من يتابع منصة «حكومتنا» على فيسبوك يلاحظ مفارقة تستحق أكثر من مجرد تعليق عابر. في أعلى المنشور نجد في الغالب خطابًا رسميًا منظمًا وإيجابيًا: اجتماع، متابعة، توجيهات، مشروع، افتتاح، مبادرة، تطوير، تنفيذ أو إنجاز. لكن بمجرد النزول إلى مساحة التعليقات تظهر في أحيان كثيرة صورة مختلفة تمامًا: غضب، تشكيك، سخرية، تهكم، شكاوى عن الكهرباء والخدمات والإجراءات الإدارية، وأحيانًا شتائم مباشرة لا علاقة لها بالنقد الموضوعي.
السؤال هنا ليس: لماذا توجد تعليقات سلبية؟ فهذا طبيعي على أي منصة سياسية كبيرة. السؤال الأهم هو: لماذا تبدو المسافة بهذا الاتساع بين الصورة التي تقدمها المنصة والصورة التي يعبر عنها جزء من جمهورها؟
هذه الملاحظة ليست مجرد انطباع شخصي. دراسة أكاديمية منشورة سنة 2025 في مجلة الإعلام والفنون التابعة للأكاديمية الليبية للدراسات العليا حللت 255 منشورًا من منصة «حكومتنا» خلال الفترة من 1 مارس إلى 30 مايو 2025. وخلصت إلى أن 86.7% من المحتوى اعتمد إطارًا إيجابيًا، مع غياب الإطار السلبي، وأن الأخبار الخدمية جاءت أولًا بنسبة 45.2%، تلتها الأخبار السياسية بنسبة 30.2%. كما وجدت الدراسة أن الصور الرسمية مثلت 44% من المواد المصورة، وأن الحكومة كانت المصدر الوحيد للخطاب في 100% من العينة، بينما كان الجمهور المحلي هو المستهدف في 87.4% من المحتوى.
هذه الأرقام لا تعني أن الأخبار التي تنشرها المنصة كاذبة، ولا أن المشروعات غير موجودة. وهذه نقطة أراها ضرورية حتى يكون النقد منصفًا. المشكلة ليست دائمًا في صحة المعلومة، بل أحيانًا في اكتمال الصورة. قد يكون خبر افتتاح مشروع صحيحًا تمامًا، لكن إذا كانت المنصة تعرض الافتتاح ولا تعرض التعثر، وتنشر بداية المشروع ولا تعود لتخبر المواطن لماذا تأخر، وتتحدث عن الاجتماع ولا تنشر النتيجة القابلة للقياس، فإن المواطن يحصل على جزء صحيح من الواقع، لكنه لا يحصل بالضرورة على الواقع كاملًا.
من الطبيعي أن تعرض الحكومة إنجازاتها، فهي ليست صحيفة معارضة لنفسها. لكن الاتصال الحكومي ليس إعلانًا تجاريًا، والحكومة ليست شركة تحاول تحسين صورة منتج. المواطن يريد أن يعرف كذلك ماذا لم ينجح، وأين تأخر المشروع، وكم أنفق عليه، وما نسبة التنفيذ، وما سبب المشكلة، ومن المسؤول عنها، ومتى يفترض أن تنتهي. وكلما قل حضور هذه الأسئلة في الخطاب الرسمي، زادت احتمالات أن يبدأ المواطن في التعامل مع الخطاب باعتباره إدارة للصورة أكثر منه تفسيرًا للواقع.
وهنا نصل إلى التعليقات. من خلال النماذج التي اطلعت عليها، يظهر شيء يجب قوله بصراحة: جزء كبير من التعليقات الغاضبة ليس نقدًا أصلًا. النقد يناقش قرارًا أو خدمة أو رقمًا أو سياسة ويقدم اعتراضًا يمكن الرد عليه. أما الشتيمة والسخرية من الأشخاص والمؤهلات والتهكم لمجرد التهكم، فهي ليست نقدًا موضوعيًا ولا ينبغي تقديمها على أنها كذلك.
لكن الخطأ في المقابل هو أن نتوقف عند الشتيمة ونقول ببساطة: «الجمهور سلبي».
فالشتيمة قد لا تكون نقدًا، لكنها أحيانًا تكون عرضًا لأزمة أعمق.
عندما يصبح المتابع غير مهتم أصلًا بمناقشة مضمون الخبر، ويستخدم أي منشور حكومي تقريبًا لتفريغ غضبه من الكهرباء أو الأسعار أو الإجراءات أو الوعود أو الخدمات، فهنا يصبح السؤال الاتصالي: ما الذي جعل هذا المواطن يصل إلى مرحلة لم يعد فيها مستعدًا لمنح الرسالة الرسمية فرصة قبل السخرية منها؟
المواطن لا يقرأ منشور «حكومتنا» في فراغ. يقرأه ومعه ذاكرة كاملة من تجربته مع الدولة. يقرأ خبر تحسين الكهرباء وهو يتذكر آخر انقطاع. ويقرأ خبر تطوير خدمة وهو يتذكر الإجراءات التي اضطر إلى المرور بها. ويقرأ خبرًا عن اجتماع جديد وهو يتساءل عما حدث للاجتماع السابق. ومع مرور الوقت، يمكن أن يتحول تراكم التجارب السيئة إلى شك مسبق في الرسالة نفسها.
عند هذه المرحلة حتى الخبر الصحيح يدفع ثمن أخبار ووعود سابقة.
وهذه ربما أخطر نتيجة لفقدان الثقة: أن تصبح الحكومة مطالبة بإثبات الإنجاز الحقيقي أكثر من مرة لأن جزءًا من الجمهور لم يعد يعطي التصريح الرسمي وحده قيمة كافية.
تقرير الباروميتر العربي الخاص بليبيا لعام 2022 أشار بالفعل إلى إحباط واسع من أداء الطبقة السياسية، وتراجع الثقة في معظم المؤسسات السياسية، وعدم رضا عن الأداء الحكومي والخدمات العامة. كما وجد أن 37% من الليبيين آنذاك أعربوا عن قدر كبير أو لا بأس به من الثقة في حكومة الوحدة الوطنية، مع تفاوت إقليمي كبير بين الغرب والجنوب والشرق. ويجب التأكيد أن هذه بيانات تعود إلى 2022 وليست استطلاعًا لحالة الرأي العام في 2026، لكنها تبين أن مشكلة الثقة أقدم بكثير من التعليقات الموجودة اليوم على فيسبوك.
ومن باب الإنصاف أيضًا، هناك ميزة أراها واضحة في تجربة «حكومتنا»: التعليقات ليست مغلقة أمام الجمهور في المنشورات التي راجعتها، رغم أن ما يكتب تحت بعضها قاسٍ جدًا، ويصل أحيانًا إلى الإساءة والشتيمة. هذه نقطة إيجابية عمليًا، لأن منصة حكومية تسمح بمساحة اعتراض مفتوحة أفضل من منصة لا تسمح إلا بالتعليقات المؤيدة أو تغلق النقاش كلما أصبح غير مريح.
لكن عندي قراءة أخرى لهذه المسألة.
أنا لا أستطيع أن أجزم بأن إبقاء التعليقات مفتوحة سببه حرية الرأي وحدها، كما لا أستطيع أن أنسب نية محددة إلى إدارة المنصة من دون دليل. لكن أي شخص يعمل باحتراف في إدارة وسائل التواصل يعرف أن التفاعل نفسه له قيمة داخل بيئة المنصة الرقمية.
Meta توضح أن أنظمة فيسبوك تعتمد على عدد كبير من الإشارات لترتيب المحتوى والتعليقات. وفي التعليقات العامة، تدخل كيفية تفاعل الناس معها — مثل الإعجاب والردود — ضمن إشارات الترتيب. كما أوضحت Meta في تحديثاتها المتعلقة بالمحتوى السياسي أن أنظمة التوصية تستخدم إشارات صريحة، مثل الإعجاب، وإشارات ضمنية، مثل مشاهدة المنشورات، للتنبؤ بما يهم المستخدم وعرض المحتوى وفقًا لذلك.
وهنا تظهر مفارقة مثيرة.
بحسب لقطة الصفحة التي شاركتها، نتحدث عن حساب يضم نحو 1.6 مليون متابع. أي أننا لسنا أمام صفحة حكومية صغيرة، بل أمام واحدة من أكبر منصات الاتصال الحكومي الليبي على وسائل التواصل.
شخص يكتب: «أحسنتم».
وشخص آخر يدخل ليشتم الحكومة.
وثالث يرد دفاعًا عنها.
ورابع يسخر من الاثنين.
ثم تبدأ سلسلة من الردود.
سياسيًا، هؤلاء مختلفون تمامًا.
لكن رقميًا، جميعهم أصبحوا جزءًا من النشاط حول المنشور.
وهنا يمكن طرح سؤال غير تقليدي: هل التعليقات السلبية مشكلة بالنسبة إلى الصفحة دائمًا؟ أم أنها قد تكون، من منظور إدارة المنصة، جزءًا من النشاط الذي يحافظ على حضور المحتوى ويجعل الناس يعودون إليه ويتناقشون حوله؟
لا ينبغي تبسيط خوارزمية فيسبوك إلى معادلة تقول: «تعليقات أكثر = انتشار أكبر». Meta نفسها تقول إن أنظمتها تعتمد على عدد ضخم من الإشارات وعلى التخصيص وجودة المحتوى وما تعتبره مفيدًا لكل مستخدم، كما أنها تقلل ظهور التفاعل المصطنع والمنسق وتعمل ضد أساليب Engagement Bait والتلاعب بالوصول. وفي 2026 قالت الشركة إن تحسينات أنظمة ترتيب Feed والفيديو رفعت مشاهدة المنشورات العضوية بنسبة 7% في الربع الأخير من 2025، وهو ما يعكس مدى اعتماد الوصول اليوم على أنظمة توصية أكثر تعقيدًا من مجرد عدّ الإعجابات والتعليقات.
لكن هذا لا يلغي الفكرة الأساسية: الغضب أيضًا تفاعل.
الشخص الذي يدخل إلى «حكومتنا» لكي ينتقدها يظل متابعًا لها.
والشخص الذي يكتب تعليقًا ساخرًا يظل قد توقف عند منشورها.
والشخص الذي يعود ليرد على خمسة أشخاص آخرين يظل داخل الدائرة الاتصالية للمنصة.
وهنا يمكن أن تكون «حكومتنا» ناجحة جدًا وفق أحد مقاييس التواصل الاجتماعي — الوصول، التفاعل، استمرار النقاش والحضور — لكنها تواجه في الوقت نفسه مشكلة مختلفة تمامًا في مقياس أهم للحكومة: الثقة.
وهذا الفرق أساسي.
إذا شاهد مليون شخص منشورك، فقد نجحت في الوصول.
وإذا كتب عشرة آلاف شخص تحته، فقد نجحت في جذب الانتباه.
لكن إذا كان جزء كبير منهم يكتب ساخرًا أو غاضبًا أو غير مصدق، فلا تستطيع القول تلقائيًا إنك نجحت في الاتصال الحكومي.
ربما نجحت فقط في جعل الناس يتحدثون عنك.
وهذان شيئان مختلفان.
وتؤكد OECD هذه النقطة من زاوية مختلفة. ففي مسح أجرته سنة 2025 على 57 مسؤول اتصال حكومي رفيعًا في دول المنظمة، قال 72% إنهم يقيسون عدد الأشخاص الذين شاهدوا المحتوى، بينما فقط 21% إلى 30% يقيسون ما إذا كان الاتصال قد غير فهم الجمهور أو مواقفه أو سلوكه. والأكثر دلالة أن 5% فقط كانوا يقيسون مساهمة الاتصال في تحقيق أهداف السياسات العامة. وخلصت OECD إلى أن الظهور سهل القياس، لكنه يقول القليل عن التأثير الحقيقي.
وهذا بالضبط السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على «حكومتنا»:
هل المليون ونصف تقريبًا رقم متابعين فقط؟
أم لدينا أدوات تقيس الثقة؟
هل نعرف لماذا يعلق الناس؟
هل نعرف الفرق بين تعليق غاضب لأنه معارض سياسيًا وتعليق غاضب لأنه ينتظر الكهرباء؟
هل تُحلل أكثر الكلمات تكرارًا في التعليقات؟
هل تعرف المنصة أي القطاعات تولد أكبر قدر من التشكيك؟
هل ترصد الأسئلة الجادة التي تضيع وسط الشتائم؟
وكم مرة يحصل مواطن على إجابة رسمية حقيقية ثم يعود ليقول إن مشكلته حُلّت؟
هنا فقط تنتقل المنصة من Social Media Management إلى Government Communication.
المشكلة في التعليقات إذن ليست وجودها. بالعكس، أرى أن وجودها وعدم إغلاقها يمكن أن يكون أحد أفضل الأصول التي تمتلكها المنصة، شرط ألا تُعامل فقط بوصفها رقمًا في خانة Engagement.
كل تعليق هو Data Point.
كل شكوى متكررة إشارة.
كل سخرية جماعية من موضوع محدد تستحق أن يسأل الفريق: لماذا؟
وحتى الشتائم، مع ضرورة رفضها وعدم تبريرها، يمكن دراسة ما وراءها: هل هناك خدمة محددة تثير هذا الغضب؟ هل هناك فجوة بين ما تقوله الوزارة وما يعيشه المواطن؟ هل تتكرر وعود لا تتبعها تحديثات؟
يمكن رفض أسلوب التعبير والاستماع في الوقت نفسه إلى سبب التعبير.
وهنا تكمن قيمة التعليقات الحقيقية.
بدل أن نقول للناس: «نحن نشرنا وأنتم تفاعلتُم»، يمكن للحكومة أن تقول: «قرأنا ما كتبتم، وهذه أكثر خمس مشكلات تكررت هذا الشهر، وهذه الجهات التي أُحيلت إليها، وهذا ما تم بشأنها».
تخيل فقط لو نشرت «حكومتنا» مرة كل شهر تقريرًا بعنوان:
«ماذا قال المواطنون هذا الشهر؟»
يحتوي على أبرز عشر مشكلات وردت في التعليقات، وعدد الشكاوى، والوزارة المعنية، وما تم إنجازه، وما لم يُحل بعد.
عندها يصبح التعليق أكثر من وقود لخوارزمية فيسبوك.
يصبح جزءًا من عملية الحكم.
وهذا هو الاتجاه الذي تدعو إليه OECD عندما تتحدث عن الاتصال العام باعتباره وظيفة لا تقوم فقط على إعطاء المعلومات، بل على الاستماع والاستجابة للمواطنين واستخدام الاتصال لتحسين السياسات والخدمات والثقة.
كما أن المقارنة الدولية توضح أن هذه المشكلة ليست ليبية. ففي فرنسا مثلًا، ركزت OECD مؤخرًا على ضرورة الانتقال من قياس الظهور إلى قياس الأثر، لأن الحملة الحكومية يمكن أن تحقق ملايين المشاهدات ولا تحقق الفهم أو الثقة المطلوبة. وفي دول أخرى، ومنها بريطانيا، أصبحت عملية تقييم الاتصال مرتبطة بما فهمه الجمهور وما تغير في سلوكه وما تحقق من أهداف السياسة، لا بمجرد عدد المنشورات.
حتى الأنظمة الأكثر سيطرة على خطابها الرسمي تواجه الوجه الآخر للمسألة. ففي الصين مثلًا، أظهرت دراسات حول حسابات حكومية على Weibo أن اختيار القضايا وزوايا عرضها يمكن أن يساعد في تشكيل الأجندة العامة. والسياق الصيني يختلف جذريًا عن الحالة الليبية، لكن المبدأ الإعلامي واحد: ما تختار المؤسسة الرسمية أن تعرضه باستمرار يؤثر في الصورة التي تحاول تشكيلها عن الواقع.
وفي ليبيا تبدو المفارقة أكثر حساسية لأن المواطن يستطيع أن يقارن الصورة الرسمية بما يعيشه كل يوم.
ولهذا ربما لا تحتاج «حكومتنا» إلى منشورات أكثر إيجابية.
ربما تحتاج إلى واقع أكثر داخل المنشورات.
أن تقول:
نجحنا هنا.
وتعثرنا هنا.
افتتحنا هذا.
وتأخر هذا.
خصصنا هذه الميزانية.
وصرفنا منها هذا الرقم.
وعدنا بهذا الموعد.
ولم نلتزم به لهذا السبب.
وهذه خطتنا الجديدة.
قد يبدو هذا النوع من الاتصال أقل بريقًا من صورة مسؤول أمام مشروع جديد، لكنه أكثر قدرة على بناء المصداقية.
فالناس لا تتوقع من أي حكومة في العالم أن تنجح في كل شيء.
لكنها تريد حكومة تستطيع أن تقول «لم ننجح هنا» بنفس الوضوح الذي تقول به «أنجزنا هنا».
ولهذا لا أرى التعليقات السلبية على «حكومتنا» دليلًا بسيطًا على أن الصفحة فاشلة، كما لا أرى عدد المتابعين الكبير دليلًا على أن الاتصال ناجح.
الواقع أكثر تعقيدًا.
قد تكون الصفحة ناجحة جدًا كمنصة رقمية.
قد يكون فريقها فاهمًا جيدًا للفيسبوك وكيفية إبقاء المحتوى حيًا وجذب النقاش.
وقد يكون إبقاء مساحة التعليقات مفتوحة خطوة ذكية وإيجابية.
لكن النجاح الخوارزمي شيء، والثقة الحكومية شيء آخر.
وفي النهاية يبقى السؤال:
هل نجحت «حكومتنا» في الوصول إلى الناس، أم نجحت أيضًا في أن يصدق الناس ما يصل إليهم؟
ربما تكون هذه هي المعادلة التي ينبغي أن تقاس بها المنصة مستقبلًا.
ليس عدد المنشورات.
ولا عدد التعليقات.
ولا حتى 1.6 مليون متابع.
بل المسافة بين الصورة التي تنشرها الحكومة والواقع الذي يشعر المواطن أنه يعيشه.
وكلما تقلصت هذه المسافة، ستقل الحاجة إلى تسويق الإنجاز.
لأن الإنجاز عندها سيتحدث عن نفسه.
أما التعليقات المفتوحة، فأفضل استخدام لها ليس أن تساعد الخوارزمية على إبقاء المنشور حيًا.
أفضل استخدام لها أن تساعد الحكومة على فهم لماذا المواطن غاضب أصلًا.
