Loading... | ... | 00:00

ممالك كوكب ليبيا… الجميع يتصارع والمواطن يدفع الفاتورة

مشاركة

 


كالعادة، وأنا أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، تستوقفني أحياناً منشورات تجعلني أتجاوز محتواها المباشر وأفكر فيما وراءها. هذه المرة استوقفني منشور مرفق بملصق فيلم Kingdom of the Planet of the Apes. المنشور الأصلي كان يتحدث بسخرية عن دونالد ترامب، ويشبّه المشهد السياسي المحيط به بعالم الفيلم: زعيم في القمة، مليارديرات وأصحاب نفوذ قريبون منه، دوائر مصالح تتنافس على الاقتراب من السلطة، وقوى تحرس النظام وتحافظ على توازناته، بينما الجمهور يتابع الصراع وفي النهاية يدفع الفاتورة.

وربما ما جعل المنشور يستوقفني أكثر أنني من المعجبين جداً بسلسلة أفلام Planet of the Apes منذ صغري. لم تكن بالنسبة لي مجرد أفلام عن قرود تتحدث وتحارب البشر، بل كان دائماً وراءها سؤال أكبر عن السلطة والمجتمع: ماذا يحدث عندما تنهار الحضارة التي نظن أنها ثابتة؟ ومن يكتب التاريخ عندما تتغير موازين القوة؟ وكيف يمكن لمن كان في موقع الضعيف أن يتحول، عندما يمتلك القوة، إلى نسخة أخرى ممن كان يرفض سلطتهم؟

Planet of the Apes 1968

فكرة كوكب القرود قديمة؛ انطلقت سينمائياً مع فيلم Planet of the Apes سنة 1968، حيث يصل رائد فضاء إلى عالم يكتشف فيه أن القرود أصبحت القوة المهيمنة، بينما أصبح البشر في مرتبة أدنى. وفي السلسلة الحديثة تطورت الفكرة من خلال شخصية Caesar، القرد الذي يكتسب ذكاءً متقدماً، ثم تتحول قصته تدريجياً إلى صراع على الحرية والسلطة وبناء مجتمع جديد. وفي Kingdom of the Planet of the Apes، الذي تدور أحداثه بعد أجيال من زمن Caesar، أصبحت القرود هي النوع المهيمن، فيما يعيش البشر في الظلال، ويظهر زعيم جديد يسعى لبناء إمبراطوريته الخاصة.

وهذا تحديداً ما يعجبني في السلسلة: تحت طبقة الخيال العلمي والمؤثرات البصرية توجد دائماً أسئلة سياسية وإنسانية عن القوة، والخوف، والقيادة، والاستبداد، والذاكرة، ومن يملك الحق في تحديد مستقبل الآخرين. لذلك لم أستطع وأنا أنظر إلى الملصق إلا أن أسأل نفسي: ماذا لو أسقطنا هذه الفكرة على ليبيا؟

هنا، في رأيي، تصبح الصورة أكثر عبثية؛ لأننا لا نملك حتى «زعيم كوكب القرود» واحداً، بل عدة ممالك وعدة زعماء، وكل طرف يتصرف وكأن الجزء الذي يسيطر عليه هو الكوكب كله. المشكلة في ليبيا لم تعد في نقص من يريد أن يقود، بل ربما في كثرة من يعتبر نفسه صاحب الحق في القيادة.

كل طرف تقريباً لديه مؤسساته، وإعلامه، وحلفاؤه، ومستشاروه، ورجال أعمال قريبون منه، وروايته الخاصة عن الوطن. السياسيون يتصارعون على السلطة، وشبكات المصالح تتسابق نحو الميزانيات والعقود والنفوذ، وأصحاب المال يبحثون عن الطريق الأقصر نحو مراكز القرار، بينما تحولت الجماعات المسلحة في مناطق مختلفة من مجرد قوة على الأرض إلى لاعب سياسي واقتصادي يصعب تجاهله.

وفي وسط كل هذا يقف المواطن الليبي وكأنه كومبارس في فيلم يموله من جيبه، لكنه لا يملك حتى حق اختيار نهايته. يتابع الاجتماعات والمبادرات والبيانات والمؤتمرات والزيارات الخارجية والمفاوضات التي لا تنتهي. تتغير الصور والأسماء والشعارات، لكن الأسئلة التي يحملها المواطن معه من سنة إلى أخرى تكاد لا تتغير: أين الكهرباء؟ أين السيولة؟ أين الخدمات؟ أين مؤسسات الدولة؟ وأين تذهب كل هذه الأموال التي نسمع أرقامها بالمليارات؟

المفارقة أن الجميع تقريباً يتحدث باسم الشعب، بينما الشعب نفسه غالباً آخر من يعرف ماذا يجري باسمه. كل طرف يقول إنه يدافع عن ليبيا، وكل حكومة تقول إنها تعمل من أجل المواطن، وكل مسؤول يتحدث عن مشروعات وخطط ورؤى ومستقبل مزدهر. لكن بمجرد أن تبتعد عن البيانات الرسمية وتنزل إلى الشارع، تظهر أمامك فجوة كبيرة بين ليبيا الموجودة في الخطابات وليبيا التي يعيشها الناس فعلياً.

وهنا يصبح المشهد قريباً من عالم الفيلم، ليس لأنني أشبّه أشخاصاً بحيوانات، بل لأن شكل الصراع نفسه يبدو أحياناً بدائياً: مجموعات تتنافس على مناطق النفوذ، قيادات تريد توسيع مساحتها، دوائر اقتصادية تقترب ممن يملك القوة، وحراس يحافظون على النظام القائم لأنه يضمن استمرار مصالح الجميع. أما المواطن فيتفرج، ثم ينقسم، ثم يدخل في معارك جانبية على فيسبوك دفاعاً عن هذه الجهة أو تلك، وفي النهاية يدفع الجميع ثمن استمرار اللعبة.

الأخطر من كل ذلك أن العبث بدأ يتحول مع الوقت إلى أمر عادي. انقطاع الكهرباء أصبح شيئاً نتوقعه، تراجع الخدمات أصبح جزءاً من الحياة اليومية، تعدد الحكومات ومراكز القرار أصبح مشهداً مألوفاً، وإنفاق أموال ضخمة دون نتائج واضحة لم يعد يصدمنا كما كان يفترض أن يحدث. وحين يعتاد المجتمع على غير الطبيعي، تصبح المشكلة أعمق من أزمة حكومة أو مسؤول؛ لأن الدول لا تنهار فقط عندما تسقط مؤسساتها، بل أيضاً عندما يتعلم الناس كيف يعيشون في غيابها وكأن هذا هو الوضع الطبيعي.

عنوان الفيلم هو «مملكة كوكب القرود»، لكن النسخة الليبية لو قرر أحد إنتاجها ربما تحتاج عنواناً آخر: «ممالك كوكب ليبيا». فنحن لم نعد أمام صراع تقليدي حول من يحكم فقط، بل أمام منظومة كاملة تعلمت كيف تعيش من الانقسام، وكيف تستفيد من بقائه. لكل طرف تقريباً «موزته» التي لا يريد أن يخسرها: منصب، ميزانية، عقد، مؤسسة، مجلس، شركة، سفارة، نفوذ أو مساحة من السلطة.

أما الذي يدفع ثمن استمرار هذا المشهد فهو المواطن العادي؛ المواطن الذي لا يملك جماعة مسلحة، ولا شركة محتكرة، ولا منصباً سيادياً، ولا علاقة بأحد داخل دائرة القرار. إنسان يريد ببساطة دولة تعمل، لا يحتاج فيها إلى واسطة للحصول على حقه، ولا إلى مولد كهرباء كي يعيش حياة طبيعية، ولا إلى مراقبة سعر الدولار كل صباح ليعرف كم خسرت قيمة ما يملكه، ولا إلى دراسة خريطة الحكومات والمؤسسات حتى يعرف إلى من يتوجه عندما تتعطل خدمة من أبسط حقوقه.

والمجاز هنا سياسي وساخر، وليس تشبيهاً حرفياً لأي شخص بالحيوانات. المقصود أن السياسة حين تنفصل عن القانون والمحاسبة والمؤسسات تتحول شيئاً فشيئاً إلى صراع على النفوذ والبقاء، بدلاً من أن تكون إدارة عقلانية لدولة يفترض أن يكون المواطن فيها هو الهدف الأساسي.

وربما لهذا السبب بقيت سلسلة كوكب القرود قريبة مني كل هذه السنوات؛ لأنها في ظاهرها تتحدث عن عالم خيالي، لكنها في العمق تدفعك دائماً للنظر إلى عالم البشر نفسه. أحياناً تشاهد الفيلم ثم تكتشف أن أكثر مشاهده غرابة ليست بعيدة تماماً عن الواقع.

لذلك ربما لم يعد السؤال الأهم: من سيكون زعيم المملكة القادمة؟ السؤال الذي يستحق أن نسأله فعلاً هو: متى نتوقف عن بناء الممالك ونبدأ أخيراً في بناء الدولة؟

لأن ليبيا لا تحتاج «قرداً أقوى» يهزم بقية القرود… ليبيا تحتاج قانوناً أقوى من الجميع.

ونسأل الله أن يحفظنا سالمين من هذا الجنون.

مشاركة المقال

 


شارك
✓ تم نسخ النص