لطالما آمنت بأن الرياضة ليست مجرد نشاط ترفيهي أو بدني، بل هي أداة حقوقية فاعلة لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة، وإبراز قدراتهم الاستقلالية، والمطالبة بحقهم الكامل في المشاركة المجتمعية والوصول الشامل. من هذا المنطلق الحقوقي، أسعد اليوم بفتح ملف رياضي هام يمس مباشرة تمكين أبطالنا البارالمبيين وكوادرنا التدريبية في ليبيا، وكيف يمكنهم حجز مقاعدهم على خارطة الدبلوماسية الرياضية العالمية. نتحدث اليوم عن "برنامج الزوار الرياضيين" (Sports Visitor Program)، وهو مبادرة دبلوماسية وثقافية رائدة تشرف عليها وزارة الخارجية الأمريكية، تهدف لتمثيل الدول وتبادل الخبرات الرياضية والقيادية، وسنستعرض معاً كيف يمكن لليبيا أن تكون في قلب هذا المشهد الرياضي والحقوقي عبر تفعيل الشراكات واستثمار الفرص المتاحة بشكل منظم ومستدام.
قد يتساءل البعض عن مدى إتاحة هذا البرنامج لليبيا وعن كيفية استفادة الرياضيين والمدربين الليبيين منه بفاعلية، والواقع يؤكد أن الإجابة هي نعم وبكل ثقة. تاريخياً، يمتلك الرياضيون والمدربون الليبيون حضوراً في هذا البرنامج العالمي الذي تديره وزارة الخارجية الأمريكية بالتنسيق مع سفاراتها حول العالم، حيث سبق وأن شارك مدربون ليبيون في دورات سابقة بالولايات المتحدة الأمريكية، مثل برنامج تبادل مدربي كرة القدم الذي نظمه مكتب الدبلوماسية الرياضية لمدربين من ليبيا ومصر وتونس واليمن. غير أن السؤال الحقوقي الأبرز يكمن في كيفية الانتقال من هذه المشاركات الفردية العشوائية إلى استحقاق منظم ومستدام لأبطالنا من ذوي الإعاقة وكوادرنا الفنية الوطنية، وهو ما يفرض علينا فهم الآليات التمويلية والتنسيقية المتاحة واستغلالها بوعي.
ولتحقيق هذا الانتقال الفعلي، يتطلب الأمر حزمة من الخطوات العملية المترابطة التي ترتكز على المبادرة الوطنية والتشبيك المؤسسي الذكي. وهنا تبرز فرصة حقيقية ومباشرة من خلال "برنامج المنح الصغيرة للدبلوماسية العامة" (Public Diplomacy Small Grants Program) الذي أعلنت عنه بعثة الولايات المتحدة لدى ليبيا عبر مكتبها الخارجي المتواجد في تونس، والذي تم تحديثه مؤخراً في يونيو من عام 2026. يمثل هذا البرنامج السنوي (Annual Program Statement) فرصة ذهبية للمؤسسات الأكاديمية، والبلديات، والمنظمات الأهلية غير الربحية، وحتى الأفراد الفاعلين في ليبيا، للتقدم بمقترحات مشاريع رياضية وحقوقية ممولة بالكامل تخدم الأهداف الاستراتيجية المشتركة مثل تعزيز الفرص الاقتصادية والاجتماعية، وإبراز الشراكة الليبية الأمريكية والقيم الإنسانية المشتركة المتمثلة في الدمج والوصول الشامل، ودعم استقرار ليبيا ووحدتها.
إن هذا التمويل المتاح يفتح الباب على مصراعيه أمام اللجنة البارالمبية الليبية، والنوادي الرياضية المتخصصة، والمنظمات المدافعة عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، لصياغة مبادرات مخصصة ودامجة تستقطب خبراء الرياضة البارالمبية الأمريكيين لتدريب الكوادر المحلية داخل بلادنا، أو لتقديم مشاريع تبادل تشمل خريجي برامج التبادل السابقة لتعزيز استدامة الأثر الرياضي والحقوقي. ولتفعيل هذا المسار، يمكن للجهات المهتمة والأندية الرياضية المبادرة بمراسلة قسم الدبلوماسية العامة ببعثة الولايات المتحدة إلى ليبيا مباشرة عبر البريد الإلكتروني الرسمي المخصص للاستفسارات والتبادل (LibyaUSAExchanges@state.gov)، لعرض أفكارهم وبناء شراكات حقيقية تنقل رياضة ذوي الإعاقة في ليبيا من الهامش إلى مراكز التأثير وصناعة القرار الرياضي الدولي.
ويأتي الإعلان الأخير الصادر عن جيراننا في اللجنة البارالمبية المصرية لفتح باب التقديم لبرنامج الزوار الرياضيين لعام 2026 كنموذج عملي ملهم ومحفز في آن واحد، يسلط الضوء على قيمة هذه البرامج وأهميتها. هذا البرنامج، الذي تستضيفه ولاية يوتا ومناطق غرب الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة الممتدة من التاسع عشر من أكتوبر وحتى الأول من نوفمبر لعام 2026، يركز بشكل أساسي على فئتين رئيستين؛ الأولى هي الشباب الرياضيون من ذوي الإعاقة الذين تتراوح أعمارهم بين خمسة عشر وواحد وعشرين عاماً ممن يمتلكون الشغف بالرياضات البارالمبية، والثانية هي فئة المدربين والإداريين البارالمبيين ممن تزيد أعمارهم عن ثلاثة وعشرين عاماً. إن تحديد يوم العشرين من يونيو لعام 2026 كآخر موعد لتلقي الطلبات للوفد المصري يمثل جرس إنذار إيجابي يضع مسؤولية كبرى على عاتق مؤسساتنا الرياضية والحقوقية في ليبيا، ويدعونا للتحرك السريع لخلق مسارات تنسيقية مشابهة تضمن تواجداً ليبياً فاعلاً في مثل هذه المنصات الدولية المرموقة.
ومن منظور النموذج الاجتماعي للإعاقة، نرى في هذه الدبلوماسية الرياضية أداة حقوقية بالغة الأهمية لتفكيك الحواجز البيئية والاجتماعية والتنظيمية التي يفرضها المجتمع أمام الأشخاص ذوي الإعاقة. إن تمكين رياضيينا ومدربينا من الاحتكاك بالمنظومات الدولية يتيح لهم الوقوف على أحدث الابتكارات التكنولوجية والمنشآت المهيأة عالمياً، مما يعود بهم إلى أرض الوطن محملين بالمعرفة والأدوات اللازمة للمطالبة ببيئات رياضية دامجة وتطبيق معايير التيسير والوصول الشامل في مدننا الليبية. علاوة على ذلك، تسهم هذه المشاركات في صناعة قيادات حقوقية شابة قادرة على قيادة حملات كسب التأييد ونشر الوعي عبر منصات الرياضة، مما يدفع بالخطاب الرياضي المحلي بعيداً عن مفاهيم الشفقة والترفيه العاطفي، باتجاه لغة الاستحقاق، والتمثيل الوطني، والبطولة المستقلة. بناءً على هذا، أدعو كل بطل وبطلة، وكل مدرب وإداري في ليبيا يمتلك الشغف لتطوير الرياضة البارالمبية، ألا ينتظر الفرص بل أن يسعى لصناعتها والبدء بمراسلة الجهات المعنية للمطالبة بتمثيل ليبي لائق ومستحق.
دمتم مستقلين، فاعلين، ومؤثرين.
