Loading... | ... | 00:00

وهم الأمان ووهم العطاء المفرط: ماذا تعلمنا صدمة التسريحات في ميتا؟

مشاركة

 

في ظل التسارعات العنيفة التي يشهدها قطاع التكنولوجيا اليوم، تبرز قصص إنسانية مؤلمة تكسر جمود الأرقام الإحصائية الجافة للتسريحات الجماعية، ولعل أكثرها تأثيراً ما نشره مؤخراً موظف "ناجٍ" في شركة "ميتا" (Meta) عبر منصة Blind المهنية، معبراً عن صدمته العميقة وما يُعرف علمياً بـ "ذنب الناجين" (Survivor's Guilt) إثر تسريح زميلة له كانت تمثل نموذجاً حياً للإخلاص والتفاني المطلق. يروي الموظف بمرارة كيف كانت هذه المهندسة، المصنفة في رتبة تقنية متقدمة كـ IC4 (مهندس برمجيات بمستوى فوق المتوسط، وهو مستوى يتلقى شاغلوه إجمالي تعويضات سنوية ضخمة تبلغ حوالي 312,000 دولار أمريكي تشمل راتباً أساسياً يقدر بـ 181,000$ وأسهماً سنوية بقيمة 107,000$ بالإضافة إلى مكافأة سنوية تبلغ 24,000$، وفقاً لبيانات موقع Levels.fyi) وسجلها خالٍ تماماً من أي ملاحظات أو تقييمات سلبية في نظام الشركة الصارم، تواصل الليل بالنهار وتنام أقل من أربع ساعات يومياً لشهور متواصلة لإنجاز مشروع معقد ذي موعد نهائي حرج، حتى أنها أصيبت بالمرض مراراً نتيجة الإنهاك؛ حيث كان يراقب بذهول تعديلاتها البرمجية (Commits) وهي تُرفع على خوادم الشركة في الثالثة فجراً ثم السادسة صباحاً، ليفاجأ الجميع لاحقاً بتسريحها بدم بارد دون أي اعتبار لتضحياتها الصحية أو تفانيها المهني الخارق.

تأتي هذه الواقعة الصادمة لتفكك سراب الأمان الوظيفي وتكشف عن الآلية الصماء التي تُدار بها كبرى شركات التكنولوجيا مثل "ميتا"، والتي أطاحت بأكثر من 21,000 موظف في موجات تسريح كبرى ومتعاقبة؛ لتثبت للجميع أن قرارات الاستغناء الجماعي هي قرارات خوارزمية ومالية بحتة تُتخذ خلف الأبواب المغلقة لإرضاء المستثمرين ورفع قيمة أسهم الشركة. وفي هذه المعادلات الرياضية الباردة، تتحول التضحيات الفردية، والعمل المفرط، ومعدلات الأداء العالية إلى مجرد أسطر على جداول البيانات (Spreadsheets)، فلا تشفع للموظف رتبته ولا جودة عمله البرمجي ما دامت الخوارزمية الاقتصادية قد قررت إلغاء قسمه أو تقليص نفقات مشروعه ككل، مما يجعل التفاني المطلق والاحتراق المهني رهانًا خاسرًا يستهلك صحة الإنسان وطاقته دون أدنى التزام أخلاقي أو مهني متبادل من المؤسسة.

إن الدرس الأقسى والرسالة الأكثر إلحاحاً للمحترفين اليوم هي ضرورة التوقف الفوري عن التضحية بالصحة والحياة الشخصية ظناً بأنها تضمن البقاء، وهو ما يلخصه بدقة الاقتباس الشهير للعالم ورئيس الهند الأسبق د. أيه بي جي عبد الكلام حين قال:
«أحب عملك، ولكن لا تحب شركتك، لأنك لا تدري متى ستتوقف شركتك عن حبك»
. فالعطاء المفرط لا يبني أماناً بل يحرق صاحبه فقط، والولاء من طرف واحد هو استراتيجية منتهية الصلاحية في سوق العمل الحديث. فالأمان الحقيقي اليوم لم يعد يعني البقاء في شركة كبرى لسنوات طويلة، بل يكمن في قدرتك الذاتية على التوظيف المستمر (Employability)، وبناء اسمك المهني المستقل خارج أسوار وظفتك الحالية، وتأمين خيارات ومصادر دخل بديلة تحميك من التقلبات المفاجئة؛ فالقاعدة الذهبية للنجاة تقتضي بأنك لا تنجو بكونك مهماً ومطيعاً للمؤسسة، بل تنجو حقاً عندما تمتلك من المهارات والنفوذ ما يجعلك في غنى تام عنهم وواقفاً على قدميك مهما تعصفت الظروف.

مشاركة المقال

 


شارك
✓ تم نسخ النص