Loading... | ... | 00:00

التكنولوجيا المساعدة: فجوة الوصول كعائق أمام حقوق الإنسان

مشاركة

 


في عالمٍ يتسارع خطوه نحو الرقمنة الشاملة، لم تعد التكنولوجيا المساعدة مجرد خيار تكميلي أو أدوات مضافة، بل باتت بمثابة العمود الفقري الذي ترتكز عليه استقلالية الأشخاص ذوي الإعاقة، والشرط الأساسي لتمكينهم من ممارسة حقوقهم الدستورية والمدنية في التعليم، العمل، والمشاركة المجتمعية. وانطلاقاً من الشعار الأساسي لقمة الإعاقة العالمية، نؤكد أن الحق في الوصول إلى هذه الأدوات الحيوية لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يرتبط بالرمز البريدي للمستفيد أو يخضع للظروف الجغرافية والاقتصادية التي ولد فيها، لأن تمكين الإنسان حق أصيل عابر للحدود. ومع ذلك، تشير الإحصائيات العالمية الصادمة إلى وجود نحو 2.5 مليار إنسان بحاجة ماسة لمنتجات مساعدة مثل الكراسي المتحركة، المعينات السمعية، النظارات الطبية، والتقنيات الرقمية المتقدمة التي تجعل الحياة المستقلة والإنتاجية ممكنة.

يتجلى الخلل الهيكلي الفادح عند النظر إلى مؤشرات توزيع هذه التقنيات عالمياً، حيث يظهر تباين صارخ يحرم ملايين البشر في منطقتنا من فرص متساوية للعيش بكرامة. فبينما يتمكن 90% من المحتاجين في الدول ذات الدخل المرتفع من الوصول إلى المنتجات المساعدة التي تضمن استقلاليتهم، تتدهور هذه النسبة بشكل دراماتيكي لتصل إلى 10% فقط في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، وهي الفئة التي تندرج تحتها معظم بلداننا العربية. ومن منظورنا الحقوقي القائم على "النموذج الاجتماعي للإعاقة"، فإننا نرى أن هذه الفجوة الهائلة لا تمثل عجزاً في خطوط الإنتاج أو مشكلة توريد عالمية، بل هي نتيجة مباشرة لإخفاقات متراكمة في آليات التمويل، وغياب السياسات الوطنية الممنهجة، فضلاً عن الحواجز الجمركية والبيروقراطية غير المبررة التي تفرض رسوماً تعجيزية تجعل هذه التكنولوجيا سلعاً كمالية تقتصر على القادرين مادياً في وقت تزداد فيه الحاجة المحلية في دول النزاعات مثل ليبيا.


على الصعيد العالمي، وتزامناً مع اليوم العالمي للتكنولوجيا المساعدة، تم الإعلان خلال قمة الإعاقة العالمية (GDS 2025) عن التزامات دولية طموحة تسعى لكسر هذه الحواجز بحلول عام 2027 بقيادة شراكة "ATscale". وتتمحور هذه الالتزامات حول تمكين 50 مليون شخص في الدول النامية من الوصول إلى المنتجات والخدمات التقنية المساعدة، وحشد 195 مليون دولار لدعم برامج دمج التكنولوجيا المساعدة في الخطط الصحية الوطنية والسياسات العامة لأكثر من 35 دولة منخفضة ومتوسطة الدخل. علاوة على ذلك، تتعهد هذه الشراكة بالعمل الجاد لإزالة الضرائب والتعريفات الجمركية التي تحرم الفئات الأكثر احتياجاً من اقتناء الأدوات التعويضية، مع تخصيص ما لا يقل عن 5% من حجم التمويل الإجمالي مباشرة نحو منظمات المجتمع المدني الممثلة للأشخاص ذوي الإعاقة (OPDs) لضمان قيادة حقوقية فاعلة للمشهد التقني والتنفيذي.


وفي سياق هذا الحراك العالمي، تأتي الدولة الليبية ممثلة في وزارة الشؤون الاجتماعية لتقدم 17 التزاماً استراتيجياً في المحفل الدولي، وهي خطوات هامة نحو صياغة بيئة وطنية دامجة تلبي المعايير الدولية وتتحمل مسؤوليتها الأخلاقية. وتتعهد الوزارة في هذا الإطار بإطلاق التصنيف الليبي الموحد وإعداد "كود الإعاقة" الوطني الذي يتواءم مع الاتفاقيات الدولية الرامية للقضاء على كافة أشكال التمييز، بالتوازي مع التأسيس لمفهوم "الميزانية الصديقة للإعاقة" لضمان التمويل المستدام وزيادة قيم المعاشات الأساسية لتغطية التكاليف الحياتية الإضافية للأسر. كما تشمل هذه التعهدات حزمة من التدابير الرامية لتسهيل الوصول المادي والخدمي، وفي مقدمتها إعداد لائحة تصميم شاملة لتيسير ولوج المرافق العامة، والعمل على رقمنة الخدمات بالكامل عبر منصات موحدة وسجل اجتماعي متكامل يضمن تكافؤ الفرص للمستفيدين، بالتوازي مع التوسع الأفقي لتقديم الرعاية والتأهيل بإنشاء فروع متخصصة ومباني رعاية نهارية وإقامية حديثة ومجهزة في مختلف القرى والمناطق النائية في ليبيا لكسر مركزية الخدمات وضمان وصولها لكافة المواطنين بعدالة جغرافية تامة.


يمتد الجانب التنفيذي لهذه الالتزامات الليبية ليشمل قطاعي التعليم والتأهيل الطبي التخصصي باعتبارهما حجر الزاوية في بناء قدرات الفرد واستقلاليته الكاملة في المجتمع. وتسعى الوزارة وفق خطتها المعلنة إلى تمكين الطلاب الجامعيين من ذوي الإعاقة البصرية عبر تزويدهم بأحدث أجهزة قراءة وتدوين بطريقة "برايل" المتطورة، إلى جانب استكمال طباعة قاموس لغة الإشارة الليبي الموحد لدعم فئة الصم والبكم ودمجهم التعليمي والمؤسسي. وفيما يخص الجانب الطبي والتعويضي المباشر، تشمل الالتزامات تطوير وصيانة ورش الأطراف الصناعية القائمة وتدشين ورش جديدة في عدة مدن ليبية للحد من مشقة السفر والتكاليف الباهظة، بالتوازي مع إطلاق برامج تدريب مستمرة للكوادر الوطنية للتعامل مع أحدث تقنيات التصنيع والتأهيل، فضلاً عن دعم المهنيين والمبدعين من ذوي الإعاقة من خلال إقامة معارض متخصصة لتسويق منتجاتهم والاعتراف بدورهم الإنتاجي والابتكاري في بناء الدولة.

إن وجود ليبيا على خارطة هذه الالتزامات الدولية الطموحة يعد خطوة مبشرة، غير أن العبرة الحقيقية تظل دائماً في مدى القدرة على تحويل هذه الوعود الورقية إلى واقع معاش يشعر به المواطن في حياته اليومية. إن ردم فجوة الوصول وحماية الكرامة الإنسانية لا يرتكزان على جودة الصياغات القانونية فحسب، بل على إرادة سياسية صلبة وتخصيصات مالية حقيقية تتجاوز المركزية الإدارية والتعقيدات البيروقراطية لتصل الخدمات التقنية والتعويضية إلى مستحقيها الفعليين أينما كانوا. وفي ختام هذا الطرح، يظل السؤال الجوهري والمفتوح مطروحاً لكل القراء والمهتمين بالشأن الحقوقي في ليبيا والمنطقة العربية.

مشاركة المقال

 


شارك
✓ تم نسخ النص