تمثل المبادرة التي أطلقتها مؤسسة يو كي فاينانس UK Finance، وهي الهيئة المهنية التي تمثل قطاع الخدمات المصرفية والمالية في المملكة المتحدة، لوضع أول ميثاق ممارسات موحد للبطاقات المصرفية الميسرة تحولاً جذرياً في كيفية تطويع التقنية لخدمة الحقوق الأساسية، حيث لم يعد التصميم مجرد مسألة جمالية بل أداة لتمكين الأفراد مالياً. وتستند هذه المعايير في جوهرها إلى النموذج الاجتماعي للإعاقة الذي يرى أن العائق ليس في قدرات الفرد بل في الحواجز التي تضعها البيئة المحيطة. ومن هنا جاء تطوير هذه المواصفات لضمان أن تكون البطاقة المصرفية وسيلة للتمكين لا مصدراً للإقصاء، وهو ما يتجلى بوضوح في هذا الميثاق الذي جعل المملكة المتحدة أول دولة في العالم تتبنى معايير وطنية موحدة للبطاقات المطبوعة المسطحة لتعزيز الشمول المالي.
إن القوة الحقيقية لهذا النموذج تكمن في كونه ثمرة تعاون واسع النطاق لم يقتصر على المؤسسات المالية فحسب، بل شمل المعهد الملكي الوطني للمكفوفين والجمعية البريطانية لعسر القراءة ومجموعة من خبراء الوصول والمدافعين عن حقوق المستهلك جنباً إلى جنب مع عمالقة الصناعة مثل ماستركارد وفيزا وإيديميا. ورغم أن الالتزام بهذا الميثاق طوعي، إلا أن استجابة عشر مؤسسات مالية كبرى تمثل نحو 80 في المئة من سوق إصدار البطاقات تعكس إدراكاً عميقاً بضرورة توحيد التجربة للمستخدم. هذا التوحيد يعني أن المستخدم لن يضطر لإعادة تعلم تصميم جديد في كل مرة يغير فيها مزود الخدمة، مما يعزز ثقته واستقلاليته عند الدفع في المتاجر أو عبر الإنترنت.
يتصدر التمييز اللمسي قائمة الابتكارات في هذه المعايير، حيث تم اعتماد تقنيات هندسية تتيح للمستخدم التعرف على نوع البطاقة بمجرد اللمس عبر دمج فتحات جانبية ملموسة ومحددة في جسم البطاقة. فالفتحة المستديرة تشير دائماً إلى البطاقة المدينة، بينما ترمز الفتحة المربعة لبطاقات الائتمان، ويُخصص الشكل المثلث للبطاقات الأخرى مثل بطاقات التوفير والبطاقات مسبقة الدفع. هذا التوحيد القياسي يمنح المستخدمين من المكفوفين وضعاف البصر قدرة فورية على التمييز بين مواردهم المالية المختلفة، مما يعزز خصوصيتهم ويقلل اعتمادهم على مساعدة الآخرين في العمليات اليومية.
أما على صعيد الوضوح البصري، فقد وضعت المعايير محددات تقنية دقيقة تضمن أقصى درجات المقروئية لجميع المستخدمين بما في ذلك المصابين بعسر القراءة. وتلزم هذه المواصفات المصارف باستخدام أحجام خطوط لا تقل عن 4.5 ملم لرقم البطاقة، و 3.5 ملم لرمز الأمان وتاريخ الانتهاء ورقم الحساب، و 2.5 ملم لاسم صاحب البطاقة، و 2 ملم لأرقام هواتف خدمة العملاء، مع اشتراط أن يكون الخط من النوع البسيط والخالي من الزوائد التزيينية ودون استخدام الخطوط المائلة. ولضمان عدم تشتت الرؤية، يتم منع استخدام الأسطح العاكسة مع اشتراط لمسات نهائية غير لامعة وتباين لوني عالٍ يجعل البيانات تبدو واضحة فوق خلفية البطاقة، وهو ما يسهل عملية المسح البصري السريع للبيانات الهامة.
من المتوقع أن يبدأ انتشار هذه البطاقات بشكل واسع في النصف الأول من العام القادم، حيث ستبدأ المؤسسات المشاركة بإصدارها تدريجياً لتعوض البطاقات الحالية مع مراعاة معايير الاستدامة في استبدال المخزون القديم. وفي منطقتنا العربية، تظل هذه المعايير بمثابة منارة معرفية تدفعنا للتساؤل عن مدى جاهزية مؤسساتنا المالية لتبني أكواد الوصول ليس كرفاهية بل كالتزام أخلاقي وقانوني يضمن الحق في الوصول والخصوصية المالية للجميع كجزء أصيل من التحول الرقمي الشامل. نحن في مدونة عبدالسلام شليبك نؤمن بأن نشر هذه المعرفة وتوثيق هذه التجارب العالمية هو الخطوة الأولى نحو بناء بيئة مصرفية دامجة تحترم استقلالية الجميع وتدعم حقهم في العيش بكرامة.
