القصة لم تُصوَّر حديثاً خلال كأس العالم 2026، كما قد توحي بعض التغطيات المتداولة؛ بل ظهرت في الموسم الثاني من سلسلة Married to the Game على منصة Prime Video، قبل أن تعود إلى الواجهة بالتزامن مع تألق اللاعب مع المنتخب الإسباني. وفيها تحدث كوكوريلا وشريكته كلوديا رودريغيز بصراحة عن التشخيص، وضعف الدعم المدرسي، وما اضطرت الأسرة إلى تعلّمه لفهم احتياجات طفلها. وقد تناولت الصحافة القصة منذ مطلع عام 2025، ثم أعادت نشرها خلال المونديال.
هذا الظهور ليس مجرد حديث عائلي عابر لشخصية مشهورة، بل شهادة تكشف حقيقة أساسية: التحدي لا يكمن دائماً في اختلاف الطفل، بل في مدى استعداد البيئة المحيطة لفهم هذا الاختلاف والاستجابة له.
«شاهدت»… توثيق بلا شفقة
في أحد المشاهد، تكون العائلة على متن قارب، بينما يبدو على ماتيو القلق ورغبته في العودة إلى البيت؛ المكان المألوف الذي يمنحه شعوراً أكبر بالأمان والقدرة على توقّع ما سيحدث.
فنياً، نجح العمل في الاقتراب من تجربة الأسرة من دون تحويل الطفل إلى «ضحية»، أو استخدام إعاقته لاستدرار عاطفة المشاهد. ماتيو ليس عبئاً درامياً داخل القصة، بل طفل لديه طريقة مختلفة في إدراك البيئة والتعامل مع الأصوات والتغييرات والمواقف الجديدة.
ومن المهم هنا عدم التعميم؛ فالأشخاص ذوو التوحد ليسوا نسخة واحدة، واحتياجاتهم الحسية وطرق تواصلهم واستجابتهم للتغيير تختلف من شخص إلى آخر. لكن تفضيل الروتين والقدرة على معرفة ما سيحدث مسبقاً قد يساعد بعضهم على الشعور بالهدوء والأمان، وفق إرشادات الجمعية الوطنية للتوحد في بريطانيا.
عندما تصبح المدرسة جزءاً من المشكلة
تقول كلوديا، متحدثة عن المرحلة التي سبقت حصول الأسرة على الدعم المناسب:
«لم نجد مساعدة كافية من المدرسة، وكانت تلك أسوأ الشهور في حياتنا… كنا نعود إلى البيت كل يوم ونحن نبكي.»
هذه الكلمات تختصر الفارق بين النظر إلى التوحد باعتباره «مشكلة في الطفل»، والنظر إلى الحواجز التي تضعها المؤسسات أمامه.
فوفق النموذج الاجتماعي للإعاقة، لا ينشأ الإقصاء من اختلاف الفرد وحده، بل من البيئة غير المرنة، وغياب الدعم، وعدم تكييف طرق التعليم والتواصل مع احتياجات المتعلم. الطفل لا يفشل في الاندماج؛ المنظومة هي التي تفشل عندما تصر على قالب واحد لجميع الأطفال.
ولا ينبغي اختزال التعليم الدامج في وضع الطفل داخل فصل اعتيادي ثم تركه يواجه البيئة بمفرده. الدمج الحقيقي يتطلب تقييماً فردياً، وكوادر مدرَّبة، ومساحات هادئة عند الحاجة، وتواصلاً منتظماً مع الأسرة، وأساليب تعليم مرنة، وترتيبات تيسيرية معقولة.
وتؤكد المادة 24 من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أن الحق في التعليم يشمل نظاماً تعليمياً شاملاً، وتوفير الدعم الفردي والترتيبات التيسيرية المعقولة، وعدم استبعاد الأشخاص ذوي الإعاقة من التعليم العام بسبب إعاقتهم. كما يُعد الحرمان من هذه الترتيبات شكلاً من أشكال التمييز.
«الآباء ليسوا مستعدين… وعلينا أن نتعلّم»
من أكثر لحظات الحوار صدقاً قول كوكوريلا:
«حسناً، طفلك مصاب بالتوحد، لكن الآباء ليسوا مستعدين لهذا؛ لذلك علينا أن نتعلّم الكثير.»
تكمن أهمية هذا الاعتراف في أنه لا يقدم الأب باعتباره بطلاً يعرف كل شيء، بل والداً أدرك أن المحبة وحدها لا تكفي. المحبة تحتاج إلى معرفة، والاستماع يحتاج إلى تدريب، والتقبّل الحقيقي يتطلب أن نتعلم كيف يرى الطفل العالم، لا أن نجبره على رؤيته بالطريقة التي اعتدناها.
التشخيص لا يمنح الأسرة دليلاً جاهزاً للحياة اليومية، ولا يعني أن جميع الإجابات ستأتي فوراً. إنه بداية رحلة من الملاحظة والتعلّم والتواصل مع المختصين، والأهم من ذلك كله: الإصغاء إلى الطفل واحترام طريقته في التعبير عن احتياجاته.
والأسرة لا ينبغي أن تُترك وحدها في هذه الرحلة. مسؤولية التعلم لا تقع على الوالدين فقط؛ بل تشمل المدرسة والخدمات الصحية والاجتماعية والمؤسسات العامة والمجتمع بأكمله.
في ليبيا: بين الإنكار وخطاب الشفقة
في مجتمعاتنا المحلية، ومنها ليبيا، ما تزال بعض الأسر تتردد في الحديث عن التوحد أو طلب التشخيص والدعم، خوفاً من الوصمة أو الأحكام الاجتماعية. وفي حالات أخرى، يُختزل الطفل في خطاب «الابتلاء» والشفقة، بدلاً من الحديث عن حقوقه وقدراته والدعم الذي يحتاج إليه.
لكن إخفاء التشخيص لا يحمي الطفل، والشفقة لا تبني له مدرسة دامجة، كما أن لوم الأسرة لا يوفر معلماً مؤهلاً أو خدمة تشخيص مبكر أو خطة تعليمية فردية.
ما فعلته عائلة كوكوريلا يوضح أهمية الحديث العلني المسؤول؛ حديث لا ينكر صعوبة التجربة، لكنه لا يحوّل الطفل إلى مأساة. فالصدق يساعد الأسر الأخرى على الشعور بأنها ليست وحيدة، ويفتح نقاشاً ضرورياً حول مسؤولية المؤسسات، بدلاً من تحميل الوالدين كامل العبء.
الإجازات ليست متاحة للجميع بالطريقة نفسها
تحدثت كلوديا أيضاً عن الصعوبات التي قد تواجهها العائلة أثناء الإجازات والسفر، نتيجة تغيّر المكان والمواعيد والطعام والروتين اليومي.
هذه التفاصيل تبدو صغيرة لمن لم يعش التجربة، لكنها توضح أن إمكانية الوصول لا تقتصر على المنحدرات والمصاعد. فهناك أيضاً وصول حسي ومعرفي يتطلب معلومات واضحة ومسبقة، ومساحات أكثر هدوءاً، ومرونة في الإجراءات، وتفهماً للاحتياجات الفردية.
وتوضح إرشادات الجمعية الوطنية للتوحد أن السفر قد يعرّض بعض الأشخاص لتجارب حسية مكثفة، مثل الضوضاء والإضاءة والازدحام والأطعمة والروائح الجديدة؛ لذلك يمكن أن تساعد التهيئة المسبقة، وفترات الراحة، والمساحات الهادئة والأدوات الحسية المناسبة.
ما الذي نحتاج إليه؟
قصة ماتيو ليست حالة استثنائية مرتبطة بشهرة والده؛ إنها صورة لآلاف الأطفال الذين يواجهون سوء الفهم وغياب الدعم داخل المدارس والمرافق العامة.
في ليبيا، نحن بحاجة إلى:
- تحويل الدمج التعليمي من شعار إلى سياسة ملزمة، تتضمن خططاً تعليمية فردية ودعماً مناسباً لكل طفل.
- تدريب المعلمين والإدارات المدرسية على التوحد والتنوع العصبي والتواصل البديل وإدارة الاحتياجات الحسية.
- توفير الدعم النفسي والإرشادي للأسر منذ مرحلة التشخيص، من دون لوم أو وصم أو تخويف.
- إشراك الأطفال وأسرهم في اتخاذ القرارات التعليمية التي تمس حياتهم.
- تهيئة المدارس ووسائل النقل والمرافق السياحية والخدمات العامة لاستيعاب الاحتياجات الحسية والمعرفية.
- تقديم التوحد في الإعلام باعتباره جزءاً من التنوع البشري، بعيداً عن لغة المأساة والبطولة الخارقة والشفقة.
الخلاصة
القيمة الحقيقية في حديث مارك كوكوريلا وكلوديا رودريغيز ليست في دموعهما، بل في اعترافهما بأنهما احتاجا إلى التعلّم، وفي كشفهما أن المدرسة لم تكن دائماً الحليف الذي احتاجت إليه الأسرة.
البطل ليس فقط من يرفع الكؤوس داخل الملعب، بل أيضاً من يملك الشجاعة ليتعلم، ويعترف بما لا يعرفه، ويواجه منظومة غير مهيأة دفاعاً عن حق طفله في التعليم والمشاركة والحياة بكرامة.
عندما يجد الطفل نفسه مطالباً بالتكيّف مع مدرسة لا تفهمه، فالمشكلة ليست في الطفل؛ بل في مدرسة لم تتعلم بعد كيف تحتضن الاختلاف.
