Loading... | ... | 00:00

حقوق لا منحة: رؤيتنا لتأسيس هيئة مستقلة لذوي الإعاقة في ليبيا

مشاركة

 

في ليبيا، لطالما ظلّ العمل المؤسسي المعني بقضايا الأشخاص ذوي الإعاقة أسيراً داخل دهاليز "الرعاية والرعوية" التقليدية، وتحديداً تحت مظلة "وزارة الشؤون الاجتماعية" و"الهيئة العامة لصندوق التضامن الاجتماعي". هذا التموضع الإداري الحالي يختزل قضية حقوقية وتنموية شاسعة في مجرد "معاشات أساسية" أو "مساعدات عينية ومادية موسمية"، وهو ما يعزز دون قصد لغة الشفقة والإحسان، بدلاً من لغة التمكين والاستحقاق.

لذلك، نطرح اليوم رؤية لتأسيس هيئة مستقلة تماماً للأشخاص ذوي الإعاقة في ليبيا كفكرة ومبادرة حقوقية تستهدف فك التبعية عن الوزارات الخدمية. هذه الفكرة ليست ترفاً إدارياً ولا مطلباً وليد اللحظة، بل هي خطوة مصيرية لتصحيح المسار القانوني والحقوقي، والانتقال الفعلي نحو "النموذج الاجتماعي للإعاقة" الذي يرى في تهيئة البيئة والتشريعات حقاً أصيلاً للمواطنة، وليس هبة أو منّة.


هذه الفكرة ليست تجربة جديدة: شواهد عربية وإقليمية

عندما نسعى لطرح فكرة الاستقلالية في ليبيا، فإننا لا نبدأ من الفراغ، بل نستند إلى تجارب حية ودول شقيقة حولت هذه الفكرة إلى واقع حقق قفزات نوعية بمجرد تفعيل مبدأ الفصل والاستقلال الإداري والمالي للمؤسسات الراعية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة:


1. المملكة الأردنية الهاشمية: "المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة"

يُعد الأردن من الرواد إقليمياً في هذا المجال؛ حيث ينص قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة الأردني بوضوح على أن المجلس الأعلى هو مؤسسة مستقلة مالياً وإدارياً وله موازنة خاصة به. يتولى المجلس رسم السياسات العامة والتخطيط والمراقبة على التنفيذ، مما منحه سلطة تشريعية ورقابية قوية مكنته من فرض معايير كود البناء والوصول والتعليم الدمجي في مختلف وزارات الدولة.


2. دولة الكويت: "الهيئة العامة لشؤون ذوي الإعاقة"

تُعتبر التجربة الكويتية نموذجاً ريادياً يحتذى به في منطقة الخليج والوطن العربي؛ حيث تأسست الهيئة بموجب القانون رقم (8) لسنة 2010 كـ هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والميزانية المستقلة، وتُلحق بإشراف وزير مختص مع استقلال تام في إدارة شؤونها. هذا التموضع القانوني مكّن الهيئة من الإشراف المباشر والمستقل على ملفات دمج ذوي الإعاقة في قطاعات التعليم والعمل، وصرف المخصصات وتقديم الخدمات التأهيلية دون تداخل الصلاحيات وبشكل يحمي كرامتهم وحقوقهم الدستورية.


3. جمهورية مصر العربية: "المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة"

بموجب القانون رقم 11 لسنة 2019، ينشأ في مصر مجلس مستقل يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الفني والمالي والإداري الكامل. يهدف هذا المجلس المستقل إلى تعزيز وحماية حقوق وكرامة الأشخاص ذوي الإعاقة المقررة دستورياً، ويمثلهم في المحافل الدولية ويقترح القوانين دون الخضوع لأي وصاية وزاريّة قد تعطل برامجه وتوجهاته الحقوقية.


4. المملكة العربية السعودية: "هيئة رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة"

تأسست الهيئة عام 2018 كـ هيئة ذات شخصية اعتبارية مستقلة مالياً وإدارياً. تهدف الهيئة إلى ضمان حصول الأشخاص ذوي الإعاقة على حقوقهم الكاملة بالتعاون والتنسيق المباشر مع جميع القطاعات الحكومية والخاصة، مما أخرج القضية من دائرة "الضمان الاجتماعي" الضيقة إلى فضاء التمكين الاقتصادي والدمج الشامل وتطوير الخدمات.

تخفيف العبء عن كاهل صندوق التضامن والوزارة: مصلحة إدارية وتنموية مشتركة

عندما نتأمل الواقع الإداري الحالي في ليبيا, نجد أن "وزارة الشؤون الاجتماعية" و"الهيئة العامة لصندوق التضامن الاجتماعي" مثقلتان بملفات ضخمة ومتشعبة للغاية. ميزانية صندوق التضامن لا تذهب فقط لدعم ذوي الإعاقة، بل تغطي مروحة واسعة جداً من الفئات والخدمات الاجتماعية الأخرى التي تستنزف موارده وجهوده

صرف وإدارة "المعاشات الأساسية" للفئات المستحقة (والتي تشمل جزءاً كبيراً من ذوي الإعاقة ممن لا تنطبق عليهم شروط معاشات صندوق الضمان الاجتماعي للمشتركين والمتقاعدين).

  • رعاية وتأمين الأيتام ومجهولي النسب والنساء المطلقات والأرامل.
  • إدارة وتشغيل دور رعاية المسنين والعجزة والخدمات الإيوائية والاجتماعية الطارئة.
  • تقديم منح الزواج والمساعدات العاجلة لضحايا الكوارث والحروب والأزمات الاقتصادية.


إن تراكم كل هذه الملفات الحساسة على جهة واحدة (صندوق التضامن) يخلق بالضرورة عقبات بيروقراطية وبطئاً في الاستجابة، ويجعل من الصعب جداً التركيز على التفاصيل التخصصية والدقيقة التي تحتاجها قضية الإعاقة الحديثة.

الأشخاص ذوي الإعاقة اليوم لا يحتاجون مجرد "رعاية إنسانية" أو "معاشات تضامنية"، بل يحتاجون إلى خطط تمكينية معقدة تتقاطع مع كافة قطاعات الدولة؛ كوضع تشريعات كود البناء الليبي الميسر في وزارة الإسكان والمرافق، ووضع مناهج التعليم الدمجي في وزارة التعليم، وتطبيق نسب التوظيف الإلزامية في وزارة العمل، وضمان سهولة الوصول الرقمي في وزارة الاتصالات.

إن تبني فكرة تأسيس هيئة مستقلة متخصصة هو في حقيقته حل يضمن رفع لـ "العبء الإداري" الثقيل عن كاهل وزارة الشؤون الاجتماعية وصندوق التضامن الاجتماعي، مما يتيح لهما القيام بدورهما الأساسي في توفير شبكة الأمان الاجتماعي والرعاية للفئات الأخرى، وفي الوقت ذاته، يمنح ملف الأشخاص ذوي الإعاقة الجهة التخصصية المتفرغة تماماً لرسم السياسات التنموية وتنفيذها بكفاءة وميزانية موجهة حصرياً للتمكين والتأهيل.


لماذا تُعد هذه الاستقلالية المقترحة ضرورة حتمية في ليبيا؟


ليبيا طرف موقع ومصادق على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD)، وهذا الالتزام الدولي يتطلب بناء هيكل مؤسسي قادر على ترجمة بنود الاتفاقية إلى واقع معاش. والتبعية الحالية لوزارات شاسعة تسبب عقبات جوهرية نسعى لحلها عبر هذه الفكرة:

البيروقراطية وتضارب الصلاحيات: تضيع مخصصات ومشاريع تهيئة الوصول والدمج التعليمي بين دهاليز وزارات مختلفة. وجود هيئة مستقلة يضمن رسم سياسة وطنية موحدة تلتزم بها كافة قطاعات الدولة تحت إشراف جسم واحد مخصص.


الانتقال من الرعوية إلى التنموية: صندوق التضامن الاجتماعي بتركيبته الحالية يركز على الرعاية الإيوائية والدعم المالي العيني. بينما تحتاج متطلبات اليوم إلى استراتيجيات للتعليم الدمجي، والتوظيف بنسبة عادلة في قطاعات العمل، والتحول الرقمي الميسر.

صوت أصحاب القضية: الاستقلالية تعني تمثيلاً حقيقياً للأشخاص ذوي الإعاقة داخل الهيئة وإشراكهم المباشر في صناعة القرار (لا شيء يخصنا بدوننا).


"الحقوق تؤخذ بالتمكين والتشريع.. وليست عطايا تُصرف وتتأخر بحسب الميزانيات المتداخلة."

إن الترويج لفكرة إنشاء جسم رقابي وتنفيذي مستقل يتمتع بالسيادة الإدارية والمالية في ليبيا هو المدخل الحقيقي والوحيد لبناء مجتمع عادل ودامج يضمن الكرامة والمساواة للجميع.


مشاركة المقال

 


شارك
✓ تم نسخ النص