شهد بداية شهر أغسطس 2026 تداول التعميم الرسمي الصادر عن ديوان مجلس الوزراء والموجه إلى رئيس الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية، والذي نص على ضرورة إلزام جميع الخطباء والوعاظ في المساجد بخطاب ديني يرتكز على الوسطية والاعتدال، وتعزيز وحدة الصف ونبذ الكراهية، مع التشديد على الابتعاد عن التجاذبات السياسية والحظر الصارم لتناول الأزمات أو تسمية الجهات والأشخاص قبل اكتمال المعلومات وصدور البيانات الرسمية من الجهات المختصة، إضافة إلى اتخاذ الإجراءات القانونية والملاحقة بحق المخالفين.
ومن حيث المبدأ الحقوقي والمجتمعي، لا يمكن الاختلاف حول أهمية أن يظل المسجد مساحة آمنة تجمع آحاد المجتمع ولا تفرقهم، وأن يُنزه المنبر عن التحريض وخطاب الكراهية والتجييش الحزبي وازدراء أي فئة من فئات المجتمع. إن حماية السلم الأهلي مسؤولية تقتضي ضبط الخطاب العام وضمان عدم استغلال المنصات الدينية في إثارة القلاقل؛ غير أن هذه المعادلة تضعنا أمام تساؤل حقوقي مفصلي يتصل بحرية التعبير والمواطنة: أين تنتهي حدود التوجيه المشروعة لمنع الفتنة وضبط الخطاب، وأين تبدأ محاولات تكميم الأفواه ومصادرة حق المجتمع في التعبير عن معاناته اليومية؟
إن الخطيب ليس كياناً معزولاً عن واقع محيطه الاجتماعي والاقتصادي، بل هو جزء أصيل من النسيج الوطني يتأثر بجميع الظروف الضاغطة التي يعيشها المواطن. ومن هذا المنطلق، فإن تناول المعاناة الحياتية للشعب بدءاً من غلاء الأسعار وتدني الخدمات الصحية والتعليمية، ووصولاً إلى انقطاع الكهرباء وغياب حقوق الوصول الشامل والأجهزة المساندة للأشخاص ذوي الإعاقة، فضلاً عن التأخر في المردود التنموي لا يمثل تجاذباً سياسياً أو سعياً للفتنة، بل هو ممارسة لوظيفة نقدية ورسالة أخلاقية تُعنى بالعدالة الاجتماعيّة وترسيخ الحقوق المكتسبة للمواطنين. وعلاوة على ذلك، فإن مطالبة الخطيب بالصمت التام والتغاضي عن هذه القضايا بحجة انتظار «البيانات الرسمية» يجرّد المنبر من دوره التاريخي والإنساني كصوت نصير للإنسان وحقوقه الأساسية.
إن المناصب والمسؤوليات الحكومية في أي دولة تسعى للحكم الرشيد هي أمانة وتكليف يخضع للمحاسبة والتقويم، وليست حصانة ضد النقد والمساءلة. وبالتالي، يُعد نقد الأداء الحكومي والتقصير الإداري عندما يحيد المسؤولون عن واجباتهم حقاً أصيلاً للمواطن والخطيب على حد سواء. ولا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار التوعية بحقوق المواطنين والتنبيه على أوجه الفساد وسوء الإدارة نوعاً من إثارة الفتن، بل هي أداة مدنية أساسية للإصلاح والشفافية. وفي المقابل، فإن الفتنة الحقيقية تنشأ وتتفاقم عندما تُهمش حقوق الناس وتُتجاهل آلامهم اليومية، مع فرض الصمت القسري بدعوى الحفاظ على الاستقرار والمصلحة العامة.
إن المطلوب مؤسسياً وحقوقياً يتمثل في إيجاد تنظيم متوازن ومسؤول يمنع التحريض والشخصنة والتطرف من جهة، ويحمي في الوقت ذاته المساحة المتاحة للمطالبة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة أخرى. يحتاج المجتمع الليبي اليوم إلى خطباء يمتلكون الوعي الحقوقي والقانوني، ينحازون لقضايا الإنسان وحقوقه في التمكين والعيش الكريم، دون أن يتحول المنبر إلى بوق لتلميع التقصير المؤسسي أو أداة للتراشق السياسي. وتبقى الكلمة الصادقة أمانة أخلاقية، بينما يظل المسؤول في موقع السلطة مطالباً بالاستماع الواعي لنقد الشارع والعمل الجاد على معالجة الخلل، بدلاً من مطالبة المجتمع والخطباء بالسكوت عن حقوقهم المشروعة.
