كالعادة، كنت أتصفح موقع فيسبوك دون أن أبحث عن موضوع بعينه، عندما لفت انتباهي منشور لأحد الأصدقاء يتحدث عن مشروع مطار طرابلس الدولي، وذهب في تعليقه إلى وصف المشروع بأنه «وهم». توقفت عند هذه الكلمة تحديدًا، ليس لأنني مقتنع بها أو رافض لها مسبقًا، وإنما لأنها أثارت لدي سؤالًا بسيطًا: هل المشروع فعلًا وهم، أم أن هناك مشروعًا حقيقيًا لكن المعلومات المنشورة عنه غير واضحة بما يكفي؟
وكعادتي عندما يلفت انتباهي موضوع من هذا النوع، يدفعني الفضول إلى البحث أبعد من المنشور نفسه. ولدي، إلى حد معقول، معرفة بأدوات البحث الرقمي وكيفية تتبع المصادر، سواء عبر محركات البحث التقليدية أو باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في الوصول إلى المعلومات ومقارنتها، مع ضرورة الرجوع في النهاية إلى المصدر الأصلي وعدم اعتبار ما يقوله الذكاء الاصطناعي مصدرًا بحد ذاته. لذلك قررت هذه المرة أن أتجنب قدر الإمكان إعادة تدوير الأخبار والبيانات الليبية، وأن أبحث تحديدًا في المصادر القطرية والدولية لمعرفة ما يمكن إثباته حول المشروع.
كانت نقطة البداية هي 17 فبراير 2025، وهو التاريخ الذي تم فيه توقيع مذكرة تفاهم تتعلق بمشروع مطار طرابلس الدولي، بمشاركة وزارة المواصلات الليبية والمؤسسة الليبية للاستثمار والطرف القطري المتمثل في UrbaCon التابعة لـUCC Holding. وهنا توجد نقطة مهمة منذ البداية: ما تم الإعلان عنه كان مذكرة تفاهم، وليس، بحسب ما تمكنت من العثور عليه منشورًا، عقد امتياز نهائيًا أو عقدًا نهائيًا معلن التفاصيل لبناء المطار وتشغيله.
هذه ليست مسألة لغوية بسيطة. هناك فرق كبير بين مذكرة تفاهم تمهد لدراسة مشروع ووضع نموذج استثماري له، وبين عقد نهائي يحدد قيمة الاستثمار، والتزامات كل طرف، والتمويل، والمدة، وحقوق التشغيل والعوائد. مصدر دولي متخصص في شؤون الطيران، NewsAero، وثّق توقيع المذكرة وذكر أن المشروع يستهدف تطوير مطار طرابلس وفق نهج قائم على الاستثمار، وهو ما يؤكد أن هناك أساسًا حقيقيًا للقصة خارج التداول الإعلامي الليبي.
وعندما تعمقت أكثر، وجدت أن منصة الأعمال الإقليمية EnterpriseAM تحدثت عن الاتفاق في فبراير 2025، وأشارت إلى أن الهدف منه يتمثل في إعداد دراسات جدوى ووضع نموذج تمويل مختلف للصالة الأولى بمطار طرابلس الدولي. لكن الأكثر أهمية بالنسبة لي أن التقرير أشار إلى أنه، عند الإعلان عن المذكرة، لم يتم الكشف عن قيمة الاستثمار ولا عن جدول زمني نهائي للمشروع. وهنا بدأت الأسئلة تصبح بالنسبة لي أهم من الخبر نفسه.
ومن المهم الإشارة إلى أن مشروع طرابلس ليس المشروع الوحيد لـ UCC Holding في قطاع المطارات؛ فالشركة تعرض ضمن محفظتها أربعة مشاريع رئيسية في هذا المجال: أعمال تطوير في مطار حمد الدولي – قطر، ومشروع مطار بوغيسيرا الدولي – رواندا، ومطار طرابلس الدولي – ليبيا، إضافة إلى مشروع مطار دمشق الدولي – سوريا الذي أعلنت الشركة أن استثماره يبلغ نحو 4 مليارات دولار بنظام BOT وبطاقة مستهدفة تصل إلى 31 مليون مسافر سنويًا. هذه المشاريع تعطي مؤشرًا على خبرة الشركة في قطاع الطيران، لكنها تجعل في الوقت نفسه السؤال عن تفاصيل مشروع طرابلس أكثر إلحاحًا، خصوصًا مع غياب أرقام واضحة ومنشورة حتى الآن حول قيمته ونموذج تمويله وتشغيله.
انتقلت بعد ذلك إلى البحث عن الشركة القطرية. وخلال ذلك لاحظت وجود خلط في بعض النقاشات بين Estithmar Holding – استثمار القابضة وبين UCC Holding / UrbaCon. بحسب المصادر المرتبطة مباشرة بمشروع المطار، فإن الطرف الذي يظهر في هذا الملف هو UCC Holding وUrbaCon التابعة لها، وليس Estithmar Holding بصورة مباشرة. وهذه نقطة مهمة لأن أسماء الشركات والمجموعات القطرية المتشابكة قد تجعل الخلط بينها سهلًا لمن يقرأ الأخبار بسرعة.
ذهبت بعد ذلك إلى المصدر الأكثر وضوحًا: الموقع الرسمي لشركة UCC Holding نفسها. وهنا كانت المفاجأة التي جعلتني أستبعد وصف المشروع بأنه «وهم» بالمعنى الحرفي. الشركة تدرج بالفعل صفحة ضمن مشاريعها تحت اسم Tripoli International Airport – Libya، بل وتنشر تصورًا معماريًا افتراضيًا للمطار. وجود المشروع على الموقع الرسمي للشركة القطرية يعني أن الحديث عنه ليس مجرد بيان محلي أو صورة توقيع لا وجود لها خارج ليبيا.
لكن وجود المشروع على موقع الشركة لم يُنهِ البحث، بل فتح بابًا آخر من الأسئلة. صفحة المشروع نفسها لا تقدم، وفق المعلومات المنشورة التي اطلعت عليها، تفاصيل كافية عن قيمة الاستثمار، وحجم التمويل، ومدة التنفيذ، وطبيعة العقد، ومدة الامتياز أو طريقة إدارة المطار مستقبلًا. وبذلك تحول السؤال عندي من «هل المشروع موجود؟» إلى «ما طبيعة المشروع الذي تم الاتفاق عليه فعلًا؟».
الأمر لم يتوقف عند صفحة تعريفية قديمة. ففي سبتمبر 2025، نشرت UCC Holding بيانًا رسميًا تحدثت فيه عن نشاطها الدولي، وأشارت إلى انخراطها في مشاريع إعادة تطوير مطار طرابلس الدولي في ليبيا. هذه الإشارة اللاحقة مهمة لأنها توحي بأن الملف لم ينته عند حفل توقيع مذكرة التفاهم في فبراير، وأن الشركة نفسها استمرت في التعامل مع مطار طرابلس كأحد مشاريعها.
وخلال البحث ظهر أمامي أيضًا سياق قطري أوسع. قبل توقيع مذكرة مشروع المطار بأسابيع قليلة، أعلنت وزارة المواصلات القطرية، في 30 يناير 2025، عن تحديث اتفاق الخدمات الجوية بين قطر وليبيا، بهدف زيادة المرونة ومواكبة تطورات الطيران المدني وتعزيز الربط الجوي بين البلدين. كما سبقت ذلك تفاهمات أخرى في 2024 تتعلق بالخدمات الجوية. لا أقول هنا إن اتفاق الخدمات الجوية هو نفسه استثمار مطار طرابلس، فهما موضوعان مختلفان، لكن التسلسل الزمني يكشف عن نشاط ملحوظ في العلاقات الليبية القطرية في قطاع الطيران خلال الفترة نفسها.
بعد هذا البحث، لا أستطيع شخصيًا أن أقول إن مشروع مطار طرابلس الدولي «وهم». لدينا مذكرة تفاهم موثقة، ولدينا شركة قطرية حقيقية تضع مطار طرابلس ضمن مشاريعها، ولدينا تصريحات لاحقة من الشركة نفسها عن انخراطها في إعادة تطوير المطار. وبالتالي، فإن وجود المشروع من حيث المبدأ يمكن إثباته من مصادر خارج ليبيا.
لكن في الوقت نفسه، هذا لا يعني أن الصورة واضحة أو أن كل ما يقال عن المشروع يمكن تأكيده. على العكس، ما أثار انتباهي أكثر هو حجم المعلومات التي لا تزال غير متاحة للرأي العام مقارنة بحجم المشروع وأهميته.
فحتى الآن، يبقى السؤال: كم تبلغ القيمة الإجمالية للاستثمار؟ ومن سيمول المشروع فعليًا؟ هل ستضخ UCC أموالها مباشرة باعتبارها مستثمرًا؟ أم أنها مقاول سينفذ الأعمال مقابل دفعات؟ أم أن المشروع سيتحول إلى شراكة طويلة الأجل؟ وهل توجد اتفاقية PPP للشراكة بين القطاعين العام والخاص، أو نموذج BOT للبناء والتشغيل ثم نقل الملكية، أو عقد امتياز Concession يمنح المستثمر حق تشغيل جزء من المطار لفترة محددة؟
وإذا كان هناك بالفعل عقد امتياز أو تشغيل، فما مدته؟ ومن سيدير المطار بعد استكمال المشروع؟ وكيف ستوزع الإيرادات بين الدولة والمستثمر؟ هذه ليست تفاصيل ثانوية، لأن المطار ليس مجرد مبنى ومدرج وطائرات. المطارات الحديثة تحقق إيرادات من المحال التجارية والمطاعم والمواقف والإعلانات والشحن والخدمات الأرضية والعقارات والمساحات التجارية والمناطق اللوجستية وغيرها، وبالتالي فإن السؤال عن حق التشغيل والعوائد هو سؤال اقتصادي مهم وليس مجرد فضول إعلامي.
وجود المؤسسة الليبية للاستثمار كطرف في المذكرة يضيف بُعدًا آخر إلى الموضوع. فنحن نتحدث عن مؤسسة تدير أصولًا واستثمارات سيادية للدولة الليبية. إذا كانت المؤسسة مشاركة في نموذج استثماري للمطار، فمن الطبيعي أن نعرف حجم مساهمتها، وطبيعة استثمارها، والعائد المتوقع، وما إذا كانت هناك شركة مشتركة أو ضمانات مالية أو التزامات طويلة الأجل.
وتبقى بالنسبة لي مسألة دراسة الجدوى من أكثر النقاط التي تستحق التوقف عندها. أحد الأهداف المعلنة للمذكرة كان إجراء دراسات جدوى ووضع نموذج تمويل للمشروع. وبعد مرور فترة طويلة نسبيًا على توقيعها، يصبح السؤال منطقيًا: هل اكتملت الدراسة؟ وإذا اكتملت، فما تقديرات تكلفة المشروع؟ وما حجم حركة الركاب المتوقع؟ وما الإيرادات المقدرة؟ وما مدة استرداد الاستثمار؟ وهل يمكن للرأي العام أو الباحثين الاطلاع على ملخص لهذه الدراسة؟
بحثت في المصادر العامة المتاحة، ولم أجد دراسة جدوى منشورة تجيب عن هذه الأسئلة. وهذا لا يعني أن الدراسة غير موجودة، لأنني لا أستطيع الجزم بذلك دون وثائق، وإنما يعني ببساطة أنني لم أجدها متاحة بصورة علنية. وهذا التفريق مهم جدًا في أي بحث جاد: عدم العثور على معلومة لا يعني تلقائيًا عدم وجودها.
وأعتقد أيضًا أنه من المهم ألا يتحول هذا النوع من الأسئلة إلى موقف ضد الاستثمار القطري أو الأجنبي بصفة عامة. ليبيا تحتاج فعلًا إلى استثمارات كبيرة في المطارات والطرق والطاقة والبنية التحتية، كما أن الاستعانة بشركات دولية تمتلك الخبرة والتمويل قد تكون ضرورة وليس رفاهية. بل إن نموذج الاستثمار الذي يخفف العبء المباشر على الخزانة العامة قد يكون خيارًا جيدًا إذا كانت شروطه عادلة ومدروسة.
لكن الاستثمار الجيد يحتاج إلى شفافية جيدة. وكلما كان المشروع أكبر ومرتبطًا بأصل استراتيجي مثل مطار العاصمة، زادت الحاجة إلى نشر المعلومات الأساسية التي تسمح للمواطن والباحث والصحفي بفهم طبيعة ما يجري. فالشفافية لا تضر بالمشروع الناجح، بل تحميه من الشائعات والتفسيرات المتناقضة.
بدأت رحلتي في هذا الموضوع بمنشور لصديق على فيسبوك يصف المشروع بأنه «وهم»، وانتهيت إلى نتيجة مختلفة قليلًا. المشروع ليس وهمًا وفق المصادر القطرية والدولية التي تمكنت من الوصول إليها، لكن تفاصيله المالية والتعاقدية لا تزال أقل وضوحًا بكثير من حجم الخطاب المصاحب له.
لذلك أعتقد أن السؤال لم يعد: هل هناك مشروع لمطار طرابلس الدولي؟ فالإجابة، استنادًا إلى ما وجدته، هي نعم، هناك مشروع واتفاق وشركة مرتبطة به.
السؤال الأهم اليوم هو: ما الذي تم الاتفاق عليه فعلًا؟ كم سيكلف؟ من سيدفع؟ من سيشغل؟ وما الذي ستحصل عليه ليبيا في المقابل؟
وعندما تكون الإجابات عن هذه الأسئلة متاحة بوضوح، يمكن حينها الانتقال من النقاش المبني على الانطباعات، سواء بوصف المشروع بأنه «وهم» أو باعتباره إنجازًا مكتملًا، إلى نقاش أكثر واقعية قائم على الأرقام والعقود والنتائج.
المصادر الأساسية التي استند إليها البحث: الموقع الرسمي لـUCC Holding، وزارة المواصلات القطرية، EnterpriseAM، وNewsAero.
