في قلب ولاية كاليفورنيا، وتحديداً في لوس أنجلوس، لا تبدو مباراة منتخب إيران لكرة القدم مجرد حدث رياضي عابر يمر بهدوء. هناك، في شوارع "طهرانجلس" (Tehrangeles) النابضة بالحياة - حيث تشير التقديرات الأكاديمية والمجتمعية إلى وجود ما بين 300,000 إلى 500,000 إيراني يعيشون في جنوب كاليفورنيا وحدها - تختلط الذكريات بمرارة الغربة، ويتشابك حنين الوطن بهتافات المدرجات، لتتحول الساحات إلى مسرح حي يمتزج فيه الفن والسياسة بالرياضة.
يأتي هذا المونديال في وقتٍ يعيش فيه العالم مخاضاً جيوسياسياً معقداً؛ فالصراع الأمريكي-الإيراني اليوم ليس مجرد تباين دبلوماسي تقليدي، بل هو مواجهة مستعرة وحرب باردة تأخذ أشكالاً شتى وتلقي بظلالها الكثيفة على خضم هذا العرس الكروي العالمي. وضع العالم اليوم ليس كما كان قبل سنوات؛ الاستقطاب الدولي في ذروته، والتوترات الإقليمية المستعرة جعلت من المستطيل الأخضر ساحة موازية للتدافع السياسي، مما يضع اللاعبين والجماهير تحت ضغط نفسي وسياسي غير مسبوق.
مع وصول المنتخب الإيراني "تيم ملّي" (Team Melli) إلى لوس أنجلوس لخوض مباراته الافتتاحية في كأس العالم ضد نيوزيلندا، تتوجه الأنظار إلى هذه الجالية العريضة التي تمثل التجمع الأكبر للإيرانيين خارج وطنهم الأم. جالية يُقدر إجمالي تعدادها في عموم الولايات المتحدة بأكثر من مليون ونصف المليون نسمة وفقاً للمصادر الأكاديمية والمجتمعية (رغم أن الإحصاءات الرسمية تسجل قرابة نصف مليون)، وهي جالية تجد نفسها اليوم في عين العاصفة، تحمل في وجدانها إرثاً معقداً من اللجوء، الهجرة، والبحث عن الهوية والاستقلالية في زمن أصبحت فيه الرياضة متنفساً وحيداً وصعباً وسط طبول الحرب والسياسة.
انقسام سياسي.. ووحدة خلف القميص
من الناحية الحقوقية والإنسانية، يمثل مجتمع المهاجرين في لوس أنجلوس نموذجاً للتعددية؛ فهم منقسمون في آرائهم ومواقفهم السياسية تجاه النظام في طهران، ولكل منهم تجربته الخاصة مع مفاهيم الحرية والتعبير. ومع ذلك، عندما تطأ أقدام اللاعبين أرض الملعب، يحدث أمر استثنائي: يطفو على السطح حق إنساني أصيل، وهو "الحق في الانتماء والبهجة المشتركة".
إن الهتاف لـ "تيم ملّي" لا يعني بالضرورة اتفاقاً سياسياً، بل هو إيمان مشترك بأن كرة القدم قادرة -ولو مؤقتاً- على ترميم ما هدمته السياسة والمسافات. إنه دفاع عن الهوية الثقافية في مواجهة عزلة المنفى.
من صالات أوكلاهوما إلى شوارع كاليفورنيا: نبض لا يهدأ
هذه المشاهد التي تضج بالحياة في كاليفورنيا تعيدني بالذاكرة إلى عام 2010، عندما حظيت بشرف مرافقة منتخبنا الوطني الليبي للكرة الطائرة جلوس كـ "مرافق إعلامي" في بطولة العالم التي أقيمت بمدينة إدموند في ولاية أوكلاهوما الأمريكية.
كانت تلك التجربة فارقة في مسيرتي؛ حيث عشت عن قرب معاني الإرادة والتحدي التي يسطرها الرياضيون ذوو الإعاقة على المستطيل الأزرق. وهناك، كان المنتخب الإيراني للكرة الطائرة جلوس - وهو بطل العالم التاريخي والأكثر تتويجاً في هذه اللعبة - يصول ويجول بقوة. لكن ما لفت انتباهي بشدة، وظل محفوراً في ذاكرتي التحريرية، لم يكن فقط المهارات الاستثنائية للاعبين، بل ذلك الزخم الجماهيري الإيراني الكثيف الذي ملأ الصالة المغلقة وخارجها.
لقد توافد المشجعون الإيرانيون إلى أوكلاهوما ليس فقط من المدن القريبة، بل تدفقوا من مختلف الولايات الأمريكية، قاطعين آلاف الأميال ليرسموا لوحة مهجرية مدهشة خلف فريقهم البارالمبي.
وبحكم متابعتي الصحفية وإدراكي لتعقيدات المشهد السياسي الإيراني، وعودتي مؤخراً لصور أرشيفي الشخصي الخاص بتلك البطولة، لم تخطئ عيني تفصيلاً بصرياً بالغ الأهمية يعكس حجم التعبير السياسي الجريء والمشحون خارج وداخل جدران الصالة الرياضية.
في مواقف السيارات المحيطة بمقر البطولة، استوقفتني مركبة أمريكية من طراز (GMC) حمراء داكنة تحمل لوحة أرقام أمريكية، وقد ثبّت صاحبها علماً أمريكياً صغيراً على نافذتها الخلفية، بينما غطى زجاجها الأمامي بالكامل لافتة بيضاء ضخمة كُتب عليها بخط أسود عريض وواضح: "DEMOCRACY IN IRAN" (الديمقراطية في إيران). كانت تلك السيارة وحدها بمثابة بيان سياسي متنقل، يلخص صوت المغترب الإيراني الذي يحمل وطنه وجراحه السياسية أينما حل وارتحل.
وداخل الصالة، تواصل هذا التعايش المدهش والكثيف للرموز في مشهد قل نظيره؛ حيث رفعت مجموعات كبيرة من المشجعين أعلام المعارضة الإيرانية التاريخية (التي يتوسطها رمز الأسد والشمس)، وبالمقابل، كان العلم الإيراني الرسمي الحالي حاضراً بكثافة ملحوظة في أيدي المشجعين أيضاً، وليس فقط على قمصان اللاعبين واللوحات الرسمية للبطولة. تشابك الرمزان جنباً إلى جنب في مدرج واحد، معلناً عن تباين سياسي حاد وحقيقي. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا التباين والرفض الواضح للنظام من قبل طيف واسع، إلا أن مؤازرتهم للفريق كانت استثنائية وبلا حدود.
في تلك اللحظات الفاصلة، تجلى وعي جماهيري عميق: فالناس هناك لم يهتفوا لنظام أو سلطة، بل كانوا يهتفون للاعبين كأفراد يمثلون تراب الوطن وأحلامه؛ يمثلون الشعب لا الحكام. ومن هنا، أدركت أن الرياضة - وبخاصة رياضات الأشخاص ذوي الإعاقة التي تناصر حقوق الوصول والتمكين - تمتلك ذات السحر والقوة في صهر الاختلافات وصياغة لغة انتماء واحدة يتحدثها الجميع في بلاد الغربة.
الهوية تتجاوز الحدود
اليوم، لا يلعب منتخب إيران وحده على المستطيل الأخضر؛ خلفه جالية عريضة، وقلوب معلقة بين ثرى الوطن ورماد المنفى. إنهم يثبتون للعالم أن الشعوب قادرة على انتزاع تمثيلها الحقيقي، وأن الهوية الوطنية ملك للناس وليست حكراً على الأنظمة.
ختاماً، وكصوت صحفي ومدون يرى الرياضة من منظورها الإنساني والتمكيني البحت، لستُ معنياً بأي كيان أو اصطفاف سياسي، ولا أحب التدخل في شؤون الشعوب الداخلية والخاصة، فهم بلا شك أدرى بشؤونهم وبما يصلح لهم. ما يعنيني ويهمني هنا هو اللعبة، والمستطيل الرياضي، وشغف هؤلاء الرياضيين الملهمين. ومن هذا المنطلق المهني المستقل والخالص، أتمنى كل التوفيق لمنتخب إيران في رحلته ومنافساته الرياضية بكأس العالم، ولتظل الملاعب دائماً مساحة آمنة للتعبير والتقارب الإنساني بعيداً عن صراعات السياسة.
