Loading... | ... | 00:00

جنزور على البحر… لكن لمن أصبح هذا البحر؟

مشاركة

 


قبل سنة 2011، كنت نجلس في مقهى داخل قرية جنزور السياحية، نشرب كابتشينو على البحر ونستمتع بنسمات ريح البحري. كانت لحظة بسيطة وعادية، لم أكن أتصور يومًا أنها ستتحول إلى ذكرى عن مكان موجود جغرافيًا، لكنه لم يعد متاحًا لنا كما كان.

أنا من جنزور؛ مدينة نشأت على البحر الأبيض المتوسط، وكان البحر دائمًا جزءًا من ذاكرتها وهوية أهلها. لكنه أصبح اليوم قريبًا منا على الخريطة، وبعيدًا عنا في الواقع.

عدت من بريطانيا… فوجدت واقعًا أسوأ مما توقعت

مع نهاية يوليو من هذا العام، عدت إلى ليبيا بعد غربة في بريطانيا وأنا متحمس للعودة إلى بلادي وأهلي ومدينتي. كنت أعرف مسبقًا حجم المشكلات، ولم أكن عائدًا وأنا أتوقع أن أجد دولة مثالية. أعرف أزمة الكهرباء، وتراجع الخدمات، وسوء البنية التحتية، وكل ما يواجهه المواطن الليبي يوميًا.

لكنني، بصراحة، لم أتوقع أن يكون الواقع بهذا السوء.

وجدت انقطاعات كهرباء تستمر لساعات طويلة، وتصل أحيانًا إلى 13 ساعة أو أكثر، في ظل درجات حرارة مرتفعة ورطوبة خانقة. وبالنسبة إلى شخص يستخدم كرسيًا متحركًا ويعتمد على الكهرباء لشحن كرسيه وأجهزته، فإن انقطاع التيار ليس مجرد إزعاج أو حرمان من جهاز التكييف؛ بل قد يتحول إلى مسألة تمس الحركة والاستقلال والسلامة.

في تلك الساعات الثقيلة، يصبح البحر القريب فرصة طبيعية للهروب من الحر والرطوبة وانقطاع الكهرباء. لكن المفارقة أنني أعيش في مدينة ساحلية، ولا أجد مرفقًا بحريًا عامًا ومهيأ يمكنني الوصول إليه بكرسيي والاستفادة منه بأمان وكرامة.

عندها عادت إلى ذاكرتي صورة ذلك المقهى في قرية جنزور: فنجان الكابتشينو، وصوت البحر، ونسمة البحري. لم تكن تلك رفاهية كبيرة، بل كانت صورة طبيعية لعلاقة أهل المدينة بساحلهم. أما اليوم، فأصبحت حتى هذه اللحظة البسيطة تبدو كأنها تنتمي إلى زمن بعيد.

بقي البحر وغابت المرافق

قبل 2011، كانت قرية جنزور السياحية إحدى أبرز الواجهات البحرية والترفيهية في المنطقة. لم تكن مجرد قطعة شاطئ، بل فضاءً منظمًا تقصده العائلات وتلتقي فيه المدينة بالبحر.

أما اليوم، فقد بقي البحر وتراجعت المرافق، بينما أصبح جزء مهم من ساحل جنزور داخل مجمعات مغلقة ومحروسة، لا يستطيع المواطن العادي دخولها أو الاستفادة من خدماتها.

صحيح أن المنطقة ما زالت تضم بعض الشواطئ والمصايف المفتوحة، مثل مصيف جنزور العائلي، لكن تنظيف الشاطئ وإزالة الصخور قبل موسم الصيف لا يعوضان غياب مرفق عام متكامل تتوفر فيه النظافة والإنقاذ ودورات المياه وأماكن الجلوس والمواقف والخدمات العائلية، إضافة إلى مسارات ومرافق تتيح للأشخاص ذوي الإعاقة الوصول إلى البحر باستقلالية.

هنا تظهر المفارقة المؤلمة: داخل جنزور توجد مجمعات ساحلية مغلقة تتمتع بالحراسة والكهرباء والاتصالات والمساحات الخضراء والمرافق المتكاملة والوصول المنظم إلى البحر، بينما يقف كثير من سكان المنطقة خارج أسوارها، يبحثون عن مكان يحميهم من حر الصيف وانقطاع الكهرباء.

الأمم المتحدة داخل الأسوار

لا تقوم هذه التدوينة على الانطباعات وحدها. فوثائق المشتريات الرسمية للأمم المتحدة تذكر بوضوح أن مقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا موجود في قرية أويا بجنزور. كما سبق للبعثة أن أعلنت بحثها عن مقار إدارية وسكنية داخل ما وصفته بـ«المنطقة المعتمدة أمنيًا» في جنزور.

أما بالم سيتي، فهو مجمع سكني خاص تأسس قبل 2011، ويقدم نفسه رسميًا باعتباره الوجهة المفضلة لمجتمع المغتربين في طرابلس. ويضم أكثر من 400 وحدة سكنية، إلى جانب شاطئ ومسابح ومساحات خضراء ومرافق ترفيهية وطبية وتجارية، داخل مساحة مسوّرة ومحمية.

ومن باب الدقة، لا يوجد أمامنا ما يثبت أن الأمم المتحدة استولت بالقوة على هذه المواقع، كما أن بالم سيتي مشروع خاص وليس مرفقًا عامًا صادرته بعثة أجنبية. لكن الدقة القانونية لا تلغي السؤال السياسي والأخلاقي:

كيف أصبحت أفضل المساحات الساحلية في جنزور متاحة لمن يحمل صفة دبلوماسي أو موظف دولي أو مستأجر قادر على دفع التكاليف، بينما لا يجد ابن المنطقة مرفقًا بحريًا عامًا بالمستوى نفسه؟

ومن يحرس هذه المساحات داخل دولة مستقلة؟

المفارقة لا تتوقف عند إغلاق أجزاء من الساحل، بل تمتد إلى المشهد الأمني المحيط بهذه المجمعات.

عندما يشاهد المواطن داخل مدينته أجانب، أو جهات أمنية غير واضحة الصفة بالنسبة إليه، تتولى حماية فضاءات ليبية مغلقة، فمن الطبيعي أن يسأل: من منحها الإذن؟ وتحت إشراف أي جهة ليبية تعمل؟ وما حدود صلاحياتها؟ وهل تخضع للقوانين والرقابة الوطنية؟

وجود حماية لمقار البعثات الدبلوماسية والدولية أمر مفهوم، خصوصًا في ظل الظروف الأمنية التي مرت بها ليبيا. لكن الضرورة الأمنية لا ينبغي أن تتحول إلى واقع دائم تنشأ فيه جزر مغلقة داخل المدن، تتمتع بحماية وخدمات استثنائية، بينما لا يعرف المواطن طبيعة الاتفاقيات التي تحكمها أو الجهات التي تديرها وتراقبها.

في دولة مستقلة، يجب أن تبقى السيادة والمسؤولية الأمنية على الأرض بيد مؤسسات وطنية معلومة وخاضعة للقانون. وإذا كانت هناك شركات أمنية خاصة أو عناصر أجنبية تعمل داخل هذه المجمعات، فمن حق الليبيين معرفة الأساس القانوني لوجودها، والجهة التي تعاقدت معها، وطبيعة مهامها، ومن يراقب عملها.

الأمن لا يجوز أن يكون غطاءً لإنشاء مناطق غامضة ومنفصلة عن محيطها.

نحن لم نخرج في فبراير 2011، ولم يدفع الليبيون كل ذلك الثمن، حتى نستبدل مؤسسات الدولة بمناطق مغلقة يشعر المواطن أمام بواباتها كأنه الغريب، بينما يتمتع القادم من الخارج بالأمن والكهرباء والخدمات والبحر داخل أرض ليبية.

الثورة، مهما اختلف الليبيون في تقييم مسارها ونتائجها، رُفعت باسم الحرية والكرامة والسيادة، لا من أجل أن يرى المواطن أجزاءً من مدينته من خلف الأسوار والحراسة، من دون شفافية أو مساءلة.

وإذا كانت السلطات الليبية قد وافقت على هذه الترتيبات، فعليها أن تنشر حقيقتها وتشرح أسباب استمرارها أمام الناس.

مشهد يحمل ملامح استعمارية

لسنا أمام احتلال عسكري بالمعنى القانوني، ولا ينبغي أن ندّعي ذلك من دون أدلة. لكن النتيجة التي يراها المواطن تحمل ملامح مشهد استعماري: الأجنبي يعيش داخل منطقة خضراء محصنة، تتوفر فيها الخدمات والأمن والوصول إلى البحر، بينما يقف صاحب الأرض خارج أسوارها، وقد يقضي 13 ساعة أو أكثر من دون كهرباء في الحر والرطوبة.

الأمم المتحدة ليست مستأجرًا عاديًا يمكنه الاكتفاء بالقول إن وجوده يستند إلى عقد. إنها مؤسسة ترفع شعارات حقوق الإنسان والتنمية والعدالة والشراكة مع المجتمعات المحلية. ولذلك من حقنا أن نسألها: كيف تقبل بعثة تقول إنها جاءت لدعم ليبيا بأن تعمل من داخل فضاء مغلق ومنفصل عن المجتمع الذي يفترض أنها تساعده؟

وما الذي قدمته البعثة لجنزور، المنطقة التي تستضيف مقرها؟ هل ساهمت في تطوير مرفق عام؟ هل دعمت تهيئة شاطئ للأشخاص ذوي الإعاقة؟ هل وفرت فرص عمل معلنة وشفافة لأبناء المنطقة؟ وهل نشرت تفاصيل تعاقدها ومدته والجهة الليبية المستفيدة من عائداته؟

وجود عقد قد يجعل الإقامة قانونية، لكنه لا يجعل المشهد عادلًا. كما أن صمت الأمم المتحدة عن هذه المفارقة يجعل خطابها حول التنمية والشمول أقل إقناعًا أمام السكان الذين يرونها من خلف الحواجز الأمنية.

المطلوب ليس تعريض البعثات أو المقيمين الأجانب للخطر، ولا التحريض عليهم. المطلوب هو احترام السيادة وفرض الشفافية وتحقيق التوازن بين المتطلبات الأمنية وحقوق المجتمع المضيف.

الأمن والخدمات والقدرة على الوصول إلى البحر حقوق للجميع، وليست امتيازات كاملة داخل المجمعات المغلقة يقابلها الإهمال خارجها.

لكن المشكلة فينا أولًا

من السهل أن نلوم الأجانب، لكن ذلك قد يتحول إلى وسيلة للهروب من مسؤوليتنا. فالأجنبي لم يصنع هذا الواقع وحده، ولم يقم هذه الأسوار أو يشغل هذه المواقع من دون موافقات وترتيبات ليبية.

المسؤولية الأولى تقع على الدولة الليبية، وبلدية جنزور، والجهات التي أبرمت العقود أو وافقت على استمرارها، وكذلك على نخب المنطقة التي لم تجعل استعادة الساحل العام قضية محلية أساسية.

لهذا أسأل بلدية جنزور:

من يملك قرية أويا وقرية جنزور السياحية قانونيًا؟ ومن يديرهما اليوم؟ وما طبيعة عقد إشغال بعثة الأمم المتحدة لقرية أويا؟ ومن وافق عليه؟ وما مدة العقد وقيمته؟ وإلى أين تذهب عائداته؟

وهل تحصل بلدية جنزور وأهل المنطقة، مقابل استضافة هذه المؤسسات، على خدمات أو مشروعات تنموية أو فرص عمل حقيقية؟

وماذا فعلت البلدية منذ 2011 لإعادة إحياء قرية جنزور السياحية؟ ولماذا لم تُنشأ حتى اليوم واجهة بحرية عامة وحديثة؟ وكيف تستطيع السلطات تأمين مجمعات مغلقة للبعثات والمقيمين، لكنها تعجز عن توفير شاطئ عام نظيف وآمن ومهيأ للعائلات وللأشخاص ذوي الإعاقة؟

كما أتوجه بالسؤال إلى أعيان جنزور ومثقفيها ورجال أعمالها ونشطاء مجتمعها المدني: لماذا لم يتحول هذا الملف إلى قضية رأي عام؟ ولماذا أصبح وجود الأسوار والحواجز وسط منطقتنا مشهدًا طبيعيًا لا يستحق السؤال؟

قبل أن نلوم الأمم المتحدة والأجانب، علينا أن نسأل أنفسنا: أين كانت بلدية جنزور؟ وأين كانت نخب المنطقة طوال هذه السنوات؟

مدينة ساحلية ومواطن بعيد عن البحر

بالنسبة إليّ، المسألة شخصية أيضًا. أنا من جنزور وأستخدم كرسيًا متحركًا. ورغم أن البحر قريب مني جغرافيًا، فإن الوصول الفعلي إليه يكاد يكون مستحيلًا في غياب المسارات المهيأة والمرافق المناسبة.

هذه واحدة من أقسى صور الإقصاء: أن يكون البحر أمامك، لكن الطريق إليه غير مصمم لك. وأن ترى مرافق متكاملة خلف الأسوار، بينما لا تجد في الشاطئ العام أبسط شروط الوصول المستقل والآمن.

في بريطانيا، رغم الغربة وبرودة الطقس، كنت أجد مرافق وخدمات ومسارات تساعدني على الحركة والاستقلال. وعندما عدت متحمسًا إلى مدينتي الساحلية، وجدت نفسي أواجه الحر والرطوبة وانقطاع الكهرباء، من دون أن أجد حتى مساحة عامة مهيأة تسمح لي بالجلوس أمام بحر مدينتي.

قضية ساحل جنزور ليست ترفًا سياحيًا، وليست دعوة ضد الأجانب أو البعثات الدولية. إنها قضية سيادة، وحق في المدينة، وعدالة في توزيع المجال العام، وشفافية في إدارة الأصول الساحلية. وهي أيضًا حق جميع السكان، بمن فيهم الأشخاص ذوو الإعاقة، في الوصول إلى البحر والاستفادة منه.

السؤال ليس فقط: كيف حصل الأجانب والبعثات الدولية على أفضل المواقع والخدمات في جنزور؟

السؤال الأصعب هو: كيف سمحنا نحن بهذا الواقع، ولماذا سكتت عنه البلدية والنخب المحلية طوال هذه السنوات؟

ربما لم يُحتل ساحل جنزور بقوة السلاح، لكنه ابتعد تدريجيًا عن أهله بالأسوار والعقود والصمت. وإذا أردنا استعادته، فعلينا أولًا معرفة من يملكه، ومن يديره، ومن يحرسه، ومن ينتفع بعائداته، ثم المطالبة بمشروع عام يعيد البحر إلى جميع سكان المدينة.

أريد فقط أن أستعيد حقي في لحظة بسيطة كانت ممكنة ذات يوم: أن أجلس أمام بحر جنزور، أشرب كابتشينو، وأشعر بنسمة البحري من دون بوابة مغلقة، أو حاجز أمني، أو طريق يستثني كرسيي المتحرك.

فالبحر ليس امتيازًا لمن يعيش خلف الحراسة، وليس مكافأة لمن يحمل بطاقة دبلوماسية.

البحر جزء من جنزور، ومن حق أهل جنزور أن يصلوا إليه بأمان وكرامة.


<
مشاركة المقال

 


شارك
✓ تم نسخ النص