في الوقت الذي يتغنى فيه العالم بالتقدم التكنولوجي الفائق، وتُطرح فيه مشاريع الطيران الذكي وربط القارات بلمسة زر، يواجه المسافرون ذوو الإعاقة عوائق بنيوية وسلوكيات تمييزية تحول تجربة السفر الجوي من حق طبيعي في التنقل إلى سلسلة متصلة من الانتهاكات الحقوقية والإهانات الممنهجة للكرامة الإنسانية. إن الفجوة السحيقة بين التشريعات النظرية والمواثيق الدولية من جهة، والواقع العملي اليومي في المطارات وكبائن الطائرات من جهة أخرى، تعكس خللاً بنيوياً عميقاً في كيفية تعاطي صناعة الطيران المدني مع مفهوم إمكانية الوصول والتيسير الشامل.
وقد سلطت الشهادات المؤلمة والموثقة التي نشرتها صحيفة The Guardian الضوء على هذه الأزمة الحقوقية المركبة، حيث لم تكن حادثة البطلة البارالمبية هانا بابالولا مجرد استثناء عابر أو خطأ فردي. فحين حُرمت هانا من استخدام الكرسي المخصص للممر على متن رحلة طويلة لشركة الخطوط الجوية الملكية الهولندية (KLM)، وقيل لها إن عليها الاختيار بين الامتناع عن استخدام المرفق الصحي لـ 11 ساعة كاملة أو النزول النهائي من الطائرة، تجسد المفهوم الحقيقي للتمييز. ورغم قيامها بحجز خدمة المساعدة الخاصة قبل الرحلة بوقت كافٍ، صُعّد الموقف بحجة الخوف من الاضطرابات الجوية بل ووصل الأمر إلى استدعاء الشرطة والأمن لإرغامها على الانصياع، ورغم رفض الشرطة التدخل لعدم وجود مخالفة، اضطرت هانا تحت وضع الإكراه النفسي للتنازل عن حقها البيولوجي الأساسي، واصفة التجربة بأنها تجريد كامل من الإنسانية وإهانة لا تطاق.
إن تجربة هانا بابالولا تتكرر بصور متعددة تجسد أبعاداً أخرى لسلب الاستقلالية والتمييز الهيكلي. فمن جانبه، يوضح الناشط حسن أديل، المصاب بضمور العضلات، كيف يتعرض بشكل مستمر لنقل غير آمن بين كرسيه الشخصي وكرسي الطائرة بسبب الغياب التام للتدريب المهني لطواقم العمليات الأرضية بالطريقة الصحيحة لنقل الأشخاص ذوي الإعاقات الشديدة دون تعريضهم للإصابة. وفي سياق متصل، تضطر الفنانة والناشطة بايل شريشريمال إلى الامتناع التام عن تناول المياه والأكل قبل عدة ساعات من أي رحلة جوية تجنباً لمعاناة الوصول إلى المراحيض غير الميسرة على متن الطائرات، فضلاً عن مواجهتها أسئلة تمييزية ومطالبات غير قانونية بدفع رسوم إضافية لشحن كرسيها المتحرك.
تتمدد هذه المعاناة لتطال حتى الشخصيات القيادية والنفعية العامة التي تمثل المجتمع الدولي، كما حدث مع الناشطة الحقوقية والرياضية سامانتا بولوك؛ فبعد مشاركتها في مؤتمر الدول الأطراف في الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (COSP19) بمقر الأمم المتحدة، فوجئت بشركة الخطوط الجوية البريطانية (British Airways) تمنعها من الصعود إلى رحلة العودة إلا إذا اشترت تذكرة إضافية باهظة الثمن لـ "مرافق" يساعدها في الوصول إلى المرحاض، متجاهلة حقها المستقل في الحركة والترتيبات التيسيرية الواجبة. تكتمل صورة هذه البيئة الطاردة بالتعامل السطحي مع الوسائل المساعدة؛ حيث أدى تلف الكرسي المتحرك الكهربائي لأحد المسافرين في مخزن أمتعة طيران الإمارات (Emirates) إلى احتجازه قسراً داخل منزله لأسابيع وحرمانه من مواعيده الطبية وتلبية احتياجاته اليومية، ذلك أن الكرسي المتحرك ليس مجرد أمتعة سفر يمكن الاستغناء عنها، بل هو امتداد طبيعي وجسدي لآلية التنقل المستقل للحرية الشخصية.
لتفكيك هذه الظاهرة الممتدة، يتيح النموذج الاجتماعي للإعاقة (Social Model of Disability) الإطار التحليلي الأنسب للفهوم والتفسير؛ إذ يوضح أن الإعاقة لا تكمن في جسد الفرد أو قصوره الفسيولوجي، بل تنشأ من العوائق المادية والبيئية والسياسات التمييزية والنظرة المجتمعية القاصرة. وإن امتناع شركات الطيران عن توفير كراسي الممرات أو تصميم دورات مياه ميسرة هندسياً يُعد خرقاً صريحاً للمادة التاسعة من الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (UN CRPD) التي تلزم كافة القطاعات بضمان إمكانية الوصول على أساس المساواة مع الآخرين. كما تصطدم الممارسات التي تؤدي لإتلاف الوسائل المساعدة أو تقييد الحركة بالمواد (18 و20) الخاصة بالحرية الشخصية والتنقل المستقل، حيث إن التعامل مع الوسائل المساعدة كأمتعة وليس كـ "امتداد للجسد" يمثل اعتداءً على الكرامة الذاتية. وعندما يتجرأ أحد أطقم الطيران باقتراح "ارتداء حفاضة" على مسافرة بالغ لعدم توفر بيئة ميسرة، تنكشف أبعاد النظرة الأبوية والنموذج الطبي القديم الذي يتعامل مع الشخص ذي الإعاقة كعبء لوجستي وأمني بدلاً من كونه مسافراً أصيلاً يمتلك حقوقاً غير قابلة للتجزئة.
تزداد خطورة هذه القضية عند قراءة المؤشرات الرقمية المسجلة؛ فوفقاً لبيانات منظمة الصحة العالمية، يعيش أكثر من 1.3 مليار نسمة (ما يعادل 16% من سكان العالم) مع شكل من أشكال الإعاقة. وتؤكد الدراسة الأكاديمية الصادرة عن الباحثة سارة ريتشاردسون أن 83% من المسافرين ذوي الإعاقة يعانون من مستويات حادة من التوتر والقلق قبل السفر، بينما أفاد 100% من المشاركين بمواجهتهم عوائق معقدة أثناء رحلاتهم الجوية. وتوضح الدراسة أن التوجه المتزايد لقطاع الطيران نحو الأتمتة السريعة لتعظيم الربحية أدّى إلى تهميش التصميم الشامل (Universal Design) وتهميش المعايير الحقوقية، حيث أصبحت الخدمات التيسيرية تُعامل كخدمات رفاهية إضافية مشروطة بدفع مبالغ مالية باهظة، مثل المطالبة برسوم إضافية للحصول على مقعد بمساحة أوسع للوصول.
إن الخروج من هذه الأزمة البنيوية يستوجب تجاوز رسائل الاعتذار التقليدية الصادرة عن أقسام العلاقات العامة، والتحول فوراً نحو المساءلة القانونية والتغيير التشريعي الشامل. يتطلب ذلك تحديث قوانين الطيران المدني عبر منظمة (ICAO) والاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA) لإدماج معايير الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ببنود إلزامية، مع فرض غرامات مالية باهظة وتعويضات فورية غير مشروطة عند تعطيل حركة أي مسافر أو إتلاف وسائله المساعدة. كما يجب فرض معايير التصميم الشامل بصورة إلزامية على شركات تصنيع الطائرات لدمج كبائن ومراحيض ميسرة هندسياً، وإعادة هيكلة برامج تدريب الكوادر الأرضية وطواقم الطيران لتستند إلى منظور حقوقي يُدار بواسطة خبراء من الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم، فضلاً عن إنشاء مجالس استشارية مستقلة تضمن مشاركة أصحاب الحقوق في صنع القرار وتطوير سياسات السفر.
وكما تؤكد الناشطة الحقوقية سوفي مورغان، مؤسسة مبادرة Rights on Flights: "نحن نسافر وحقوقنا في جيوبنا، لكن هذه الحقوق تُنتهك باستمرار. يجب أن نُعيد تعريف ما يحدث بوصفه أزمة حقوقية وهيكلية تتطلب حلاً جذرياً ولا تقبل التسويف". إن الكرامة الإنسانية وحرية التنقل ليست مجرد خيارات تجارية يخضع تقديمها لأهواء شركات الطيران، بل هي حقوق أساسية ومكفولة دولياً يجب صونها والدفاع عنها بلا تهاون.
