تيتيه ربطت أزمة الكهرباء مباشرة بالتشظي المؤسسي، وتحويل الموارد العامة، ونقص الاستثمار، وغياب التنسيق في اتخاذ القرار، ووصفت ذلك كله بأنه في جوهره إخفاق في الحوكمة. وهذا مهم، لأن أزمة الكهرباء في ليبيا لا يمكن اختزالها في عطل فني أو زيادة في الأحمال، بل هي انعكاس لطريقة إدارة الدولة ومواردها.
الإحاطة أشارت كذلك إلى مفارقة لا تحتاج إلى الكثير من الشرح: ليبيا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا، ومع ذلك عانت مناطق واسعة من البلاد من انقطاع الكهرباء والمياه بسبب نقص الوقود وتراجع إمدادات الغاز وهشاشة شبكة الكهرباء. المواطن يعيش في دولة غنية بالطاقة، لكنه قد يقضي ساعات طويلة في الظلام.
الأكثر إثارة للانتباه كان حديث تيتيه عن إنفاق ما يقارب مليار دولار شهريًا على واردات الوقود، بالتزامن مع استمرار نقص الوقود المخصص للكهرباء، وإشارتها إلى وجود أدلة على تحويل كميات كبيرة من الوقود المدعوم، مع مطالبتها بالتحقيق والمساءلة. هنا نحن لسنا أمام نقص في المعلومات، بل أمام مشكلة معروفة ومحددة، ومع ذلك يستمر المواطن في دفع الثمن.
كما تطرقت الإحاطة إلى الوضع المالي والضغوط التي يتعرض لها مصرف ليبيا المركزي، وإلى طلب المحافظ إعفاءه من منصبه في 9 أغسطس، مع دعوة المصرف إلى استئناف نشر بيانات الإيرادات والنفقات لتعزيز الشفافية والمساءلة. الرسالة هنا واضحة أيضًا: المشكلة الاقتصادية ليست مجرد رقم في سعر الصرف، بل ترتبط بإنفاق عام ضخم، ومؤسسات متنازعة، وغياب رقابة فعالة على المال العام.
حتى الغضب الشعبي كان حاضرًا في الإحاطة. فقد تحدثت تيتيه عن احتجاجات الكهرباء والعصيان المدني الذي شهدته مناطق في غرب ليبيا، وإغلاق الطرق وبعض المرافق، وارتفاع أصوات تطالب بتغيير الحكومة. بمعنى أن الأزمة السياسية والاقتصادية لم تعد حبيسة اجتماعات النخب أو قاعات الفنادق، بل أصبحت محسوسة في الشارع وفي تفاصيل حياة الناس اليومية.
وفي السياق نفسه، جاءت كلمة السفير طاهر محمد السني، مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة، لتطرح بصورة مباشرة سؤالًا قريبًا جدًا من جوهر المشكلة. فقد أكد أمام مجلس الأمن أن انعقاد هذه الجلسات يجب أن يقترن بإرادة حقيقية لـ**«كسر الحلقة المفرغة للجمود السياسي»**، وتجاوز المقاربات النمطية والانتقال إلى إجراءات ملموسة.
لكن العبارة الأهم بالنسبة لي في كلمته كانت قوله إن «الملكية الليبية للعملية السياسية لا ينبغي أن تبقى شعارًا يتكرر دون أن ينعكس في واقع الممارسة». وهي عبارة تستحق الوقوف عندها؛ لأن الحديث عن أن الحل يجب أن يكون «ليبيًا–ليبيًا» أصبح بدوره من أكثر العبارات تكرارًا، بينما حجم التدخل والتأثير الدولي في الملف الليبي يجعل السؤال مشروعًا: أين تبدأ فعليًا الملكية الليبية وأين ينتهي تأثير الخارج؟
السني نفسه أقر بأن حجم الانخراط الدولي في الشأن الليبي أصبح واسعًا ومؤثرًا، وطالب بأن يكون الدور الدولي داعمًا للإرادة الوطنية لا بديلًا عنها، ومساندًا للمؤسسات الليبية لا متجاوزًا لها. وهذا في حد ذاته اعتراف بأن شعار «الملكية الليبية» لا يكفي إذا لم يتحول إلى ممارسة سياسية حقيقية.
وفي الملف الاقتصادي، طرح السني سؤالًا أكثر مباشرة: لماذا لم يُطبق حتى الآن اتفاق توحيد الميزانية والإنفاق التنموي؟ فبحسب كلمته، مرّت تسعة أشهر على توقيع الاتفاق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وأربعة أشهر على إقرار جداول الإنفاق، ومع ذلك لا يزال التنفيذ متعثرًا. وهنا نعود مرة أخرى إلى الفارق بين الاتفاق على الورق والنتيجة على الأرض.
كما وصف تدهور الخدمات وأزمة الكهرباء بأنها لم تعد مرتبطة فقط بالمسائل الفنية أو نقص الموارد، بل بشبكات الفساد وتهريب الوقود والنفط الخام، وذهب أبعد من ذلك عندما تساءل كيف يكتفي المجتمع الدولي بإدراج ناقلة واحدة ضمن العقوبات بينما، بحسب تعبيره، تتحرك «أساطيل كاملة» لنهب الثروات الليبية.
وهنا يصبح المشهد أكثر غرابة: المبعوثة الأممية تتحدث عن تحويل الوقود المدعوم وسوء إدارة الموارد، ومندوب ليبيا يتحدث عن شبكات فساد وتهريب وعن اتفاقات اقتصادية لم تُنفذ، والجميع تقريبًا يعرف أين توجد المشاكل. ومع ذلك تستمر الأزمة.
والأكثر دلالة أن تيتيه أقرت بأن خارطة الطريق قد تستغرق وقتًا أطول مما كان متوقعًا، معتبرة أن ذلك يمثل تكيفًا مع الواقع السياسي وليس فقدانًا للاتجاه. لكن في الحالة الليبية، كلمة «مزيد من الوقت» ليست مسألة إجرائية بسيطة. كل شهر إضافي من المرحلة الانتقالية يعني استمرار الإنفاق غير المنضبط، واستمرار المؤسسات المنقسمة، واستمرار القوى السياسية نفسها في مواقعها، بينما يواصل المواطن دفع تكلفة هذا الانتظار.
ولهذا بدأت أقتنع أكثر بأن المشكلة لم تعد فقط في الأطراف الليبية التي تعرقل الوصول إلى حل، بل إن المنظومة الدولية نفسها أصبحت، بقصد أو من دون قصد، جزءًا من إدارة الأزمة بدلًا من إنهائها. لا يعني ذلك أن الأمم المتحدة هي سبب الأزمة، ولا يمكن إعفاء الطبقة السياسية الليبية من مسؤوليتها الأولى والمباشرة، لكن بعد أكثر من عقد من البعثات والمبعوثين والمؤتمرات والحوارات وخرائط الطريق، يصبح السؤال عن النتائج سؤالًا مشروعًا.
نحن لا نعاني اليوم من نقص في تشخيص الأزمة. نعرف أن المؤسسات منقسمة، ونعرف أن المال العام يُهدر، ونعرف أن الوقود يُحوّل ويُهرب، ونعرف أن الخدمات تتراجع، ونعرف أن الانتخابات متعثرة، ونعرف أن كثيرًا من الأطراف المستفيدة من الوضع القائم ليست متحمسة لإنهائه. ما ينقصنا ليس تقريرًا جديدًا يشرح لنا المشكلة، بل آلية واضحة تقول ماذا سيحدث عندما يعرقل طرف المسار السياسي، وما الجدول الزمني الحقيقي، وما معايير النجاح والفشل.
ومن المفارقات أن واحدة من أفضل الجمل في إحاطة تيتيه جاءت عند الحديث عن خطط المناخ، حين قالت إن قيمة هذه الخطط لن تُقاس بما يُعتمد على الورق، بل بما يُنفذ فعليًا على أرض الواقع. وربما يجب تطبيق المعيار نفسه على عمل البعثة الأممية، وعلى الاتفاقات الليبية، وعلى تصريحات المسؤولين جميعًا.
فالنجاح لا ينبغي أن يُقاس بعدد الاجتماعات، ولا بعدد الإحاطات المقدمة إلى مجلس الأمن، ولا بعدد خرائط الطريق والاتفاقات التي أُعلن عنها. المعيار الحقيقي أبسط بكثير: ماذا تغيّر فعليًا في حياة المواطن الليبي؟
هانا تيتيه شخصت المشكلة، وطاهر السني تحدث عن الحلقة المفرغة وعن ضرورة الانتقال من الشعارات إلى الممارسة. ويبقى السؤال نفسه:
