Loading... | ... | 00:00

عندما تُصمَّم ليبيا من دوننا… ثم يُطلب منا أن نتفهّم

مشاركة


 في ليبيا، كثيرًا ما يُنظر إلى وصول الأشخاص ذوي الإعاقة إلى المباني والخدمات باعتباره طلبًا إضافيًا، وليس حقًا يجب أن يكون حاضرًا منذ بداية التصميم. تُبنى مؤسسة عامة من دون منحدر، أو يُنفّذ منحدر بميل خطير، ويُركّب مصعد ضيق أو يتوقف لأشهر، ويُطلق موقع حكومي لا يعمل مع قارئات الشاشة، وتُعتمد خطة إخلاء تفترض أن الجميع يستطيع سماع الإنذار واستخدام الدرج. وبعد اكتمال المشروع وصرف الميزانية وافتتاح المبنى أمام الكاميرات، يصل الشخص ذو الإعاقة، فيُقال له: «قدّم طلبًا، وهات تقريرًا طبيًا، وإن شاء الله نشوفولك حل».

المشكلة هنا ليست في الشخص ولا في إعاقته، بل في منظومة صُممت منذ البداية وكأنه غير موجود. عندما نجد درجًا أمام مصرف أو مستشفى أو جامعة أو مؤسسة حكومية، فإن الحاجز لم يظهر يوم وصول مستخدم الكرسي المتحرك؛ بل وُلد يوم رُسم المخطط، ثم مرّ على المهندس والمشرف والجهة المالكة ولجنة الاستلام من دون أن يوقفه أحد. لقد افترض المصممون أن المستخدم «الطبيعي» يستطيع المشي والرؤية والسمع وقراءة التعليمات بالطريقة المعتادة، ولم يسأل أحد عن مستخدم الكرسي أو الشخص الكفيف أو الأصم أو من يحتاج إلى معلومات مبسطة.

وهذه الفئات ليست حالات نادرة يمكن تجاهلها. تشير بيانات مراكز مكافحة الأمراض الأمريكية إلى أن الإعاقة الحركية تطال نحو 12.2% من البالغين في الولايات المتحدة، بينما تقدر منظمة الصحة العالمية وجود ما لا يقل عن 2.2 مليار شخص لديهم ضعف في الرؤية، ونحو 1.5 مليار شخص يعيشون بدرجة من فقدان السمع. ومع ذلك، ما زلنا في ليبيا نتعامل مع الإتاحة باعتبارها إضافة يمكن تنفيذها لاحقًا إذا ظهرت الحاجة وتوفرت الميزانية، لا شرطًا أساسيًا لاعتماد المشروع من البداية. CDC، منظمة الصحة العالمية – البصر، منظمة الصحة العالمية – السمع

المنظومة هي التي صنعت الحاجز، لكنها لا تتحمل تلقائيًا مسؤولية اكتشافه وإزالته. الشخص ذو الإعاقة هو الذي يُطلب منه أن يلاحظ الخلل ويشرحه، ويثبت إعاقته بتقرير طبي، ويقترح حلًا، ويقدّم طلبًا، ثم يتابع بين مكاتب قد لا يستطيع دخولها أصلًا. وقد يُطلب منه الحضور شخصيًا إلى طابق لا يصله مصعد، أو الوقوف في طابور لا يناسب حالته، أو استخدام منصة إلكترونية غير مهيأة. أي إن الشخص الذي لا يملك سلطة التصميم أو التنفيذ يُكلَّف بتشخيص فشل المنظومة وإقناعها بإصلاحه.

وإذا لم يتقدم أحد بشكوى، تقول المؤسسة: «ما جاش حد اشتكى». لكن غياب الشكاوى لا يعني غياب المشكلة؛ فقد يعني أن الإجراءات مرهقة، أو أن الشخص فقد الأمل، أو أنه قرر عدم العودة إلى المكان أصلًا. فالعملية التي لا تتحرك إلا بعد تقديم طلب ستقلل دائمًا من حجم الضرر الحقيقي، لأن عددًا كبيرًا من المتضررين لن يملك القدرة أو الوقت أو الرغبة في خوض معركة إدارية من أجل حق كان يجب أن يكون متاحًا لهم تلقائيًا.

وفي الواقع الليبي، تُقدَّم أحيانًا حلول لا تحفظ استقلال الشخص وكرامته. قد يقول الموظف لمستخدم الكرسي: «الشباب يرفعوك»، أو يُطلب منه الدخول من باب خلفي أو مخزن، أو الانتظار خارج المبنى حتى ينزل إليه موظف، أو إرسال قريب لإتمام معاملته. وربما يُنفذ منحدر شكلي شديد الانحدار، ثم تُعلق لافتة تقول إن المبنى «مهيأ لذوي الإعاقة». لكن هذه ليست إتاحة حقيقية؛ فالإتاحة تعني أن يدخل الإنسان من المدخل نفسه، ويستخدم الخدمة نفسها، وفي الوقت نفسه، من دون أن يُحمل أو يُعزل أو يعتمد على مزاج الموظفين.

وتعترف اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بأن الحرمان من الترتيبات التيسيرية المعقولة شكل من أشكال التمييز، وتعرّفها بأنها التعديلات الضرورية والمناسبة التي لا تفرض عبئًا غير متناسب أو غير ضروري. وهذه الترتيبات حماية قانونية مهمة للحالات الفردية، لكن المشكلة تبدأ عندما تستخدمها المؤسسات بديلًا عن الإتاحة الشاملة. فبدل أن يكون السؤال: «كيف نضمن مشاركة الجميع بصورة مستقلة ومتساوية؟»، يصبح السؤال: «ما أقل شيء يمكننا تقديمه حتى نقول إننا قمنا بواجبنا؟». الأمم المتحدة – المادة الثانية

وهنا يُقدَّم للشخص حل ناقص، ثم يُطلب منه أن يكون «متفهمًا». وإذا رفض الحل لأنه يمس كرامته أو سلامته، يُصوَّر وكأنه يبالغ أو يصعّب الأمور. تبدأ القصة بتصميم استبعده من دون أن يبرر أحد سبب ذلك، ثم يُطلب منه إثبات حاجته، وبعدها تقيّم الجهة طلبه وفق معايير تضعها بنفسها. وإذا قررت أن التعديل مكلف أو صعب، يصبح طلبه هو «غير المعقول»؛ لا المبنى، ولا الدرج، ولا الموقع الإلكتروني، ولا الإجراء الإداري. وهكذا تصنع المنظومة المشكلة، ثم تقنع المتضرر بأنه هو المشكلة.

ليبيا لديها تشريعات وطنية تتعلق بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وهي طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، لكن المسافة لا تزال كبيرة بين النصوص والواقع اليومي. المشكلة ليست فقط في غياب بعض المواصفات، بل أيضًا في ضعف التنفيذ والمتابعة والمحاسبة. كم مبنى حكوميًا رُفض استلامه لأنه غير مهيأ؟ وكم مشروعًا أُعيد تصميمه لأن الأشخاص ذوي الإعاقة لم يستطيعوا استخدامه؟ وكم موقعًا حكوميًا خضع لاختبار حقيقي مع قارئات الشاشة؟ وكم خطة إخلاء جُرّبت بمشاركة أشخاص لديهم إعاقات حركية أو سمعية أو بصرية؟ إذا كانت الإجابات غير معروفة، فلدينا أيضًا مشكلة شفافية ورقابة. الأمم المتحدة – حالة الاتفاقية

الحل لا يبدأ بعد اكتمال المشروع، ولا يقتصر على منحدر يُضاف بعد الافتتاح أو مكتب جديد لتلقي الشكاوى. الحل يبدأ من مرحلة التخطيط، بإشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في تحديد احتياجات المشروع، وإدراج الإتاحة ضمن كراسة الشروط، ومنع اعتماد أي تصميم لا يراعي التنوع البشري، واختبار المباني والمنصات والخدمات مع مستخدمين حقيقيين، ورفض استلام المشاريع غير المطابقة، ونشر نتائج اختبارات الإتاحة بشفافية، وتحديد الجهات المسؤولة عن الرقابة والمحاسبة.

كما أن الإتاحة ليست منحدرًا فقط؛ فهي تشمل المداخل والمصاعد ودورات المياه والمواقف والمعلومات والإشارات والمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل وخطط الطوارئ. ولا يمكن إلغاء أهمية الترتيبات التيسيرية المعقولة، لأنها تظل ضرورية لتلبية الاحتياجات الفردية التي لا يستطيع التصميم العام توقعها كلها، لكنها يجب أن تكون شبكة حماية إضافية، لا الأساس الوحيد للنظام. الأصل أن يُصمم المبنى والخدمة والمعلومة لأوسع نطاق ممكن من البشر منذ البداية، ثم تأتي الترتيبات الفردية للحالات الخاصة، لا لتعويض فشل متوقع كان يمكن منعه.

الهندسة تدرس الحرارة والرياح والأحمال ومخاطر الحريق قبل اعتماد أي مشروع، وتختبر الحدود والاحتمالات قبل التشغيل. فلماذا يصبح التنوع البشري العامل الوحيد الذي نتجاهله أثناء التصميم، ثم نطلب من الشخص المتضرر أن يقدم طلبًا لإثبات وجوده؟ الشخص ذو الإعاقة لا يطلب امتيازًا أو معاملة استثنائية، بل يطلب استخدام حق عام: دخول مؤسسة، أو تلقي العلاج، أو الدراسة والعمل، أو استخدام موقع إلكتروني، أو إتمام معاملة بكرامة واستقلال.

المشكلة ليست أن الشخص ذو الإعاقة لم يطلب الحل بالطريقة المناسبة؛ المشكلة أن ليبيا ما زالت تصمم كثيرًا من مبانيها وخدماتها وكأن الأشخاص ذوي الإعاقة لن يصلوا إليها. وعندما يصلون، يُطلب منهم أن يتفهموا لماذا لم يكن لهم مكان في التصميم.

مشاركة المقال

 


شارك
✓ تم نسخ النص