Loading... | ... | 00:00

هل تميّز الدولة بين الأشخاص ذوي الإعاقة بحسب سبب إعاقتهم؟

مشاركة



قراءة نقدية في قرارات تكرّس التمييز بين الأشخاص ذوي الإعاقة

 تثير وثيقتان رسميتان متداولتان أسئلة حقوقية وأخلاقية لا يمكن تجاهلها بشأن الطريقة التي تتعامل بها الدولة الليبية مع فئات الأشخاص ذوي الإعاقة، وحول ما إذا كانت الحقوق والخدمات والامتيازات تُمنح وفق الاحتياج الحقيقي، أم وفق سبب الإعاقة وحجم النفوذ والقدرة على الضغط.

تتعلق الوثيقة الأولى بقرار صادر عن رئيس مجلس الوزراء رقم 355 لسنة 2026، يقضي بمنح ترقية تشجيعية لموظفين وفق كشف مرفق، بناءً على كتاب صادر عن جهة تختص برعاية أسر الشهداء والمفقودين والمبتورين والأسرى.

أما الوثيقة الثانية، فهي مراسلة من وزير الشباب إلى رئيس اللجنة العليا لتنفيذ مبادرة رئيس الحكومة للإسكان الشبابي والأسر المحتاجة، تتضمن توجيهاً باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنح نسبة من القروض الشبابية لأسر الشهداء والمفقودين والمبتورين والأسرى.

من حيث المبدأ، لا اعتراض على أن توفر الدولة الرعاية للجرحى والمبتورين، أو أن تهتم بأسر الشهداء والمفقودين والأسرى. هذه فئات لها معاناة حقيقية، ومن واجب الدولة أن تضمن لها العلاج والتأهيل والحماية الاجتماعية والحياة الكريمة.


لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين بقية الأشخاص ذوي الإعاقة من هذه القرارات؟

كلامي ليس انتقاصاً من الجرحى

أقولها بكل وضوح إلى كل الجرحى والمبتورين: هذا المقال ليس انتقاصاً من حقوقكم، ولا دعوة إلى تجاهلكم أو حرمانكم من العلاج والرعاية. أسأل الله عز وجل أن يمنّ عليكم بالصحة والعلاج والشفاء التام، وأن تُصان كرامتكم وتُلبّى احتياجاتكم.

لكن الدفاع عن حقوقكم لا يتعارض مع مطالبتنا بحقوق بقية الأشخاص ذوي الإعاقة. فالعدالة لا تعني أن تحصل فئة على حقوقها بينما تُترك فئات أخرى في دائرة التهميش والانتظار.

أنا شخص عشت مع إعاقتي منذ طفولتي، وأعرف من التجربة اليومية أن الإعاقة لا تصبح أقل صعوبة لأنها لم تنتج عن حرب، ولا تقل تكلفة الحياة معها لأن صاحبها لم يُصب في جبهة قتال.

هناك من وُلد بإعاقة، وهناك من أصيب بشلل الأطفال، ومن تعرض لحادث مدني، ومن فقد قدرته على الحركة بسبب مرض أو إصابة. جميع هؤلاء يواجهون عوائق حقيقية في المنزل والشارع والتعليم والعمل والنقل والحصول على الرعاية والأجهزة التعويضية.

فهل يصبح حقهم أقل لأن سبب إعاقتهم لا يمنحهم صفة سياسية أو اجتماعية ذات تأثير؟

التمييز لا يكون دائماً بقرار صريح

قد لا نجد في هذه الوثائق عبارة تقول صراحة إن بقية الأشخاص ذوي الإعاقة محرومون، لكن التمييز لا يكون دائماً مكتوباً بهذه الطريقة.

قد يظهر التمييز عندما تُفتح أبواب القروض والترقيات والمزايا لفئة محددة، بينما لا تُتاح فرص مماثلة لفئات أخرى تواجه الاحتياجات نفسها أو احتياجات أشد.

وقد يظهر عندما تعتمد الدولة سبب الإصابة أو الانتماء إلى مؤسسة معينة معياراً للحصول على الامتياز، بدلاً من اعتماد معايير موضوعية مثل:

درجة الإعاقة، وشدة الاحتياج، والوضع المادي والاجتماعي، وتكاليف الرعاية، والحاجة إلى المساعدة الشخصية، ومدى ملاءمة السكن، والقدرة على الوصول إلى التعليم والعمل والخدمات.

لهذا، فإن الوثيقتين تثيران شبهة تمييز مؤسسي في توزيع الموارد والامتيازات العامة. ولا يمكن الجزم قانونياً بعدم مشروعية القرارين استناداً إلى صور الوثائق وحدها، من دون الاطلاع على القوائم المرفقة، والمعايير واللوائح ومصادر التمويل، لكن من حقنا أن نسأل عن العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص.

الإعاقة لا تُقاس بسببها

القانون الليبي رقم 5 لسنة 1987 يشمل فئات متعددة من الأشخاص ذوي الإعاقة، من بينها المكفوفون والصم ومبتورو الأطراف والمشلولون والمقعدون والمصابون بأمراض مزمنة أو بعجز دائم. وهذا يعني أن الإطار القانوني الليبي لم يحصر الحماية في الإعاقات الناتجة عن الحروب، بل اعترف بتنوع الإعاقات واحتياجات أصحابها.

كما ينظم القانون مجموعة من الخدمات والمنافع، من بينها التعليم والتأهيل والعمل والأجهزة التعويضية وتسهيلات النقل والوصول إلى المباني والمرافق العامة.

كذلك صدّقت ليبيا على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في 13 فبراير 2018، ودخلت الاتفاقية حيز النفاذ بالنسبة إليها في 15 مارس من العام نفسه.

وتنص المادة الخامسة من الاتفاقية على المساواة وعدم التمييز، وعلى حق الأشخاص ذوي الإعاقة في حماية قانونية متساوية وفعالة من التمييز. كما تؤكد المادة الثامنة والعشرون حقهم في مستوى معيشي لائق وحماية اجتماعية دون تمييز.

وبالتالي، فإن المعيار العادل في تقديم الدعم يجب أن يكون الاحتياج الفعلي والعوائق التي يواجهها الشخص، لا سبب الإعاقة أو الجهة التي ينتمي إليها.

هل كل معاملة خاصة تُعد تمييزاً؟

ليس بالضرورة.

قد يكون تخصيص دعم إضافي لفئة تضررت من الحرب إجراءً مشروعاً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالعلاج العاجل أو التعويض عن أضرار مباشرة أو معالجة ظروف استثنائية. كما أن اتخاذ تدابير خاصة لتحقيق المساواة الفعلية لا يُعد في ذاته تمييزاً، متى كانت هذه التدابير واضحة ومبررة ومتناسبة مع الاحتياج.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الإجراءات الاستثنائية إلى مسار دائم للامتيازات، من دون معايير معلنة، ومن دون أن يُتاح لبقية الأشخاص ذوي الإعاقة الوصول إلى برامج مماثلة.

وإذا كانت القروض الشبابية مخصصة للشباب والأسر المحتاجة، فمن حقنا أن نسأل: لماذا لا تكون هناك نسبة معلنة لجميع الشباب ذوي الإعاقة، وفق حالتهم الاقتصادية واحتياجاتهم السكنية؟

وهل الشاب الذي يستخدم كرسياً متحركاً ولا يستطيع دخول حمام منزله أو التنقل داخله ليس من الأسر المحتاجة؟


وهل الشابة ذات الإعاقة التي تحتاج إلى سكن مهيأ أقل استحقاقاً للقرض لأنها لم تُصب في الحرب؟


الترقية لموظفين وليست حقاً مباشراً للمبتورين


من المهم التمييز بين محتوى الوثيقتين.


فالقرار الأول، وفق ظاهره، لا يمنح ترقية للأشخاص المبتورين أنفسهم، بل يمنح ترقية تشجيعية لموظفين وردت أسماؤهم في كشف مرفق، بناءً على مراسلات مرتبطة بجهة ترعى أسر الشهداء والمفقودين والمبتورين والأسرى.

وهذا يدفع إلى سؤال مختلف: ما المعايير التي استند إليها منح هؤلاء الموظفين ترقية تشجيعية استثنائية؟ وهل حصل موظفون يؤدون أعمالاً مماثلة داخل المؤسسات التي تخدم بقية الأشخاص ذوي الإعاقة والفئات الاجتماعية على المعاملة نفسها؟

الترقية التشجيعية يجب أن تكون مرتبطة بالأداء والكفاءة والاستحقاق الوظيفي، لا بمجرد العمل داخل جهة تتمتع باهتمام أو نفوذ أكبر.

أما الوثيقة الثانية فهي أكثر اتصالاً بمسألة التمييز بين المستفيدين، لأنها تتحدث عن تخصيص نسبة من برنامج عام للقروض الشبابية لفئات معينة، من دون أن يظهر في الوثيقة ما إذا كانت بقية فئات الأشخاص ذوي الإعاقة مشمولة أو مستبعدة.


اهتمام الدولة أم استجابة لموازين القوة؟

في كل محفل تقريباً نشاهد اهتماماً رسمياً واسعاً بالجرحى والفئات المرتبطة بالحروب والصراعات. تظهر الاجتماعات والقرارات والوعود بالعلاج والمنح والترقيات والقروض.

هذا الاهتمام قد يبدو في ظاهره تكريماً لهذه الفئات، لكن من المشروع التساؤل عما إذا كان جزء منه مرتبطاً بموازين القوة السياسية والاجتماعية، وبقدرة بعض الفئات والجهات على ممارسة الضغط وفرض مطالبها.

في المقابل، يعيش كثير من الأشخاص ذوي الإعاقة منذ الولادة أو الطفولة في تهميش واضح، رغم أنهم لا يملكون قوة مسلحة ولا كتلة ضغط ولا جهة سياسية تتفاوض باسمهم.

ينتظر بعضهم سنوات للحصول على كرسي متحرك مناسب، أو جهاز تعويضي، أو خدمة منزلية، أو مساعدة شخصية، أو سكن مهيأ. ويعتمد آخرون على معاش أساسي لا يتناسب مع ارتفاع تكاليف الحياة ومتطلبات الإعاقة.


وعندما يطالبون بحقوقهم، يجري التعامل معهم أحياناً وكأنهم يطلبون صدقة أو ميزة إضافية، مع أن هذه الخدمات ليست رفاهية.


  • حقوق وليست امتيازات
  • الكرسي المتحرك ليس رفاهية.
  • المساعدة الشخصية ليست خادماً إضافياً.
  • السكن المهيأ ليس ترفاً معمارياً.
  • والمعاش الأساسي ليس صدقة.


هذه كلها وسائل تمكّن الشخص من ممارسة حياته، والوصول إلى التعليم والعمل والخدمات، والعيش باستقلال وكرامة.


الشخص الذي يحتاج إلى من يساعده على النهوض أو تناول الطعام أو الاستحمام لا يطلب امتيازاً، بل يطلب الحد الأدنى من الدعم الذي يسمح له بأن يعيش مثل بقية الناس.


والشخص الذي لا يستطيع دخول مؤسسة عامة بسبب السلالم لا يعاني من جسده وحده، بل من بيئة صممت بطريقة تستبعده.


لهذا، يجب ألا تحصر الدولة مفهوم الرعاية في دفع مبلغ مالي أو إصدار بطاقة، بل عليها معالجة العوائق التي تحول دون مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع.


المطلوب ليس سحب حقوق فئة بل توسيعها للجميع


الحل ليس إلغاء رعاية الجرحى أو حرمان أسر الشهداء والمفقودين والأسرى من الخدمات. المطالبة بالمساواة لا تعني توزيع الحرمان بالتساوي، بل تعني بناء منظومة عادلة تشمل الجميع.


المطلوب هو أن تعلن الدولة معايير واضحة وشفافة للحصول على القروض والمنح والترقيات والخدمات، وأن تكون الأولوية مبنية على الاحتياج والوضع الاجتماعي والاقتصادي، لا على النفوذ أو سبب الإعاقة.


كما يجب تخصيص نسبة عادلة ومعلنة للأشخاص ذوي الإعاقة في برامج الإسكان والقروض والعمل، مع مراعاة متطلبات تهيئة المساكن وإمكانية الوصول إليها.


ويجب تنفيذ الحقوق التي يكفلها القانون، وتوفير الأجهزة التعويضية والكراسي المتحركة المناسبة، وتطوير نظام للمساعدة الشخصية والخدمة المنزلية، ومراجعة قيمة المعاشات والمساعدات وفق تكاليف المعيشة الفعلية.


والأهم من ذلك كله، إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة ومنظماتهم المستقلة في إعداد القرارات والسياسات التي تمس حياتهم، بدلاً من اتخاذ القرارات نيابةً عنهم ومن دون الاستماع إليهم.


لا تجعلوا سبب الإعاقة معياراً لقيمة الإنسان


الدولة العادلة لا تسأل الشخص:


كيف أصبت بإعاقتك؟

هل كانت في الحرب أم منذ الولادة؟

إلى أي جهة تنتمي؟

ومن يقف وراءك؟


الدولة العادلة تسأل:


ما احتياجاتك؟

ما العوائق التي تواجهها؟

وما الذي يجب توفيره حتى تعيش باستقلال وكرامة ومساواة؟


لا ينبغي أن تتحول الإعاقة الناتجة عن الحرب إلى بوابة دائمة للامتيازات، وفي المقابل تتحول الإعاقة منذ الولادة أو الطفولة إلى حكم بالتهميش والصمت.


كل شخص ذي إعاقة له الحق في الحماية والرعاية والتمكين، مهما كان سبب إعاقته، ومهما كان موقعه الاجتماعي أو السياسي.


والعدالة الحقيقية لا تتحقق عندما تستجيب الدولة للطرف الأقوى، بل عندما تحمي الإنسان الأشد احتياجاً، حتى لو لم يكن وراءه سلاح أو نفوذ أو صوت مرتفع.

مشاركة المقال

 


شارك
✓ تم نسخ النص