كمواطن ليبي، وكغيري من المدونين وصناع المحتوى والناشطين على منصات التواصل الاجتماعي الذين تفاعلوا مع التساؤل الهام والشرارة الرقمية التي كانت الكاتبة والناشطة "للا أحلام طابون" من بين أبرز من لفتوا إليها وضجت بها الصفحات خلال الأيام الماضية، أجد نفسي ملزماً بموجب حق المواطنة والمساءلة الدستورية أن أتبنى هذا التساؤل الجماعي حول ما إذا كان نقل الفنانين والمطربين من وإلى بلادنا قد أصبح جزءاً من المهام السيادية للدولة الليبية. لقد أثير مؤخراً جدل واسع في الشارع الليبي، قاده مدونون ونشطاء على السوشيال ميديا، عقب الأنباء المتداولة عن تخصيص طائرة حكومية رئاسية من طراز إيرباص A319 لنقل المطرب السوري "الشامي" لإحياء حفل غنائي استثماري في طرابلس. هذا الجدل لم يتوقف عند الفضاء الرقمي، بل امتد ليفجر أزمات إدارية وقانونية داخل مؤسسات عامة كجمعية الدعوة الإسلامية التي تقدم مدير شؤونها القانونية باستقالته احتجاجاً على الحدث، والتي تُوجت لاحقاً بصدور أنباء عن إلغاء حفل الشامي المقرر تراجعاً أمام الضغط الشعبي المتزايد، وهو ما يدفعنا لتفكيك المشهد من منظور حقوقي وقانوني بحت، بعيداً عن أي شخصنة.
إن الطيران الحكومي وُجد في الأصل لغاية واضحة حددها القانون، وهي خدمة المصلحة العامة والمهام السيادية التي تشمل نقل الوفود الرسمية، وتنفيذ التكليفات الدبلوماسية العاجلة، وخدمة الدولة وأجهزتها في ظروف استثنائية. ولكن، عندما تُسخر هذه الطائرات لنقل فنانين ومشاهير لإحياء حفلات عامة أو استثمارية غير سيادية، يصبح التساؤل واجباً قانونياً وأخلاقياً حول الصفة الرسمية التي يتم بموجبها هذا النقل، وبناءً على أي قرار إداري صدر، ومن الذي سيتحمل الفاتورة النهائية في نهاية المطاف.
وقد برزت هذه التساؤلات بالأرقام والحسابات الفنية التقديرية التي أثارها ودققها المدون والناشط "المهدي أبو القاسم عبد العاطي"، مشيراً إلى أن تشغيل طائرة من طراز إيرباص A319 في رحلة ذهاب وإياب بين طرابلس وعمّان، تستغرق نحو 7 ساعات طيران، تتراوح كلفته المباشرة بين 55,000 إلى 63,000 دولار أمريكي، بناءً على متوسط تكلفة تشغيلية يبلغ 6,926 دولاراً للساعة كحد أدنى للصيانة والتشغيل الفعلي. في حين تفوق القيمة السوقية الحقيقية لرحلة الـ VIP الخاصة حاجز الـ 110,000 دولار بالنظر لمتوسط أسعار تأجير طائرات رجال الأعمال ACJ319 في السوق العالمي. هذا الرقم المهول ليس مجرد أرقام حسابية عابرة، بل هو اقتطاع مباشر من ميزانية الموارد السيادية التي تملكها الجمعية الوطنية لليبيين
ونود التوضيح هنا وبكل تجرد، أننا لا نتحامل إطلاقاً على الفنان أو المطرب المعني بالحدث، بل نكنّ له ولكل فنان ومبدع كامل الاحترام والتقدير; فهذه مهنته ورسالته التي يسعى لتقديمها، وليس مسؤولاً عن تفاصيل لوجستية تمنحها له الجهات المستضيفة. بل على العكس تماماً، فمن منظور مهني بحت، تُعد هذه التسهيلات ميزة لوجستية وأمنية ذكية لصالحه لضمان سلامته وإنجاح زيارته في ظل حالة عدم الاستقرار أو الفوضى التنظيمية والأمنية الراهنة التي تعيشها البلاد، وأي فنان محترف مكانه سيقبل بهذه الضمانات لتقديم فنه بأمان. إن خلافنا الأساسي ومحور نقدنا موجه بالكامل لـ "صانع القرار الإداري" الذي يملك سلطة التصرف في أصول الدولة; إذ ثمة خيط فاصل وحساس بين الفعالية الاستثمارية الخاصة التي يجب أن تموّل نفسها ذاتياً وبشفافية كاملة، وبين استغلال نفوذ الدولة وإمكانياتها كامتيازات خاصة غير خاضعة للرقابة والمساءلة.
وفي الوقت الذي تحلّق فيه طائرة رئاسية بميزانية تناهز الستين ألف دولار من أجل مجاملة بروتولية، يعاني أطفالنا ذوو الإعاقة، ومرضى ضمور العضلات والأورام والفشل الكلوي، الأمرين للحصول على تكلفة علاج أساسي أو حقنة واحدة قد تنقذ حياتهم، وهي المقارنة الوجيعة والواقعية التي لفت إليها المدون المهدي عبد العاطي في طرحه. إن الحق في الصحة والحياة الكريمة هو حق أساسي مكفول دستورياً ومحمي بالاتفاقيات الدولية، والمساس بأولويات الإنفاق الموجهة لدعم الفئات الأكثر هشاشة لصالح الترفيه والمجاملات يعد انتهاكاً صارخاً للنموذج الاجتماعي للحقوق والعدالة التوزيعية للموارد.
إن غياب الإجابة الرسمية يشرع الأبواب لمنطق "السايبة"; حيث يشعر المواطن أن البلاد تُدار بالمزاجية والنفوذ بدلاً من القانون والمؤسسات. لذلك، نطالب بإعلان رسمي يوضح للعامة من أصدر أمر استخدام هذه الطائرة الحكومية، وما هو السند القانوني الذي يبرر تصنيف هذه الرحلة كـ "مهمة رسمية"، وهل هناك لائحة معلنة ومنشورة تنظم تشغيل الطيران الحكومي وتمنع استغلاله كامتياز شخصي. ويقودنا هذا إلى سؤال جوهري حول تكافؤ الفرص وحق المواطنة المتساوية: لو أن مواطناً ليبياً مغترباً، مقيماً في بريطانيا مثلاً، رغب في العودة إلى وطنه لزيارة أهله وتقدّم بطلب رسمي للحصول على ذات التسهيلات والميزات اللوجستية واستخدام طائرة رئاسية خاصة لتأمين رحلته وتفادي تحديات الفوضى اللوجستية الراهنة، هل كان لينال طلبه؟ أم أن ممتلكات الدولة وتأميناتها تُسخّر حصرياً كامتيازات طبقية للمشاهير بينما تظل المواطنة البسيطة بلا حماية أو اعتبار؟
إذا كانت الرحلة ممولة بالكامل من جهة خاصة، فليُعلن ذلك بالوثائق لإغلاق باب الشبهات، أما إذا كانت التكلفة قد قُيدت على حساب الخزانة العامة، فالمحاسبة واجبة قانوناً. ومن حق رجال القانون والمؤسسات الحقوقية اللجوء إلى القضاء الإداري لرفع دعاوى تجاوز السلطة وإساءة استخدام أموال الشعب وأصوله. إن هيبة الدولة تبدأ من احترام المورد العام، وإن دولة تحترم مواطنيها هي تلك التي تضع حق الطفل المصاب بضمور العضلات في العلاج والدواء فوق حق النجم الشهير في السفر والبروتول والمجاملة.
