أعلنت مبادرة تحمل اسم «ملتقى الحوار السياسي الليبي»، خلال اجتماع عُقد في مدينة جنيف السويسرية، تسمية مصطفى المجدوب رئيسًا لما أُطلق عليه «حكومة ليبية موحدة». وبحسب الإعلان المتداول، يؤكد منظمو المبادرة أنها تستند إلى «إرادة ليبية خالصة» وتتحرك خارج مظلة الأمم المتحدة، بينما لم يصدر حتى الآن موقف رسمي ليبي أو دولي يمنح هذه الخطوة اعترافًا أو يؤكد امتلاكها صفة قانونية ملزمة.
وهنا تبدأ المفارقة السياسية: تجتمع مجموعة من الأشخاص في قاعة خارج ليبيا، وتضع العلم الليبي خلف المنصة، ثم تعلن تشكيل حكومة «موحدة»، ويصبح المطلوب من الليبيين قبول الأمر وكأنه نتيجة طبيعية لمسار وطني واضح. أما الأسئلة الأساسية، مثل: من اختار المشاركين؟ ومن فوّضهم؟ وكيف جرى ترشيح رئيس الحكومة؟ وما معايير الاختيار؟ ومن يمول المبادرة؟ وما برنامجها السياسي؟ فتبقى خارج البيان وخارج الصورة الجماعية.
وما دفعني إلى هذا التهكم أنني مقيم في مدينة برمنغهام، فقلت في نفسي: إذا كان مجرد الاجتماع في جنيف يسمح للبعض بإعلان حكومة وتسميتها «موحدة»، فلماذا لا نعلن نحن أيضًا حكومة ليبية من برمنغهام؟ نستأجر قاعة، ونضع العلم، ونجمع بعض الأسماء، ونلتقط صورة جماعية، ثم نعلن أن مبادرتنا تمثل «إرادة ليبية خالصة»!
ومن هنا جاءت فكرة التصميم الساخر: حكومة بنظام الباقات؛ من يدفع اشتراكًا بسيطًا يحصل على منصب وزير، ومن يختار الباقة الذهبية يصبح نائبًا لرئيس الوزراء، أما أصحاب الباقة البلاتينية فقد يحصلون على رئاسة الحكومة. وتبقى الباقة الماسية الفاخرة لمن يطمح إلى منصب أعلى، مع كرسي أكبر وصورة رسمية وبيان جاهز بعنوان «إنقاذ الوطن»!
وبما أن الحكومة تُشكَّل خارج ليبيا، فقد نوفر أيضًا خصمًا خاصًا للمغتربين، مع أولوية الجلوس في الصفوف الأمامية، وفرصة الوقوف خلف العلم أثناء قراءة البيان الختامي. وبعد اكتمال عدد المشتركين، تُفتح مجموعة رسمية على «واتساب»، ثم يُعلن ميلاد حكومة جديدة، بينما يبقى الشعب الليبي يتساءل: متى حدث هذا؟ ومن فوّض هؤلاء؟ وهل فاتنا موعد فتح باب التسجيل؟
هذه السخرية لا تعني الاعتراض على حق الليبيين في الاجتماع داخل البلاد أو خارجها، ولا تعني أن الأمم المتحدة يجب أن تحتكر القرار الليبي؛ لكنها اعتراض واضح على تقديم أي مجموعة باعتبارها ممثلة للإرادة الوطنية من دون تفويض حقيقي، أو معايير معلنة، أو تمثيل عادل، أو شفافية في التمويل وصناعة القرار.
فالقول إن المبادرة تستند إلى «إرادة ليبية خالصة» لا يكفي وحده لصناعة الشرعية. الإرادة الليبية ليست شعارًا تسويقيًا يُكتب في مقدمة البيان، والسيادة ليست ختمًا يوضع أسفل قائمة الأسماء. وإذا لم يعرف الليبيون من اختار المشاركين، وكيف وُزعت المناصب، وما الأساس السياسي والقانوني للمبادرة، فنحن لا نكون أمام إرادة وطنية جامعة، بل أمام مجموعة قررت الحديث باسم ليبيا ثم طالبت الجميع بالتصديق من دون أسئلة.
واستخدام اسم «ملتقى الحوار السياسي الليبي» يثير بدوره تساؤلات؛ فالاسم ارتبط أصلًا بمسار رعته الأمم المتحدة واجتمع في جنيف عام 2021 لاختيار سلطة تنفيذية مؤقتة، وفق إجراءات ترشيح وتصويت معلنة، مهما كانت الانتقادات التي وُجهت إلى ذلك المسار ونتائجه. لذلك، فإن استخدام الاسم نفسه اليوم في مبادرة تقول إنها خارج المظلة الأممية قد يخلق انطباعًا بوجود صفة رسمية أو استمرارية سياسية، وهو أمر ينبغي على أصحاب المبادرة توضيحه للرأي العام. خلفية عن ملتقى جنيف الأصلي وإجراءات اختيار السلطة التنفيذية
وفي المقابل، اختتم «الحوار المُهيكل» الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة أعماله في طرابلس يوم 7 يونيو 2026، وقدم أكثر من 525 توصية تتعلق بتهيئة الظروف للانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة، لكنه لم يعلن من خلال ذلك المسار تسمية رئيس لحكومة جديدة. كما أعادت مجموعة من الدول تأكيد دعمها لخارطة الطريق الأممية المؤدية إلى حوكمة موحدة وانتخابات وطنية. وهذا لا يجعل المسار الأممي فوق النقد، لكنه يوضح الفارق بين مسار معلن الأطراف والإجراءات، وبين إعلان يحتاج أصحابه إلى تقديم كثير من الإجابات قبل المطالبة بأي اعتراف. بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، البيان الدولي بشأن ليبيا
وبصراحة، يصعب وصف ما يحدث بغير العبث السياسي. فالحكومة لا تُشكَّل لمجرد أن مجموعة من الأشخاص اجتمعت خارج البلاد، والشرعية لا تُكتسب بتكرار عبارات مثل «الإرادة الليبية الخالصة». ومن يريد الحديث باسم الليبيين عليه أن يوضح من فوّضه، وكيف اختير أعضاؤه، وما برنامجه، ومن يموله، وما الضمانات التي تمنع تحوّل مبادرته إلى سوق جديدة لتوزيع المناصب.
والمؤسف أن هذا المشهد يكشف مرة أخرى أننا لم ننجح حتى الآن في إنتاج نخبة سياسية وطنية يمكن الاعتماد عليها؛ نخبة تضع مصلحة ليبيا قبل مصالحها، وتملك الشجاعة للعمل وسط الناس وعلى أرض الوطن، بدل الاكتفاء بالمؤتمرات الخارجية والبيانات الكبيرة والصور الرسمية.
الوطنية لا تُقاس بمكان انعقاد المؤتمر، ولا بعدد الأعلام خلف المنصة، ولا بكثرة ترديد كلمات السيادة والاستقلال. الوطنية الحقيقية تقوم على الصدق والشفافية والعمل الجاد داخل ليبيا، وبين أهلها، وفهم معاناتهم واحتياجاتهم. ومن يريد قيادة البلاد فعليه أن يقدم برنامجًا واضحًا، ويقبل المساءلة، ويحصل على تفويض حقيقي من الليبيين.
ليبيا لا تعاني نقصًا في الحكومات، ولا في الراغبين في رئاستها؛ بل تعاني كثرة الأجسام المتنازعة، وغياب الثقة، وانعدام الشرعية الانتخابية. ولذلك فإن إضافة حكومة جديدة غير معترف بها لن توحّد البلاد، بل قد تضيف اسمًا جديدًا إلى قائمة الانقسامات.
لهذا قلتها ساخرًا: إذا كانت جنيف تستطيع أن تمنحنا «حكومة موحدة» بهذه السهولة، فلماذا لا نجرب برمنغهام أيضًا؟ القاعات موجودة، والعلم موجود، وقائمة الراغبين في المناصب لن تنتهي. ويمكننا ترتيب الكراسي بحسب قيمة الاشتراك!
لكن خلف هذه السخرية سؤال جاد ومؤلم: إلى متى سيظل مصير ليبيا يُناقش في القاعات المغلقة، بينما يبقى الشعب الليبي آخر من يعلم؟
تنبيه: فكرة تشكيل حكومة ليبية من برمنغهام، ورسوم الاشتراك وباقات توزيع المناصب، تهكم سياسي وليست وقائع حقيقية. أما إعلان مبادرة جنيف فقد ورد هنا بحسب المعلومات المتداولة، ولا يعني ذلك وجود اعتراف رسمي بالحكومة المعلنة.
