قبل الدخول في صلب هذا المقال، أقولها بوضوح: أنا لست من «الذباب الإلكتروني»، ولست محسوبًا على أي طرف سياسي أو حكومة موازية. هذه التهمة أصبحت شماعة جاهزة تُستخدم ضد كل من ينتقد حكومة الوحدة الوطنية، بدل الرد على ما يطرحه من وقائع وأرقام وأسئلة مشروعة.
أنا مدوّن منذ عام 2007 تقريبًا، ومواقفي معروفة، على الأقل في مجال الدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وقضايا الوصول والعدالة الاجتماعية. لم أبدأ الكتابة اليوم، ولم أكتشف الشأن العام بسبب خلاف عابر مع مسؤول. وعندما أنتقد الحكومة، فإنني أفعل ذلك بصفتي مواطنًا ومدونًا يرى أثر سياساتها في حياة الناس، وبصفتي شخصًا من ذوي الإعاقة يعرف جيدًا أن انقطاع الكهرباء وتدهور الخدمات وغياب الدولة ليست مجرد أخبار عابرة، بل قد تتحول إلى تهديد مباشر للحياة والاستقلال والكرامة.
لست بحاجة إلى توجيه من أحد حتى أرى طوابير الوقود، أو أشعر بانقطاع الكهرباء، أو ألاحظ تراجع قيمة الدينار وارتفاع الأسعار وانهيار القدرة الشرائية. ومن يريد مناقشة ما أكتب، فليواجه الوقائع بالحجة والوثيقة، لا باتهامات التخوين والتصنيف الجاهز.
ومن المهم تصحيح المدة أولًا: تولّى عبدالحميد الدبيبة رئاسة حكومة الوحدة الوطنية في 15 مارس 2021، ولذلك فإن الحديث حتى أغسطس 2026 هو عن نحو خمس سنوات ونصف، وليس ست سنوات كاملة. لكن هذا التصحيح لا يخفف حجم المسؤولية؛ فخمس سنوات ونصف مدة كافية للحكم على أداء أي حكومة، خصوصًا حكومة جاءت بصفة مؤقتة وبمهمة محددة تتمثل في توحيد المؤسسات وتهيئة البلاد للانتخابات.
كان يُفترض أن تكون حكومة الدبيبة جسرًا قصيرًا يعبر بالليبيين إلى دولة منتخبة، فإذا بالجسر يتحول إلى سلطة مفتوحة بلا موعد للنهاية. تعثرت انتخابات ديسمبر 2021، وبقي الدبيبة في منصبه، بينما استمر الانقسام وتكرّست حكومتان ومركزان للإنفاق والنفوذ. وحتى يونيو 2026 ظل مجلس الأمن يتحدث عن الانقسام الذي أعقب تأجيل تلك الانتخابات. وهذه وحدها علامة فشل سياسي لا يمكن إخفاؤها بحفل افتتاح أو طريق مرصوف أو حملة إعلامية ممولة. مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة
كان الأجدر بعبدالحميد الدبيبة أن يخرج إلى الليبيين، لا بخطاب جديد عن «الإنجازات» و«عودة الحياة»، بل بصفته المسؤول الأول عن حكومة تدير الجزء الأكبر من مؤسسات الدولة وإيراداتها، وأن يعترف بأنه فشل في الوصول إلى الانتخابات، وأن مؤسسات الدولة بقيت منقسمة، وأن الحكومة المؤقتة تحولت إلى سلطة تتمسك بالبقاء.
كان عليه أن يعترف بأن طوابير الوقود عادت إلى العاصمة ومدن المنطقة الغربية رغم أن ليبيا دولة نفطية، وأن الكهرباء انهارت لساعات طويلة، وأن المواطنين خرجوا في طرابلس ومصراتة والزاوية احتجاجًا على الانقطاعات، حتى وصل الغضب إلى اقتحام منشآت للطاقة والمطالبة برحيل الحكومة. وكالة أسوشيتد برس
وكان عليه أن يعترف بأن قيمة الدينار تراجعت رسميًا بنسبة 13.3% في أبريل 2025، ثم خُفضت مجددًا بنسبة 14.7% في يناير 2026. وفي 26 أغسطس 2026 بلغ متوسط السعر الرسمي للدولار نحو 6.34 دنانير، قبل إضافة الرسوم أو الضرائب المفروضة على بيع النقد الأجنبي، بعدما كان السعر الرسمي يقارب 4.48 دنانير عند وصول الحكومة. سياسة سعر الصرف مصرف ليبيا المركزي وأسعار الصرف الرسمية
كان عليه أيضًا أن يعترف بأن القوة الشرائية للمواطن تآكلت، بينما واصلت الحكومة الحديث عن «عودة الحياة»، وكأن حياة الليبي تُقاس بعدد الجسور والاحتفالات، لا بما يستطيع راتبه شراءه في نهاية الشهر. هذه هي الحقيقة التي يستحق الليبيون سماعها، لكن الاعتراف يحتاج إلى رجل دولة يمتلك شجاعة تحمّل المسؤولية، والدبيبة، في تقديري، لم يُظهر هذه الشجاعة.
يحاول الخطاب الحكومي باستمرار تقديم الدبيبة كأنه رجل يعمل وسط عراقيل لا علاقة له بها، مثل الانقسام ومجلس النواب والحكومة الموازية والمجموعات المسلحة وإغلاق النفط وأزمات المصرف المركزي. ولا شك في أن المسؤولية عن انهيار ليبيا موزعة بين سلطات الشرق والغرب، وبين أجسام سياسية وعسكرية ومالية متعددة، لكن وجود شركاء آخرين في الفشل لا يعفي الدبيبة من مسؤوليته.
الدبيبة ليس مراقبًا محايدًا، بل رئيس حكومة منذ أكثر من خمس سنوات، يعيّن الوزراء ورؤساء عدد كبير من المؤسسات، ويشرف على إنفاق ضخم، ويتولى بنفسه حقيبة الدفاع، ويملك سلطة سياسية ومالية وإعلامية واسعة في غرب البلاد. لذلك لا يمكنه أن ينسب إلى نفسه كل مشروع ناجح، ثم يتبرأ من كل أزمة ويلقي بها على خصومه.
لا تستطيع أن تكون صاحب الإنجاز عندما تُفتتح الطرق، ثم تتحول إلى مجرد متفرج عندما ينقطع التيار وتتراجع العملة وتصطف السيارات أمام محطات الوقود. إما أنك تحكم فتتحمل المسؤولية، أو أنك عاجز فتتنحى وتمنح الليبيين فرصة البحث عن بديل. أما الجمع بين السلطة والعجز، وبين البقاء والتهرب، فهو من أسوأ أشكال الحكم.
وتكشف الأرقام أن الأزمة أعمق من نقص الوقود أو انقطاع الكهرباء. فقد ذكر صندوق النقد الدولي أن فاتورة مرتبات القطاع العام بلغت في 2024 نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي، وما يقارب نصف الإنفاق الجاري، ما يجعلها من أعلى فواتير الأجور الحكومية في العالم. كما وصف الصندوق هيمنة التوظيف العام وسوء الحوكمة وصعوبة الحصول على التمويل والعملات الأجنبية بأنها عوائق أساسية أمام نمو الاقتصاد الليبي. صندوق النقد الدولي
هذه ليست مجرد مشكلة فنية تركتها الحكومات السابقة، بل منظومة واصلت حكومة الدبيبة توسيعها من خلال تعيينات ووزارات ومؤسسات ومناصب تُستخدم لتوزيع النفوذ وشراء الرضا، بدل بناء إدارة عامة فعالة.
وفي عام 2024 بلغ إنفاق الحكومتين المتنافستين مجتمعتين 224 مليار دينار، بينما وصل الدين العام إلى 270 مليار دينار، وسط تحذيرات من إمكانية تجاوزه 330 مليارًا بسبب غياب ميزانية وطنية موحدة وضوابط حقيقية للإنفاق. رويترز
فأي «عودة للحياة» هذه إذا كانت العملة تفقد قيمتها، والدين يتضخم، والإنفاق يتزايد، والوظائف تُوزع دون إنتاجية، والاقتصاد ما زال ينتظر سعر برميل النفط؟ المشروع الذي لا يغيّر بنية الاقتصاد ولا يحسّن الخدمات بصورة مستدامة قد يكون مقاولة ناجحة، لكنه ليس بناء دولة.
الوطنية المطلوبة من قائد بلد يقف على حافة الانهيار ليست أن يرفع العلم في خطاب أو يكرر عبارة «ليبيا للجميع». الوطنية موقف ومسؤولية، وتعني تقديم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية عندما تتعارضان
الوطنية تعني أن تضع موعدًا واضحًا لمغادرة السلطة، وأن تقبل برقابة حقيقية على الإنفاق العام، وأن تكشف العقود وتكاليفها ومصادر تمويلها. وتعني أن تنهي التعيينات القائمة على الولاء العائلي والمناطقي والسياسي، وأن تبني أجهزة أمنية تابعة للدولة، بدل أن تتحول الدولة إلى طرف يتفاوض مع المجموعات المسلحة على مساحة سلطتها.
الوطنية تعني أن تقول للناس الحقيقة، حتى عندما تكون مؤلمة، لا أن تنفق المال العام لتصنع لهم واقعًا افتراضيًا مزينًا. أما الإصرار على البقاء، وتحويل الحكومة المؤقتة إلى سلطة دائمة، واستخدام المشروعات والمال العام والإعلام لترسيخ النفوذ، فهو، في تقديري، سلوك يفتقر إلى المسؤولية الوطنية التي تقتضيها قيادة بلد يكاد يفقد ما بقي من دولته. من يحب وطنه لا يتمسك بكرسيه بينما الوطن ينهار تحته.
قد تكون الحكومة قد أنجزت طرقًا وجسورًا ومدارس ومرافق، وإنكار أي مشروع نُفذ بالفعل ليس نقدًا موضوعيًا. لكن وظيفة الحكومة ليست أن تقدم هذه المشروعات باعتبارها منّة شخصية من رئيسها، فهذه أموال الليبيين وحقوقهم الطبيعية.
المعيار الحقيقي ليس عدد المشروعات والصور، بل ما إذا كان المواطن أصبح أكثر أمنًا، وتحسنت قيمة دخله، وانتهت أزمة السيولة، وأصبح يحصل على الوقود والكهرباء والدواء دون إذلال. والمعيار هو ما إذا كان نفوذ السلاح خارج الدولة قد تقلص، وأصبحت المؤسسات أكثر وحدة وشفافية، واقتربت البلاد فعلًا من الانتخابات وتداول السلطة.
إذا كانت الإجابة عن معظم هذه الأسئلة هي «لا»، فلا معنى لكل حملات العلاقات العامة. المواطن لا يأكل الصور، ولا يشحن كرسيه الكهربائي بالوعود، ولا يعالج أبناءه بخطابات الإنجاز.
ومن باب الإنصاف، بقي في غرب ليبيا خلال سنوات حكومة الدبيبة هامش ملحوظ لانتقاد الحكومة ورئيسها عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل، ولم تتمكن الحكومة من إغلاق المجال العام بالكامل أو فرض رواية سياسية واحدة على الجميع. وهذه نقطة يمكن أن تُحسب لها نسبيًا.
لكنني لا أعتقد أن هذا الهامش ناتج بالكامل عن إيمان راسخ بحرية التعبير؛ فغرب ليبيا لا يخضع لقوة واحدة تحتكر القرار السياسي والأمني والإعلامي، بل توجد فيه مراكز نفوذ وتشكيلات متعددة، ما يجعل السيطرة الكاملة على المجال العام أكثر صعوبة.
ويكفي للمقارنة النظر سريعًا إلى شرق ليبيا، حيث تتركز القوة في يد حفتر، ويكاد النقد العلني له داخل الإعلام المحلي يكون غائبًا. لكن هذا المقال ليس عن الشرق، والمقارنة هنا توضح فقط أن تعدد القوى في الغرب قد يكون أحد أسباب استمرار هامش النقد.
لذلك، ما نملكه ليس بالضرورة حرية تعبير راسخة تحميها دولة القانون، بل مساحة هشة نشأت جزئيًا نتيجة توازن القوى وعجز أي جهة عن فرض سيطرة كاملة. ومع ذلك، يبقى وجود هذه المساحة أفضل من انعدامها. فالامتحان الحقيقي لحرية التعبير ليس أن تسمح السلطة بالنقد عندما تعجز عن منعه، بل أن تحمي حق منتقديها عندما تصبح قادرة على إسكاتهم.
ولا تزال البيئة العامة في ليبيا خطرة على الصحفيين والنشطاء؛ فقد دعت بعثة الأمم المتحدة في مايو 2026 إلى إنهاء الاحتجاز التعسفي والمضايقات والاعتداءات الإلكترونية والميدانية وسوء استخدام القوانين ضد أصحاب الرأي. كما جاءت ليبيا في المرتبة 138 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026. بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ومراسلون بلا حدود
إذن، وجود مساحة لانتقاد الدبيبة نقطة إيجابية تستحق الذكر، لكنها لا تكفي للقول إن الحكومة بنت منظومة حقيقية تحمي حرية التعبير.
وبعد خمس سنوات ونصف، لم يعد مقبولًا أن يتحدث الدبيبة كأنه وصل إلى الحكم بالأمس، أو أن يطلب وقتًا إضافيًا وكأن السنوات الماضية كانت مجرد فترة تجريبية. كان عليه أن يعترف بأنه فشل في إنجاز المهمة الانتقالية، ولم يوحّد الدولة، ولم يوصل البلاد إلى الانتخابات، ولم يحمِ الدينار، ولم يوقف تضخم الإنفاق والتوظيف العشوائي، ولم يبنِ منظومة أمنية تحتكر فيها الدولة السلاح، ولم يوفر خدمات تليق بدولة نفطية غنية.
هذا الاعتراف لا يحل الأزمة وحده، لكنه يمثل الحد الأدنى من احترام عقول الليبيين. أما الاستمرار في صناعة الإنجازات الإعلامية، بينما يواجه الناس الظلام والغلاء والطوابير والخوف، فليس تفاؤلًا ولا قيادة، بل إنكار للواقع واستهانة بمعاناة المواطنين.
لقد أصبح الدبيبة جزءًا أساسيًا من الأزمة التي يزعم إدارتها. والمسؤول الذي لا يستطيع الإصلاح، ولا يعترف بالفشل، ولا يقبل الرحيل، لا يعود رجل مرحلة انتقالية، بل يتحول إلى أحد أسباب استمرار المرحلة وتعفنها.
ومع كامل احترامي لعبدالحميد الدبيبة كإنسان، فإن تصريحاته وطريقة تعامله مع الأزمات تعطيان انطباعًا بأنه شخص بسيط، ذو ثقافة سياسية وإدارية عادية، وأن مسؤولية إدارة دولة معقدة ومنقسمة مثل ليبيا أكبر من إمكاناته وخبرته وقدرته على استيعاب حجم المرحلة.
هذا ليس انتقاصًا من كرامته الشخصية، بل تقييم لأدائه العام. فقد يكون مناسبًا لإدارة مؤسسة أو مشروع أو قطاع يفهم تفاصيله، لكن قيادة دولة تقف على حافة الانهيار تحتاج إلى ما هو أكبر بكثير من إدارة المشروعات وتوزيع الوعود وافتتاح الطرق.
ليبيا تحتاج إلى شخصية براغماتية ومثقفة سياسيًا، تمتلك رؤية للدولة وقدرة على فهم الاقتصاد والعلاقات الدولية والتوازنات الاجتماعية. والأهم من ذلك، تحتاج إلى قائد لديه حس وطني يضع مستقبل البلاد فوق البقاء في السلطة، وفوق مصالح العائلة والمقربين ومراكز النفوذ.
رئاسة الحكومة ليست منصبًا للتجربة، ولا فرصة للتعلم أثناء وجود البلاد في قلب الأزمة. إنها مسؤولية تاريخية تحتاج إلى رجل دولة يعرف متى يقرر، ومتى يعترف، ومتى يتراجع، ومتى يرحل.
والدبيبة، بعد خمس سنوات ونصف، لم يثبت أنه رجل الدولة الذي تحتاجه ليبيا في هذه المرحلة. قد يكون إداريًا ناجحًا في نطاق محدود، لكنه لم ينجح في إدارة وطن ممزق، ولم يقدم مشروعًا حقيقيًا لتوحيده، ولم يُظهر استعدادًا لتحمل مسؤولية الفشل أو إفساح المجال أمام بديل.
المشكلة ليست في بساطة الإنسان، فالبساطة قد تكون صفة جميلة. المشكلة أن يوضع شخص بإمكانات محدودة أمام مسؤولية تفوق قدراته، ثم يتمسك بها بينما يدفع شعب كامل ثمن هذا العجز.
ومع كل الاحترام لشخصه، فإن ليبيا اليوم لا تحتاج إلى مدير مشروعات، ولا إلى صانع صور وشعارات؛ بل تحتاج إلى رجل دولة مثقف، براغماتي، شجاع، وصاحب حس وطني حقيقي. والدبيبة، وفق ما قدمه حتى الآن، ليس ذلك الرجل.
التاريخ لن يسأل عبدالحميد الدبيبة عن عدد الجسور التي افتتحها، ولا المؤتمرات التي حضرها، ولا المرات التي تحدث فيها عن «عودة الحياة». سيسأله: ماذا فعلت بالفرصة التي مُنحت لك لتوحيد ليبيا؟ وماذا تركت لليبيين بعد خمس سنوات ونصف من السلطة؟
اليوم لا يحتاج المواطن الليبي إلى خطاب جديد، ولا إلى شعار جديد، ولا إلى مقطع مصور بعناية. إنه يحتاج إلى دولة.
وإذا كان الدبيبة عاجزًا عن بنائها، فإن أبسط واجبات المسؤولية والوطنية أن يتوقف عن الادعاء بأنه فعل ذلك.
