ينتظر المهتمون بالسينما وقضايا الحقوق الإنسانية بشغف افتتاح مهرجان تورونتو السينمائي الدولي (TIFF 2026) في العاشر من سبتمبر المقبل
بالفيلم الدرامي المرتقب Being Heumann، والذي سيعرض لاحقاً في دور السينما وعلى منصة Apple TV+ في شهر نوفمبر. الفيلم من إخراج المخرجة الحائزة على الأوسكار "سيان هيدر" (مخرجة فيلم
CODA)، وبالتعاون مع الكاتبة والناشطة "ريبكا توسيج" في كتابة السيناريو. ويستند العمل إلى مذكرات الناشطة الحقوقية الراحلة جودي هيومان. وتجسد الممثلة البريطانية ذات الإعاقة "روث مادلي" دور جودي، بينما يؤدي النجم "مارك روفالو" دور وزير الصحة والتعليم والرفاه الأمريكي جوزيف كاليفانو، بمشاركة ممثلين آخرين مثل ديلان أوبراين وراي فيشر وروب ديلاني.

تتضح الفلسفة الحقوقية للفيلم من خلال الصراع بين مفهومين أساسيين: "النموذج الطبي" الذي يتعامل مع الإعاقة كمشكلة فردية في الجسد، و"النموذج الاجتماعي" الذي يوضح أن العوائق المعمارية والسياسات الاستبعاد هي التي تُعيق الأشخاص. فقد تم رفض جودي في طفولتها من دخول المدرسة بدعوى أنها "خطر حريق" بسبب استخدامها للكرسي المتحرك، وهو ما يعكس كيف تحرم البيئة غير المهيأة الأشخاص من حقوقهم الأساسية. ويتناول الفيلم نضال جودي ورفاقها في اعتصام (504 Sit-in) الشهير عام 1977 في سان فرانسيسكو؛ حيث استمر المعتصمون 26 يوماً متواصلة داخل مبنى حكومي فدرالي، وهو أطول اعتصام سلمي في تاريخ المباني الحكومية الأمريكية، وذلك لإجبار الحكومة على تطبيق المادة 504 من قانون إعادة التأهيل التي تضمن المساواة والترتيبات التيسيرية في الأماكن العامة.

ومن الناحية الفنية، يتجنب الفيلم تقديم ذوي الإعاقة من منظور الشفقة أو البطولة الخارقة المزيفة، وهي الصور النمطية التي اعتادت هوليوود تقديمها. وبدلاً من ذلك، تقدم المخرجة رؤية سينمائية واقعية تعكس روح السبعينيات بحيويتها وتعقيداتها، وتصور الاعتصام كمساحة للحرية والتجمع الإنساني لمجموعة من الأشخاص الذين ظل أغلبهم معزولاً في المنازل بسبب غياب التسهيلات العمرانية ووسائل النقل المتاحة. كما أن اختيار الممثلة "روث مادلي"، وهي مستخدمة للكرسي المتحرك، لبطولة الفيلم يمثل تطبيقاً عملياً لشعار "لا شيء يخصنا بدوننا"، مما يمنح الدور مصداقية وحضوراً حقيقياً.
وتتجلى القوة التوثيقية والعاطفية للعمل في المشاهد التي تتناول شهادات المعتصمين أمام المسؤولين؛ حيث اختارت المخرجة في أحد المشاهد الرئيسية التخلي عن السيناريو المكتوب وإتاحة المساحة للممثلين ذوي الإعاقة لتقديم تجاربهم الشخصية الحقيقية ومعاناتهم مع التمييز وغياب الإتاحة. أضفت هذه اللحظات العفوية عمقاً إنسانياً صادقاً أثر في طاقم التصوير خلف الكاميرا بقدر ما يؤثر في المشاهد، مما جعل الفيلم وثيقة إنسانية تعبر عن صوت المدافعين عن حقوقهم بشجاعة ووضوح.

تحمل تجربة جودي هيومان والاعتصام الفدرالي دروساً حقوقية مهمة، لكنها تفتح الجرح أيضاً على واقعنا في ليبيا والوطن العربي؛ حيث نأسف لغياب مثل هذه التجارب السينمائية التي تحمل رسالة حقوقية صادقة وتناقش قضايا الإنسان برؤية واقعية بعيدة عن المتاجرة العاطفية أو السطحية. إن السينما العربية ما زالت تفتقر إلى مثل هذا النقد الفني والحقوقي الذي يطرح قضايا الإعاقة كقضايا مواطنة وحقوق واعتراف، وليس كحالات استعطاف. إن هذه التجربة تذكرنا بأن إتاحة البيئة والترتيبات التيسيرية ليست إحساناً، بل هي شرط أساسي لتحقيق المواطنة الكاملة، وأن التغيير التشريعي والمجتمعي يظل ممكناً عندما يملك أصحاب القضايا الوعي والصوت والتنظيم.