Loading... | ... | 00:00

«مستقبل كرة القدم الليبية»… إصلاح للمنظومة أم استثمار سياسي في شعبية الجماهير؟

مشاركة

 


اختُتمت في فندق «ماريوت» بالعاصمة طرابلس أعمال حوارية «مستقبل كرة القدم الليبية»، التي نظمتها وزارة الرياضة برعاية رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، تحت شعار «مشروع استراتيجي لبناء منظومة كروية مستدامة».

وقدمت التغطية الرسمية الحوارية باعتبارها خطوة نحو صياغة رؤية وطنية موحدة لتطوير كرة القدم والارتقاء بالمنتخبات، إلا أن التوصيات المعلنة لم تخرج كثيراً عن عبارات تكررت خلال السنوات الماضية: الاهتمام بالفئات السنية، وتفعيل الرياضة المدرسية، وتطوير المدربين والحكام، وصيانة الملاعب، ودعم المحترفين، وإدخال التكنولوجيا، وتنويع مصادر الدخل.

هذه الأهداف معروفة منذ سنوات ولا تحتاج إلى مؤتمر جديد لإعادة اكتشافها. السؤال الحقيقي ليس: ماذا يجب أن نفعل؟ بل: لماذا لم يُنفذ ذلك حتى الآن؟ ومن المسؤول عن تعطيله؟ وأين ذهبت الأموال التي صُرفت على القطاع الرياضي؟

هل فرغ رئيس الحكومة من أزمات الدولة؟

لا أحد يعترض على أهمية الرياضة، لكن مشاركة رئيس الحكومة شخصياً في حوارية تفصيلية عن كرة القدم تثير تساؤلات جدية بشأن ترتيب الأولويات، بينما يواجه المواطن ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، واضطراب الخدمات، وتعيش البلاد انسداداً سياسياً وانقساماً مؤسسياً مستمراً.

هل حُلّت الأزمة المعيشية؟ هل استقرت مؤسسات الدولة؟ هل اقترب الليبيون من الانتخابات؟ وهل أُغلقت ملفات الفساد وهدر المال العام حتى يتولى رئيس الوزراء بنفسه رعاية مشروع تفصيلي لكرة القدم؟

دور الحكومة هو وضع السياسات العامة، وتوفير التمويل المنضبط، وفرض الرقابة والمحاسبة. أما إعداد الرؤية الفنية وإدارة شؤون اللعبة فمن اختصاص وزارة الرياضة واتحاد كرة القدم والأندية والخبراء.


استثمار سياسي في شعبية كرة القدم

لا يمكن فصل هذه الحوارية عن الشعبية الواسعة التي تحظى بها كرة القدم في ليبيا. فاللعبة تمتلك قاعدة جماهيرية ضخمة، والوصول إليها يمثل فرصة مغرية لأي سلطة تسعى إلى تحسين صورتها وتوسيع حضورها الشعبي.

وربط المشروع مباشرة باسم رئيس الحكومة، وحضوره الشخصي، وتسليط الضوء الإعلامي المكثف عليه، كلها عوامل تثير مخاوف مشروعة من توظيف كرة القدم لكسب التعاطف السياسي، خصوصاً في ظل تراجع الثقة بالحكومة واستمرار الأزمات المعيشية والسياسية.

الجماهير تريد دورياً منتظماً، وملاعب صالحة، وأندية مستقرة، ومنتخبات قادرة على المنافسة؛ ولا تريد أن تتحول عاطفتها وانتماءاتها الرياضية إلى أداة لتلميع مسؤول أو حكومة.

الدعم الحكومي للرياضة واجب تموله الخزانة العامة، وليس منحة شخصية يقدمها رئيس الحكومة للجماهير وينتظر مقابلها مكسباً سياسياً أو شعبياً. فالمال الذي يُصرف على الملاعب والأندية والمنتخبات هو مال الليبيين.

كما أن ربط المبادرة بشخص رئيس الوزراء قد يجعل استمرارها مرتبطاً ببقائه في السلطة، بينما الاستراتيجية الوطنية الحقيقية يجب أن تكون ملكاً للمؤسسات، وتستمر مهما تغيرت الحكومات والأسماء.

وهنا يبرز السؤال: هل اختارت الحكومة كرة القدم باعتبارها أولوية وطنية مدروسة، أم لأنها الطريق الأسرع للوصول إلى أكبر عدد من الجماهير وتحويل شغفهم باللعبة إلى رصيد سياسي؟

مليارا دينار خلال عامين… فأين النتائج؟

وتزداد مشروعية هذه الأسئلة مع تداول تصريح إعلامي يفيد بأن الإنفاق على قطاع الرياضة خلال العامين الماضيين بلغ نحو ملياري دينار ليبي.

هذا الرقم يحتاج إلى تأكيد رسمي ومستندات مالية منشورة؛ إذ لا تتوافر أمام الرأي العام حتى الآن بيانات تفصيلية ومستقلة تسمح بالتحقق منه، أو معرفة كيفية توزيعه والنتائج التي تحققت مقابله.

وإذا صح رقم الملياري دينار، فإن المشكلة لم تعد في نقص التمويل، بل في كفاءة إدارة المال العام، وترتيب الأولويات، والرقابة على الإنفاق. ومن غير المقبول عندها الحديث عن هيئة جديدة وميزانيات إضافية قبل تقديم كشف حساب واضح عن الأموال السابقة.

أما إذا كان الرقم غير دقيق، فمن واجب وزارة الرياضة والحكومة تصحيحه بالأرقام والوثائق، لا الاكتفاء بالصمت أو التصريحات العامة. وفي الحالتين، تبقى الشفافية هي الفيصل: إما أن المبلغ صُرف بالفعل ويجب توضيح أين ذهب، أو أنه رقم غير صحيح ويجب نفيه رسمياً.

ومن حق الليبيين معرفة:

  • إجمالي المبالغ المصروفة على الرياضة خلال العامين.
  • كيفية توزيعها بين كرة القدم وبقية الألعاب.
  • المبالغ المخصصة للأندية والاتحادات والمنتخبات.
  • تكاليف المعسكرات والسفر والمشاركات الخارجية.
  • قيمة عقود إنشاء الملاعب وصيانتها.
  • أسماء الشركات المتعاقد معها ونسب الإنجاز.
  • النتائج الفنية والتنموية التي تحققت مقابل الإنفاق.

إذا كانت الرياضة الليبية قد حصلت بالفعل على نحو ملياري دينار خلال عامين، فما الذي ستضيفه هيئة جديدة؟ وأين أثر هذا الإنفاق في مستوى المنتخبات والأندية والناشئين والبنية التحتية؟

توصيات بلا ميزانية أو جدول زمني

تحدثت مخرجات الحوارية عن «خارطة طريق واضحة» و«رؤى تنفيذية محددة»، لكنها لم تعرض أمام الرأي العام ميزانية أو جدولاً زمنياً أو مؤشرات قابلة للقياس.

لم نعرف قيمة المشروع الجديد، ولا مصدر تمويله، ولا الجهات المسؤولة عن تنفيذ كل توصية، ولا مواعيد بدء التنفيذ والانتهاء منه، ولا كيفية التعاقد والرقابة على الأموال.

كما لم تُعلن تكلفة تنظيم الحوارية في فندق «ماريوت»، والجهة التي تحملت نفقات القاعة والإقامة والضيافة والتنظيم. وهذه ليست تفاصيل هامشية، بل جزء من حق المواطن في معرفة كيفية إنفاق المال العام.

ومن دون نشر هذه المعلومات، لا توجد خارطة طريق فعلية، بل قائمة أمنيات يمكن إعادة تقديمها في مؤتمر آخر بعد سنوات.

حتى تخصيص بريد إلكتروني لاستقبال المقترحات لا يمثل مشاركة مجتمعية حقيقية. فالمشاركة تتطلب نشر وثيقة المشروع وميزانيته ومحاضر الاجتماعات، وإتاحة فرصة للتعليق عليها، ثم إعلان المقترحات المقبولة وأسباب رفض غيرها.

هيئة جديدة… لماذا؟

من أبرز التوصيات الإسراع في إنشاء هيئة تختص بدعم المنتخبات الوطنية. لكن لماذا تحتاج الدولة إلى هيئة جديدة بينما توجد وزارة للرياضة، ولجنة أولمبية، واتحاد لكرة القدم، واتحادات عامة ولجان فنية؟

هل جرى تقييم أداء المؤسسات القائمة وتحديد أسباب عجزها؟ ومن سيضمن ألا تتحول الهيئة الجديدة إلى باب للتعيينات والمرتبات والمكاتب والسيارات والسفر والعقود؟

إنشاء جسم جديد قبل إصلاح المؤسسات الحالية لا يعني التطوير بالضرورة؛ فقد يؤدي إلى تضخم الجهاز الإداري وزيادة الإنفاق وتداخل الاختصاصات. وإذا كانت المؤسسات القائمة عاجزة عن أداء مهامها، فالحل يبدأ بإصلاحها ومحاسبة المقصرين فيها، لا بإضافة مؤسسة جديدة إلى المشهد.

كما يجب أن تعلن الحكومة مسبقاً طبيعة الهيئة المقترحة، واختصاصاتها، وهيكلها الإداري، وميزانيتها، وطريقة اختيار قياداتها، وعلاقتها بالوزارة واللجنة الأولمبية والاتحادات الرياضية.

الفساد هو الملف الغائب

لا يمكن مناقشة مستقبل كرة القدم الليبية من دون فتح ملفات الفساد وسوء الإدارة وهدر المال العام داخل القطاع. ومع ذلك، خلت التوصيات المنشورة من حديث واضح عن التدقيق المالي، ونشر الميزانيات، ومراجعة العقود، وضبط الإنفاق على المعسكرات والسفر والمشاركات الخارجية.

فالاستدامة المالية لا تعني البحث عن موارد جديدة فقط، بل تبدأ بحماية الأموال الموجودة من الفساد والهدر. وضخ المزيد من المال في منظومة تفتقر إلى الشفافية قد يوسع المشكلة بدلاً من حلها.

قبل تخصيص أي ميزانيات جديدة، يجب إجراء تدقيق مالي مستقل يشمل وزارة الرياضة والاتحادات والمشروعات والأندية المستفيدة من الدعم العام، ثم نشر نتائجه أمام المواطنين والجهات الرقابية.

لا يمكن مكافحة الفساد بإنشاء هيئة جديدة قد تتحول هي الأخرى إلى مركز إنفاق إضافي، ولا يمكن بناء منظومة مستدامة فوق حسابات غير منشورة.

اليابان ليست شعاراً مختصراً

استشهد الدبيبة بتجربة اليابان، لكن نجاحها لم يتحقق بحوارية أو خطة قصيرة. فقد بنت اليابان منظومتها عبر عقود، واستفادت من الخبرات البرازيلية، خصوصاً زيكو، إلى جانب مدارس أوروبية، ثم طورت مشروعاً وطنياً يقوم على الناشئين وتعليم المدربين والاحتراف والحوكمة.

لذلك لا توجد مقارنة واقعية بين تجربة استمرت عقوداً و«رؤية 2030» لم تُنشر ميزانيتها أو مراحل تنفيذها.

أربع سنوات لا تصنع منظومة مستدامة

نحن في عام 2026، ولم يتبقَّ حتى 2030 سوى أربع سنوات تقريباً. فكيف ستُبنى خلال هذه المدة منظومة تشمل الأكاديميات والرياضة المدرسية ومنتخبات المناطق، وتطوير الحكام والمدربين، وإصلاح الأندية، وإنشاء مركز للمنتخبات، وتحقيق الاستدامة المالية والتحول الرقمي؟

هذا إصلاح مؤسسي طويل المدى، وليس مشروعاً لأربع سنوات. ووضع عام 2030 عنواناً للرؤية من دون خطة منشورة وميزانية ومراحل قابلة للقياس يجعله أقرب إلى شعار إعلامي منه إلى استراتيجية وطنية.

إذا كانت الحكومة جادة، فعليها تحديد ما يمكن إنجازه فعلياً حتى 2030، وما يحتاج إلى خطة أطول، بدلاً من جمع كل مشكلات كرة القدم في عنوان واحد وإطلاق وعود يصعب قياسها أو محاسبة أحد عليها.

ليبيا تحتاج إلى استراتيجية للرياضة كلها

المطلوب ليس رؤية منفصلة لكرة القدم، بل استراتيجية وطنية تشمل جميع الألعاب: الأولمبية والبارالمبية والنسائية والمدرسية والجامعية، وتضمن توزيع الموارد بعدالة وشفافية.

فهل من المنطقي توجيه المزيد من الأموال إلى كرة القدم وإنشاء هيئة جديدة، بينما تعاني اتحادات وأندية ورياضيون في ألعاب أخرى من ضعف الإمكانات، رغم تحقيق بعضهم نتائج دولية مهمة؟

إن التركيز الحكومي على كرة القدم وحدها قد لا يكون سببه أهميتها الرياضية فقط، بل قدرتها على جذب الجمهور وصناعة الصورة السياسية، في حين أن الرياضات الأقل جماهيرية لا تمنح المسؤول التأثير الإعلامي نفسه.

أخيراً..

المشكلة ليست في عقد حوار حول كرة القدم، بل في إعادة تدوير التوصيات العامة وتحويلها إلى مناسبة سياسية، واقتراح هيئة جديدة، وطلب المزيد من الأموال من دون تقديم كشف حساب عن الإنفاق السابق.

أي مشروع جاد يجب أن يبدأ بثلاث خطوات: التدقيق والشفافية والمحاسبة. وبعد ذلك يمكن الحديث عن الأكاديميات والمراكز والتكنولوجيا والتمويل.

أما إذا بقيت الميزانية مجهولة، والمسؤوليات غامضة، ورقم الملياري دينار بلا توضيح رسمي، والفساد خارج النقاش، فقد تتحول «رؤية مستقبل كرة القدم الليبية» إلى عنوان جديد لاستنزاف المال العام، وإلى وسيلة لاستثمار شعبية اللعبة وجماهيرها في تحسين صورة الحكومة.

كرة القدم ملك لجماهيرها وليست منصة انتخابية، والمال الذي يُصرف عليها مال عام، وليس هدية من رئيس الحكومة.

فهل نحن أمام إصلاح حقيقي، أم أمام هيئة جديدة وميزانيات جديدة ومؤتمر جديد، هدفه صناعة الشعبية السياسية، بينما تبقى الأسئلة القديمة بلا إجابة؟

مشاركة المقال

 


شارك
✓ تم نسخ النص