Loading... | ... | 00:00

الأشخاص ذوو الإعاقة خارج حسابات الحكومة… والاتفاق التنموي شماعة جديدة

مشاركة

 


كشف رد وزير المالية بحكومة الوحدة الوطنية، راشد بوغفة، على مطالبة وزيرة الشؤون الاجتماعية بزيادة مرتبات الأشخاص ذوي الإعاقة، عن خلل أعمق من مجرد رفض زيادة مالية. فالقول إن الزيادة «غير متاحة حاليًا بسبب التقيّد بالاتفاق التنموي الموحد» يعكس بوضوح موقع هذه الفئة في سلم أولويات الحكومة: حقوق قابلة للتأجيل كلما ظهرت قيود مالية، بينما تظل أبواب إنفاق أخرى مفتوحة بلا تردد.

لكن السؤال الذي يجب توجيهه إلى وزير المالية هو: هل يمنع الاتفاق التنموي الموحد صراحةً تحسين مرتبات الأشخاص ذوي الإعاقة، أم أن الحكومة اختارت ببساطة ألا تضعهم ضمن أولوياتها؟

اتفاق الإنفاق التنموي الموحد أُعلن باعتباره آلية لتوحيد الإنفاق، ووقف الازدواجية، وتعزيز الانضباط والشفافية المالية، وليس قانونًا لتجميد الحقوق الاجتماعية. لذلك، لا يكفي أن يذكر الوزير اسم الاتفاق لتبرير الرفض؛ بل عليه أن يوضح المادة أو البند الذي يمنع الزيادة، وأن يكشف قيمة التكلفة المطلوبة، وما إذا كانت وزارة المالية قد درست بدائل لتمويلها.


الأكثر استفزازًا أن هذا الرفض يأتي، بحسب التغطية المتداولة، رغم إقرار زيادات مالية كبيرة لبعض مؤسسات الدولة، من بينها زيادة مرتبات موظفي هيئة الرقابة الإدارية بنسبة 150%. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: كيف تصبح القيود المالية مرنة عندما يتعلق الأمر ببعض الجهات، ثم تتحول إلى جدار صلب عندما يصل الدور إلى الأشخاص ذوي الإعاقة؟

إذا كانت الدولة قادرة على إعادة ترتيب أولوياتها لزيادة مرتبات قطاعات بعينها، فهي قادرة أيضًا على حماية دخل فئة تتحمل تكاليف إضافية يومية تشمل العلاج والأدوية والأجهزة المساعدة والنقل المهيأ والرعاية الشخصية. المشكلة، إذن، ليست دائمًا في غياب المال، بل في طريقة توزيع المال وفي تحديد من يستحق أن يكون أولًا.

ثم إن الحديث عن «مرتبات ذوي الإعاقة» يجب ألا يُقدَّم باعتباره منحة أو امتيازًا استثنائيًا. إنها جزء من منظومة الحماية الاجتماعية وحق في مستوى معيشي لائق. وينص القانون الليبي رقم (5) لسنة 1987 على أن تتحمل الخزانة العامة تكلفة المنافع والمزايا المقررة للأشخاص ذوي الإعاقة، وأن تُدرج الاعتمادات اللازمة لها. نص القانون رقم 5 لسنة 1987

كما تضمن المادة 28 من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي صدّقت عليها ليبيا، الحق في مستوى معيشي لائق والحماية الاجتماعية دون تمييز. الأمم المتحدة – اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة

التنمية الحقيقية ليست طرقًا ومباني ومقار وزارية فقط. التنمية تبدأ بالإنسان، وبقدرته على العلاج والتنقل والتعليم والعيش باستقلال وكرامة. لذلك، فإن استخدام «الاتفاق التنموي» لتبرير استبعاد الأشخاص ذوي الإعاقة يمثل تناقضًا في حد ذاته؛ إذ لا يمكن اعتبار إنفاقٍ ما تنمويًا بينما يترك وراءه فئة كاملة تواجه الفقر والتهميش وارتفاع تكاليف الإعاقة.

المطلوب من وزير المالية ليس تكرار عبارة «غير متاح»، بل تقديم الأرقام للرأي العام: كم تبلغ تكلفة الزيادة؟ ما المانع القانوني المحدد؟ وما القطاعات التي حصلت على زيادات بعد الاتفاق؟ ولماذا لم تُعامل حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بالأولوية نفسها؟

ليرد "الدبيبة" بانتقاد لتصريح "أبوغفة": كيف غير متاح هكي تسكيره في وجههم متجيش هكي، احني مدابينا بنزيدوهم، وهذه الشرائح بكونو معاهم  من حقهم أن نخدموهم، اليوم معندناش إمكانية غدوة تكون فيه إمكانية

أما وزيرة الشؤون الاجتماعية، فلا ينبغي أن يتوقف دورها عند نقل المطالبة إلى وزير المالية وتلقي الرفض. مسؤوليتها أن تدافع عن الملف داخل مجلس الوزراء، وأن تقدم دراسة مالية وقانونية متكاملة، وأن تعلن للرأي العام ما قامت به وزارتها، بدل أن يبقى الأشخاص ذوو الإعاقة عالقين بين وزارة تطالب ووزارة ترفض.

باختصار: الاتفاق التنموي الموحد ليس شماعة لتعليق الحقوق، والأشخاص ذوو الإعاقة ليسوا بندًا احتياطيًا يُنظر فيه بعد إرضاء بقية القطاعات. فإذا كانت الأموال لا تكفي للجميع، فإن العدالة تقتضي البدء بمن يتحملون أكبر الأعباء، لا تركهم في آخر الصف.

مشاركة المقال

 


شارك
✓ تم نسخ النص