نشر مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير طاهر السني، عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، تغريدة أعرب فيها عن فخر ليبيا بالمشاركة، إلى جانب مكتب الأمم المتحدة للشباب و«مجموعة أصدقاء كرة القدم»، في تنظيم فعالية دولية بعنوان «كرة القدم محفّز للصحة النفسية للشباب ورفاههم»، بمشاركة أكثر من ثلاثة آلاف شخص، وما يزيد على مئة متحدث، ونحو أربعين جهة تابعة للأمم المتحدة.
وقد نشرتُ ردي على التغريدة عبر حسابي الشخصي في منصة «إكس». لم يكن ردي اعتراضاً على كرة القدم أو إنكاراً لقيمتها الاجتماعية والنفسية، بل كان محاولة لطرح سؤال أراه ضرورياً: كيف يمكن للخطاب الرسمي الليبي أن يتحدث عن الصحة النفسية للشباب من خلال كرة القدم، بينما يتجاهل الظروف اليومية التي تستنزف صحة الشباب والمواطنين النفسية داخل ليبيا؟
مبادرة محترمة… لكن أين الواقع الليبي؟
لا شك في أن الرياضة، وكرة القدم تحديداً، يمكن أن تسهم في التقارب الاجتماعي، وتعزيز الشعور بالانتماء، ودعم الصحة النفسية. كما أن مشاركة ليبيا في الفعاليات الدولية أمر إيجابي متى كانت جزءاً من رؤية وطنية حقيقية.
لكن المشكلة ليست في المبادرة نفسها، بل في الصورة التي يقدمها الخطاب الرسمي عن ليبيا؛ صورة توحي بأننا أمام دولة مستقرة وقائمة بمؤسساتها وخدماتها، وأن ما ينقص شبابها هو المزيد من الفعاليات والمبادرات الرياضية.
الواقع مختلف تماماً. فالشباب الليبي يواجه انقطاع الكهرباء، والفساد، والبطالة، وتراجع الخدمات الصحية والتعليمية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وانعدام الاستقرار، وغياب العدالة وتكافؤ الفرص. وهذه الأزمات ليست منفصلة عن الصحة النفسية، بل تمثل بعضاً من أهم أسباب الضغط والقلق وفقدان الأمل.
عندما يعجز الشاب عن إيجاد عمل، أو يفقد ثقته في مؤسسات الدولة، أو لا يعرف إن كان سيحصل على العلاج والخدمة الأساسية، فمن الصعب إقناعه بأن مباراة لكرة القدم وحدها تستطيع معالجة ما يعيشه.
بيننا تجربة مشتركة ومسؤولية مختلفة
مع كامل احترامي للسفير طاهر السني، فإنني أرى أن تغريدته تبدو وكأنها صادرة من عالم موازٍ بعيد عن ليبيا التي يعرفها المواطن ويعيش أزماتها كل يوم.
أنا والسفير نعيش خارج ليبيا، ونستفيد من قدر من الاستقرار وحرية التعبير وتوافر الخدمات. لكن الفارق الأساسي بيننا أنني مواطن ومدوّن وناشط في مجال حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، بينما يشغل السيد السني منصباً دبلوماسياً رفيعاً ويمثل ليبيا لدى الأمم المتحدة، بما يحمله ذلك من مسؤولية ونفوذ وامتيازات.
لذلك، من حق الليبيين أن ينتظروا من ممثل دولتهم نقل معاناتهم الحقيقية إلى المحافل الدولية، وأن يتحدث عن الأزمات التي تمس حياتهم وحقوقهم ومستقبلهم، لا أن يكتفي بخطاب علاقات عامة يقدم صورة مثالية عن دولة لم تكتمل مؤسساتها ولم تستقر خدماتها بعد.
الدبلوماسية ليست فقط الاحتفاء بالمشاركات والفعاليات، بل هي أيضاً إيصال صوت المواطن، والدفاع عن حقوقه، وحشد الدعم لمعالجة القضايا التي تهدد كرامته وحياته.
سؤال العودة إلى ليبيا بصفتي شخصاً من ذوي الإعاقة
بالنسبة إليّ، المسألة ليست نقاشاً سياسياً مجرداً. فأنا شخص من ذوي الإعاقة أعيش خارج ليبيا وأفكر جدياً في العودة إلى بلادي. ولذلك أسأل: هل تستطيع الدولة الليبية أن توفر لي أبسط مقومات الحياة؟
هل سأجد كهرباء مستقرة لشحن وتشغيل كرسيي الكهربائي والمعدات التي أعتمد عليها في حياتي اليومية؟ وماذا سيحدث إذا انقطعت الكهرباء ساعات طويلة ولم يتوفر بديل آمن؟
هل سأحصل على رعاية صحية مناسبة؟ وهل سأجد طرقاً ومبانٍ ومؤسسات ومواصلات مهيأة؟ وهل تضمن لي منظومة الحماية الاجتماعية حياة مستقلة وكريمة، أم سأجد نفسي مضطراً إلى الاعتماد الكامل على أسرتي والآخرين بسبب عجز الدولة عن إزالة الحواجز؟
هذه الاحتياجات ليست كماليات، ولا امتيازات خاصة، ولا مطالب قائمة على الشفقة. إنها حقوق أساسية وشروط ضرورية للحياة والاستقلال والكرامة.
وعندما تتحدث الدولة عن الصحة النفسية والرفاه، فعليها أن تدرك أن القلق من انقطاع الكهرباء عن كرسي كهربائي، أو عدم الوصول إلى المستشفى، أو غياب المواصلات المهيأة، يشكل ضغطاً نفسياً حقيقياً لا تعالجه الشعارات ولا الفعاليات المؤقتة.
كرة القدم ليست بديلاً عن الدولة
الليبيون ليسوا ضد كرة القدم، بل هي جزء مهم من ثقافتهم واهتماماتهم. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول كرة القدم إلى واجهة إعلامية أو أداة لتجميل الواقع، أو عندما تُختزل قضايا الشباب وأحلامهم في لعبة واحدة.
كرة القدم قد تجمع الناس لمدة تسعين دقيقة، وقد تمنحهم لحظات من الفرح، لكنها لا توفر الكهرباء ولا تعالج المرضى، ولا تصلح المدارس، ولا تخلق فرص العمل، ولا تحارب الفساد، ولا تضمن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
ما يحسن الصحة النفسية للشباب فعلاً هو شعورهم بأنهم يعيشون في دولة تحترمهم، وتحمي حقوقهم، وتوفر لهم التعليم والعمل والعلاج والأمن والعدالة. وما يوحد الليبيين بصورة دائمة ليس الفوز في مباراة، بل وجود دولة يشعرون جميعاً بأنها تمثلهم وتخدمهم دون تمييز.
نقد ضروري لا إساءة شخصية
أحترم السفير طاهر السني، وأعتذر إن بدا نقدي قاسياً، لكنه نقد صادق لا يستهدف شخصه، بل يناقش الخطاب الرسمي الصادر عن مسؤول يمثل ليبيا في واحدة من أهم المؤسسات الدولية.
نحن بحاجة إلى مسؤولين أكثر واقعية، يعترفون بالمشكلات ويتحملون مسؤولياتهم، ويبتعدون عن البروباغندا وتجميل الصورة. فانتقاد الخطاب الرسمي ليس إساءة إلى الدولة، بل دفاع عن حق المواطن في أن يرى واقعه ممثلاً بصدق.
المناصب العامة ليست للاحتفاء بصورة ليبيا التي نتمنى وجودها، بل للعمل من أجل بناء الدولة التي يستحقها الليبيون. وقبل أن نتحدث عن كرة القدم بوصفها محفزاً للصحة النفسية، علينا أن نواجه الأسباب الحقيقية التي تستنزف صحة المواطن النفسية وتهدد حياته وكرامته كل يوم.
كرة القدم تستطيع أن تجمعنا لبعض الوقت، لكن الدولة وحدها هي التي تستطيع أن تمنحنا الأمان والاستقرار والكرامة.
