من الرعاية التقليدية إلى التمكين العملي:
يحمل شعار احتفالات هذا العام "وطن يحتضن الجميع" رؤية نأمل أن تترجم تدريجياً إلى خطط عمل ملموسة، وهو ما ينسجم مع تصريحات وزيرة الشؤون الاجتماعية وفاء الكيلاني التي أكدت فيها أن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا بمشاركة جميع المواطنين دون استثناء. هذا التوجه يتسق علمياً مع "النموذج الاجتماعي للإعاقة"، الذي يوضح أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الصعوبات الجسدية أو الذهنية للفرد بذاتها، بل في الحواجز البيئية والتنظيمية التي تفرضها البيئة المحيطة وتمنعه من المشاركة الفعالة. بناءً على هذا المنظور المعتمد دولياً، فإن التزام الدولة بالتمكين يتطلب التركيز على تهيئة البنية التحتية والمباني الحيوية لتسهيل حركة الجميع بشكل مستقل، والعمل على تطوير سياسات عملية تدعم التعليم الدمجي، إلى جانب الانتقال ببرامج الدعم من مجرد مساعدات عينية مؤقتة إلى فرص تأهيل مهني مستمر تضمن الاستقلال المالي والاجتماعي للمستهدفين.
نحو خطاب احتفالي أكثر عمقاً وواقعية:
كمتابع ومهتم بالشأن الحقوقي، أرى أن تنظيم هذه الفعاليات يمنحنا فرصة دورية لمراجعة الطريقة التي نُقدّم بها قضايا الإعاقة للرأي العام وتطويرها لتكون أكثر تأثيراً. التحدي الأساسي هنا يكمن في تجنب بعض الأنماط التقليدية في الخطاب السائد، والتي قد تختزل الأشخاص ذوي الإعاقة في صورة نمطية مكررة تركز على الجانب العاطفي أو تظهرهم كفئة متشابهة في الاحتياجات والاهتمامات، بدلاً من التعامل معهم كأفراد مستقلين ومواطنين لهم تطلعات وحقوق متنوعة. وللارتقاء بهذه المناسبات مستقبلاً، من المهم الابتعاد عن لغة الشفقة والتركيز بدلاً من ذلك على تعزيز الكرامة المتأصلة والعدالة الاجتماعية، مع تجنب الصياغات التعبيرية التي تصوّر الإعاقة كحاجز شخصي بحت مثل عبارة "رغم إعاقته استطاع"، بل الإشارة بموضوعية إلى أن العوائق البيئية والمجتمعية هي التي تحتاج إلى معالجة وإصلاح.
ويتطلب هذا التطوير أيضاً الانتقال من جعل الأشخاص ذوي الإعاقة مجرد حضور في المناسبات الرسمية، إلى إشراك ممثليهم بشكل فاعل ومباشر في لجان التخطيط والتنظيم والإدارة لهذه الفعاليات ليعبروا عن تطلعاتهم بأنفسهم. إن الهدف الأسمى للاحتفال باليوم الوطني يكمن في التركيز على دمجهم الفعلي وإتاحة الفرص المتكافئة لهم، تماشياً مع رؤية الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية التي تؤكد على أن الغرض من هذه الأيام الدولية هو رفع الوعي العام بقضايا الإعاقة، وإدماجهم المؤثر في كافة مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية كشركاء حقيقيين في الوطن.
خطوات تنفيذية قابلة للتطبيق على أرض الواقع:
إن حضور القيادات التنفيذية في مثل هذه الفعاليات يمثل في جوهره التزاماً أدبياً وسياسياً يتجاوز الطابع البروتوكولي للمناسبة، وهو ما يدفعنا كنشطاء ومتابعين إلى تقديم مقترحات واقعية وقابلة للتنفيذ لمساعدة صناع القرار على ردم الفجوة بين الخطط الرسمية والواقع اليومي الصعب في شوارعنا ومؤسساتنا. وفي هذا السياق، يمثل إعلان وزيرة الشؤون الاجتماعية وفاء الكيلاني عن تشكيل لجنة مختصة لمراجعة ودراسة زيادة المعاشات الأساسية المخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة خطوة إيجابية بالغة الأهمية لتعزيز مستوى الحماية الاجتماعية وتحسين الظروف المعيشية لهم. كما أن إشارتها إلى عمل لجان فنية متخصصة لتطوير اللوائح المنظمة بما يتلاءم مع الاحتياجات الحالية والاتفاقيات الدولية يفتح الباب أمام مواءمة حقيقية للتشريعات المحلية، وعلى رأسها القانون رقم 5 لسنة 1987، مع الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD) التي صادقت عليها ليبيا.
وعلى المستوى المالي والخدمي، يمكن لوزارتي التخطيط والمالية تفعيل معايير "الوصول الشامل" بشكل تدريجي ومدروس، من خلال اشتراط تضمين التسهيلات الهندسية وحرية الحركة في مواصفات المشروعات والمباني الخدمية والتعليمية الجديدة قبل اعتماد ميزانياتها. أما على الصعيد الاقتصادي، فإن الحل العملي لتفعيل نسبة الـ 5% المقررة قانوناً لتوظيف الأشخاص ذوي الإعاقة لا يقتصر على فرض الالتزامات فحسب، بل يتطلب تقديم حوافز ملموسة للمؤسسات العامة والخاصة الملتزمة بالتوظيف، وتسهيل إجراءات تهيئة بيئات العمل لتكون ملائمة لهم، مما يحولهم إلى طاقات منتجة تساهم بفاعلية في دفع عجلة الاقتصاد الوطني. ويمكن مستقبلاً تطوير المعرض السنوي ليكون أداة للشفافية، حيث تعرض فيه الجهات الحكومية والخدمية تقارير دورية مبسطة توضح الإجراءات الفعلية التي اتخذتها خلال العام لتسهيل حياة الأشخاص ذوي الإعاقة والخطوات القادمة لمعالجة النواقص.
40 جهة عارضة.. ونموذج للقدرة والاستقلالية:
بمشاركة قرابة 40 جهة عارضة وما يقارب 140 مشاركاً، أثبت هذا المعرض بوضوح أن الأشخاص ذوي الإعاقة يمتلكون طاقات وقدرات حقيقية عندما تتوفر لهم البيئة الميسرة والداعمة. ومع ذلك، فإن تجربة الحضور والمشاركة في هذا الحدث كشفت عن مفارقة واقعية تعكس عمق الفجوة التي نناقشها؛ إذ إن أرض معرض طرابلس الدولي -رغم رمزيته الكبيرة ومكانته التاريخية- لا تزال تفتقر إلى التجهيزات والتهيئة البيئية الشاملة التي تمكن الزوار والمشاركين ذوي الإعاقة من الحركة والتنقل بمرونة واستقلالية تامة، وهو ما أكده لنا العديد من الحاضرين والزملاء الذين واجهوا صعوبات عملية ملموسة في الوصول إلى الأروقة والأجنحة المختلفة ومرافق المعرض. إن هذا القصور اللوجستي في موقع الاحتفاء نفسه يضعنا أمام الحقيقة الميدانية التي نؤكد عليها دائماً: وهي أن العطاء والتميز لهذه الفئة يظل مقيداً ما لم تبدأ الدولة بتهيئة الفضاءات العامة وتذليل العقبات المادية على أرض الواقع.
إن تفاعل رئيس الحكومة وتشجيعه للمشاركين وتكريم الفائزين بالماراثون يمثل دعماً معنوياً مقدراً، لكن الاستمرارية والأثر الحقيقي يكمنان في ترجمة هذا التشجيع وتصريحات الوزيرة إلى قرارات تنفيذية وميدانية تضمن البدء الفوري في صيانة وتهيئة المرافق الخدمية والتاريخية كالمعرض الدولي لتصبح صديقة للجميع، وتدعم استدامة هذه الأنشطة البيئية الحاضنة على مدار العام. في مدونتنا، نؤمن بأن الاحتفال باليوم الوطني للأشخاص ذوي الإعاقة لا ينتهي بانتهاء المعرض والماراثون، بل يبدأ من خلال العمل اليومي والمتابعة المستمرة لتهيئة بيئة وطنية متكاملة تُحترم فيها الحقوق، وتُزال فيها العوائق، وتُصان فيها كرامة واستقلالية كل مواطن ومواطنة.
