المسؤولية لا تقع على وزير المالية وحده، بل تبدأ من رئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة، بصفته المسؤول الأول عن سياسات حكومته وترتيب أولوياتها. فقد كشف رد وزير المالية بحكومة الوحدة الوطنية، راشد بوغفة، على مطالبة وزيرة الشؤون الاجتماعية بزيادة مرتبات الأشخاص ذوي الإعاقة، عن حقيقة مؤلمة: هذه الفئة ما زالت في آخر سلم أولويات الحكومة.
تبرير الرفض بـ«التقيّد باتفاق الإنفاق التنموي الموحد» لا يكفي، لأن هذا الاتفاق وُضع لتنظيم الإنفاق، والحد من الازدواجية، وتعزيز الانضباط والشفافية المالية، ولم يُوضع لتجميد الحقوق الاجتماعية. وإذا كان الاتفاق يمنع هذه الزيادة فعلًا، فعلى وزير المالية أن يكشف للرأي العام البند الذي يمنعها، وأن يعلن قيمة التكلفة المطلوبة، والبدائل التي درستها الوزارة لتمويلها.
أما انتقاد رئيس الوزراء لرد وزير المالية، بقوله: «كيف غير متاح؟ هكي تسكيرة في وجههم ما تجيش… اليوم ما عندناش إمكانية وغدوة تكون فيه إمكانية»، فلا يعفيه من المسؤولية، بل يؤكدها. فالأشخاص ذوو الإعاقة لا يحتاجون إلى التعاطف أو الوعود المؤجلة أمام الكاميرات، بل إلى قرار تنفيذي واضح. وإذا كان رئيس الحكومة غير مقتنع بإغلاق الملف، فلماذا لم يوجّه فورًا بإعداد دراسة مالية عاجلة، ويحدد موعدًا واضحًا وملزمًا لإقرار الزيادة؟
عبارة «غدوة تكون فيه إمكانية» لا تطعم أسرة، ولا تشتري دواءً، ولا توفر جهازًا مساعدًا، ولا تغطي تكاليف العلاج والنقل المهيأ والرعاية الشخصية. هذه الـ«غدوة» ينتظرها الأشخاص ذوو الإعاقة منذ سنوات، بينما تُصرف الأموال الليبية يمينًا ويسارًا على بنود وجهات أقل أولوية، وتُقر زيادات لبعض المؤسسات عندما تتوفر الإرادة السياسية.
أموال ليبيا يجب أن تُوزع بعدالة بين الليبيين، لأنها ثروة شعب وليست ملكًا للحكومة أو لرئيسها أو لوزرائها. هذه الأموال ليست إرثًا ورثتموه عن أجدادكم حتى توزعوها كيفما تشاؤون، وتمنحوها لمن تريدون وتحجبوها عمن تريدون. إنها أموال عامة، ومن حق جميع الليبيين أن ينتفعوا بها على أساس العدالة والاحتياج والأولوية، وفي مقدمتهم الفئات التي تتحمل أعباءً معيشية وصحية إضافية.
والأكثر استفزازًا أن القيود المالية تبدو مرنة عندما يتعلق الأمر بزيادة مرتبات بعض مؤسسات الدولة، ثم تتحول فجأة إلى جدار صلب عندما يصل الدور إلى الأشخاص ذوي الإعاقة. وبحسب ما جرى تداوله بشأن إقرار زيادات كبيرة لبعض الجهات، يصبح السؤال مشروعًا: لماذا تتوفر الإمكانية للبعض، بينما يُطلب من الأشخاص ذوي الإعاقة انتظار «غدوة» مجهولة؟
كما تتحمل وزيرة الشؤون الاجتماعية مسؤوليتها، لأن دورها لا ينبغي أن يتوقف عند تقديم المطالبة إلى وزير المالية ثم تلقي الرفض. واجبها الدفاع عن هذا الملف داخل مجلس الوزراء، وتقديم دراسة مالية وقانونية متكاملة، وإعلان ما قامت به وزارتها من إجراءات، بدل ترك الأشخاص ذوي الإعاقة عالقين بين وزارة تطالب وأخرى ترفض ورئيس حكومة يكتفي بالتعليق.
مرتبات الأشخاص ذوي الإعاقة ليست صدقة ولا منّة من أحد، بل حق قانوني وجزء أساسي من الحماية الاجتماعية. فالقانون الليبي رقم (5) لسنة 1987 حمّل الخزانة العامة تكلفة المنافع والمزايا المقررة لهم، كما تكفل المادة (28) من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة حقهم في مستوى معيشي لائق وفي الحماية الاجتماعية دون تمييز.
المطلوب اليوم ليس مزيدًا من الكلام، بل كشف التكلفة الحقيقية للزيادة، وتوضيح المانع القانوني أو المالي بالأرقام، ومراجعة أولويات الإنفاق الحكومي، وتحديد موعد واضح وملزم لتنفيذ الزيادة. فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد المقرات والمؤتمرات والمشروعات الدعائية، بل بقدرة المواطن على العلاج والتعليم والتنقل والعيش باستقلال وكرامة.
باختصار، المسؤولية تبدأ من رئيس الحكومة، ثم وزير المالية، ثم وزيرة الشؤون الاجتماعية. لا يجوز تبادل الأدوار أمام الكاميرات، بينما يبقى الأشخاص ذوو الإعاقة وحدهم يدفعون ثمن التأجيل. أموال ليبيا ملك لجميع الليبيين، وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ليست بندًا احتياطيًا، وكرامتهم لا يمكن أن تبقى معلقة على كلمة «غدوة».
