإن لقاء روما، وإدارة وزارة الخارجية، واختيار المسؤولين، والعلاقة بحكومة الوحدة، هي الاختبارات الأهم لمصداقيته.

الثقة أمام الميكروفون مهمة، لكنها ليست دليلًا كافيًا على القيادة. القيادة موقف، وشفافية، وجودة إدارة، وحماية للمال العام، وتحمل للمسؤولية، وشجاعة في قول الحقيقة عندما يكون ثمنها غاليًا.

فالقيادة ليست فقط أن تكون الأول في فتح الباب، بل أن تمتلك الشجاعة للعودة إلى ما حدث خلفه وكشف الحقيقة كاملة أمام الناس.

مشاركة المقال

 


شارك
✓ تم نسخ النص